د. رباح حلبي: "قانون القومية" وضع حدا لـكلاشيهات "حلف الدم"

د. رباح حلبي: "قانون القومية" وضع حدا لـكلاشيهات "حلف الدم"

* "قانون القومية" صفعة مدوية للغارقين في وهم "الإسرائيلية" والمواطنة المتساوية في دولة اليهود

* القانون أحدث شرخا من الصعب رأبه بين الدروز والدولة ووفر فرصة لترميم ما انكسر والعودة إلى الحضن العربي


في مقال نشرته "هآرتس" قبل أيام، وصف د. رباح حلبي "قانون القومية" الذي شرعه الكنيست مؤخرا، بأنه "جيد للدروز" لأنه وضع حدًا للوهم بشأن شراكة المصير، "حلف الدم" و"حلف الحياة" وباقي الكليشيهات الفارغة.

واعتبر القانون المذكور، صفعة مدوية لكل من كانوا غارقين في وهم الإسرائيلية والمواطنة المتساوية والكاملة، مشيرا إلى غضب وإحباط غير مسبوقين في أوساط أبناء الطائفة العربية الدرزية، وبشكل خاص في أوساط من آمنوا بكل قوتهم بالإسرائيلية المتساوية وسقفها المشترك.

هكذا سمعنا صرخة عالية من ضباط كبار ومن أعضاء أحزاب وموظفين مقربين من موائد إسرائيل المتخيلة، كما قال، هؤلاء يشعرون بأنهم مخدوعون، وأنهم تضرروا، وفي الحقيقة يجب أن يوجهوا غضبهم إلى أنفسهم؛ لأنهم رفضوا رؤية الواقع، وفضلوا العيش بوعي كاذب رغم أن العنوان كان على الحائط.

وهناك من لا يزالون يرفضون رؤية الحقيقة حتى بعد أن دونت في يوميات الكنيست، وكتبت في صفحات التاريخ، كما يقول، حيث يتوجه البعض للمحكمة العليا، بينما الآخرون يصرخون ويبكون فوق كل منصة متوسلين قبولهم في "الإسرائيلية" الموهومة.

د. حلبي لم يقع في شباك أوهام "الإسرائيلية"، وحذر منها في كتابه "الهوية الدرزية في إسرائيل- متساوون في الواجبات" الذي صدر قبل أكثر من عقد من الزمن، حيث كتب يقول "منذ أن اتسعت مداركي شعرت بعدم ارتياح إزاء العلاقة الدرزية اليهودية وأدركت في مرحلة مبكرة أن الصفقة التي تمت بين الجانبين (الدروز واليهود) ليست نزيهة، إن لم نقل نتنة".

وأضاف "أدركت أن القوة الصهيونية- اليهودية المتنفذة، مارست خدعة على الدروز، واستغلتهم في لعبة غايتها الوحيدة: خدمة المشروع الصهيوني والدولة اليهودية. ولكن في أعقاب البحث وعندما تعمقت في الأمور أدركت أن هذه الظاهرة لا تميزنا نحن (الدروز في إسرائيل) فقط، وأن الحركة الصهيونية عملت وتصرفت كحركة كولونيالية، وأنها في طريقها لاحتلال الأرض والسيطرة على المنطقة، تعاطت مع السكان الأصلين- الفلسطينيين- كعامل إزعاج واستخدمتهم كحجارة شطرنج في سبيل تحقيق أهدافها".

حول "قانون القومية" الإسرائيلي والمنعطف الذي وصلته علاقة الدولة بالدروز، وفرص إصلاح ما تضرر من علاقة بينهم وبين شعبهم وأمتهم العربية، كان هذا الحوار مع د.رباح حلبي:

عرب 48: قلت إن حدسك الذي أثبته لاحقا عبر الدراسة حول الصفقة التي تمت بين الدولة وقيادات درزية والتي وصفتها بأنها غير نظيفة، قد صدق، حيث وضع القانون المذكور حدا لمقولات "حلف الدم" ووجه صفعة للغارقين في وهم الأسرلة؟

حلبي: إن كل ما توقعته يتحقق الآن في العاصفة التي ثارت في أعقاب قانون القومية، ليس لأنني أقرأ الطالع بل لأن الظروف كان يجب أن تؤدي إلى الطريق المسدود الحالي. وبالنسبة لي القانون غير مفاجئ مطلقا، لأنه يشكل صورة دقيقة للممارسة المتبعة في إسرائيل ضدنا نحن الدروز وتجاه باقي العرب في الدولة.

وقد قلت إن وضع الأمور في إطار قانوني لا يضر بنا، لأنه لا يغير بذلك من واقع حياتنا، بالعكس، القانون جيد بالنسبة لنا وسيئ للدولة، هو جيد بالنسبة لنا لأنه يقنن الواقع المميز، وحتى العنصري، ويضعه في قانون أساس، وهو ما يجعلنا غير مضطرين إلى إثبات ادعاءاتنا بشأن التمييز الممأسس، وهو سيئ للدولة لأنه يشوه سمعتها في أوساط العالم المتنور.

عرب 48: ولكن خيبة الأمل والإحباط لدى الدروز من الدولة ليسا بالجديدين، وخاصة لدى الجيل الشاب، ولكنه وصل ذروته بقانون القومية؟

حلبي: خلال الدراسة التي أجريتها في إطار مشروع نيل درجة الدكتوراه، التقيت مع عشرات الشبان الدروز الذين عبّروا عن خيبة الأمل والإحباط الكبيرين من علاقة الدولة بهم، والإحساس العام الذي يتشارك فيه الجميع أظهر بأن الدولة خانتهم، وتراجعت عن ضماناتها غير المكتوبة لدمجهم في الحضن الإسرائيلي كمكافأة لهم على تخليهم عن عروبتهم والتجند للجيش.

هذا الشعور تعاظم على مر السنين، وازدادت خيبة الأمل أكثر فأكثر، فالدولة، وبشكل متناقض، تدفع الشبان مجددا نحو هويتهم العربية، تدفعهم باتجاه الخارج، بالمقابل فإن أبناء عمومتهم لا يستقبلونهم بأذرع مفتوحة، والنتيجة هي أزمة هوية وشعور بالاغتراب.

لقد آن الأوان لاستيعاب الواقع، بأن الدولة اليهودية لا تستطيع أن تحتفظ بداخلها بمن هم ليسوا يهودا، حتى لو أطلقوا عليهم اسم الدروز، وحتى لو كانوا يخدمون في الجيش، وحتى لو تنازلوا عن أجزاء من هويتهم لصالح التماهي مع المجتمع الإسرائيلي، لأنها دولة يهودية. وقد جاء قانون القومية المذكور ليقطع أي شك بذلك باليقين.

عرب 48: دعوت الدروز سابقا، كسائر العرب، إلى المطالبة بحقوقهم كمواطنين، والكف عن التعلق بالخدمة العسكرية لتحقيق هذا الهدف؟

حلبي: لقد سبق ودعوت إلى صياغة ميثاق أكثر عدلا يرتب علاقة الدولة بالمواطنين العرب، وطالبتها بالكف عن زرع الخصومات بينهم، واتباع سياسة "فرّق تسد"، وأن تتوقف عن رؤيتهم كأعداء وتتعامل معهم كمواطنين.

ومع علمي أنه طالما أن الدولة تعِّرف نفسها على أنها يهودية فلن يكون هنا مساواة كاملة، إلا أن ذلك لم يمنعني من المطالبة بعلاقة أكثر عدلا وأكثر مساