البلدات العربية.. غياب التخطيط وحضور جرافات الهدم

 البلدات العربية.. غياب التخطيط وحضور جرافات الهدم
الهدم في جلجولية الأسبوع الماضي (عرب 48)

في الوقت الذي تماطل لجان التنظيم والبناء بالمصادقة على الخرائط الهيكلية وتمتنع عن توسيع مسطحات النفوذ والبناء للبلدات العربية، تواصل جرافات المؤسسة الإسرائيلية هدم منازل ومنشآت زراعية بالمجتمع العربي بذريعة البناء غير المرخص.

خلال الأيام الأخيرة قادت جرافات الهدم معززة بقوات الشرطة والوحدات الخاصة، حملة هدم واسعة النطاق لمنازل ومنشآت عربية بالنقب والمثلث والجليل، لتواصل لجان التنظيم والبناء سياسة هدم البيوت بالمجتمع العربي الفلسطيني، وترسيخ سياسة محاصرة البلدات العربية التي تعمق أزمة الأرض والمسكن.

سياسات التهميش والإقصاء للعرب من دائرة التخطيط والبناء، وهي التي تعتمدها المؤسسة الإسرائيلية منذ عقود، فاقمت أزمة السكن في المجتمع العربي الذي بحاجة إلى 7 آلاف وحدة سكنية جديدة سنويا، فيما ينقص البلدات العربية 120 ألف وحدة سكنية للأزواج الشابة، بينما تمتنع لجان التنظيم والبناء عن منح التراخيص لـ60 ألف منزل بنيت في البلدات العربية، ناهيك عن 55 ألف من المنشآت الزراعية، التجارية والاقتصادية بالنقب التي يهددها الهدم بالنقب.

وحسب إحصائيات الكنيست الإسرائيلي، فإن 97% من أوامر الهدم الإدارية التي صدرت عن لجان التنظيم والبناء بين الأعوام 2012-2014، صدرت ضد منازل عربية، كما أخفقت الحكومة الإسرائيلية بتثبيت وتنفيذ القرارات الصادرة عنها والقاضية بتسويق أراضي وإقامة مشاريع إسكانية خاصة بالبلدات العربية.

وفقا لتقرير "لجنة الـ120 " الحكومية، فإن خطط الإسكان التي أعدتها الوزارات الحكومية ذات الصلة، أخفقت في تسويق وحدات الإسكان في المجتمع العربي، إذ بلغت نسبة التسويق لوحدات الإسكان 20% فقط، هذا في الوقت الذي يتواصل غياب آفاق تخطيط شاملة تعالج أزمة الإسكان في البلدات العربية، مع مواصلة الحكومة الإسرائيلية تشريع القوانين التي تضاعف من معاناة المواطنين العرب، حيث كان آخرها قانون "كامنيتس"، الذي يقضي بتسريع إجراءات هدم البيوت في البلدات العربية.

يقول مدير مركز التخطيط البديل د. حنا سويد إن "ملف سياسة الهدم التي تعتمدها المؤسسة الإسرائيلية تجاه البلدات العربية، لم يصل يوما إلى حل جذري، والسلطة تستخدم هذا الملف عندما تسعى إلى تأجيج الوضع، وإظهار قوتها وجبروتها وإرهاب وتخويف المواطنين العرب".

ويعتقد أن سياسة الهدم ليست مجرد قضية تنظيم أو تخطيط فقط، وإنما جزء من ملفات مفتوحة ما بين المؤسسة الإسرائيلية والمجتمع العربي الذي واجه مؤخرا حملة مسعورة لجرافات الهدم بالنقب وقرية العراقيب التي هدمت للمرة الـ130، وهدم لمنزلين في جلجولية، كما طال الهدم عزبة زراعية في طمرة وهدم لمنزلين في قرية منشية زبدة، إلى جانب التضييق على المواطنين العرب في المدن الساحلية.

رافقت حملة الهدم بالبلدات العربية، يقول سويد لـ"عرب 48": "موجة من التحريض العنصري لليمين الذي يسعى من خلال ذلك رفع أسهمه عبر الدفع نحو المزيد من تنفيذ أوامر الهدم أو من خلال تصريحات معادية للعرب، ما يؤكد بأن عمليات الهدم ورقة تسحبها السلطة متى تريد لغاية في نفس يعقوب، ولربما ما يفاقم الحالة ويعجل الهدم هو رائحة انتخابات في الأفق".

وحذر مدير مركز التخطيط البديل من مغبة أن تستغل السلطة المركزية حالة التشرذم في البلدات العربية الناجمة عن الانتخابات في السلطات المحلية، لافتا إلى أن المؤسسة الإسرائيلية تستغل الظروف وترى بالتشرذم حالة مؤاتيه لمواصلة سياسة الهدم وسط غياب الوحدة العربية التي يمكن أن تكون العائق أمام السلطة لتنفيذ مخططاتها الجديدة القديمة، لذلك، يقول: "وجب علينا الحفاظ على الثوابت حتى في حالة التنافس الشديد في فترة الانتخابات المحلية".

وختم د. سويد: "لقد أنتج قانون "كامنيتس" صلاحيات واسعة في التعامل مع قضايا التنظيم والبناء، بما فيها ما شهدنا من محاولة تنفيذ اعتقالات على خلفية مخالفات بناء، والتي منحت صلاحيات إدارية واسعة لضبط ومصادرة مواد بناء، رافعات وغيرها، وكذلك للموظفين في لجان التنظيم، تم منح صلاحيات تنفيذية واسعة، وسط حالة تهديد بهدم نحو 3 آلاف منزل، وخطر داهم ومباشر لهدم 50 بيت استنفذت فيها كافة الإجراءات القضائية".

من جانبه، قال رئيس مجلس إقليمي القرى غير المعترف فيها في النقب، عطية الأعصم إن "النقب يواجه حملة دائمة على مدار العام، وما جرى في الأسبوع الماضي هو تأجيج الحملة لتطال كافة الأماكن والمناطق، وهي حملة عنصرية تستهدف المجتمع العربي الفلسطيني، فسياسة الهدم تستخدم فقط مع العرب، ولا تنفذ لدى اليهود سواء في الداخل أو في المستوطنات".

وتابع الأعصم حديثه لـ"عرب 48": "هناك حالة استثمار سياسي لغلاة اليمين الإسرائيلي ضد المجتمع العربي من بينها سياسة الهدم، التي تستخدم لرفع أسهم المتطرفين سياسيا، كما نشهد أيضا موجة من الاعتقالات التعسفية التي ترافق عملية الهدم، كما كان في قرية ام نميلة في النقب، بحيث أضحت الشرطة الطرف الذي يهدد المجتمع العربي، فيما تحولت الشرطة إلى العدو الأول للمواطنين العرب في النقب".

بدوره، قال رئيس اللجنة الشعبية للأرض والمسكن في وادي عارة، أحمد ملحم: "نحن أمام حالة استخدام قانون كامينتس في مسارين، مسار إداري ومسار تنفيذي، مع توسيع صلاحيات الهدم بشكل واسع، وسط حالة وواقع أجبر إبناء المجتمع العربي البناء دون تراخيص، مع غياب التخطيط ومماطلة لجان التنظيم بالمصادقة على الخرائط الهيكلية والتفصيلية، يضاف إلى كل ذلك أداء سلبي للسلطات المحلية العربية في كل ما يتعلق بالتخطيط والبناء".

وأضاف ملحم لـ"عرب 48": "نحن أمام هجمة شرسة للشرطة التي تهدد باستهداف المنازل العربية، فالتصدي الشعبي ينجح أحيانا في إحباط محاولات الهدم كما حدث في الطيرة، فنحن نواجه صراع لتحشيد الجمهور للتصدي لسياسة الهدم، خاصة أن المثلث يشهد حالة واسعة من تهديد البيوت والمصالح التجارية، وسط استنزاف الموارد المالية لأبناء المجتمع العربي، ودفع غرامات تبلغ مئات ملايين الشواقل سنويا".

قانون "كامنيتس"، يقول رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن إلى جانب أنه يسرع إجراءات الهدم: "فهو كذلك يضاعف الغرامات الباهظة أصلا، حيث يمكن أن تصل الغرامة إلى ألف شيكل عن كل متر مربع واحد، عدا عن استنزاف الموارد المالية الأخرى من مواجهة محاكم وطواقم من المحاميين، كما انتشرت ظاهرة أن يقدم صاحب بيت على هدم بيته بنفسه تفاديا للغرامات وتكاليف الهدم التي قد تصل إلى مئات آلاف الشواقل".

وأوضح ملحم أن المجتمع العربي بحاجة إلى بناء برنامج تخطيطي ينفذ من قبل السلطات المحلية أولا التي لا زالت، بحسب ملحم، "تفشل في هذا الجانب" داعيا إياها إلى وضع ملفات الإسكان والأرض والمسكن والتنظيم والبناء في سلم أولوياتها، علما أن المؤسسة الإسرائيلية تسعى إلى ترسيخ وتكريس أزمة التخطيط بالبلدات العربية، بحيث أن المخططات الهيكلية عالقة بلجان التنظيم منذ عقود، فيما ملفات بخصوص عشرات المنازل لم تحسم منذ عشرات الأعوام وهي عالقة في أروقة المحاكم.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018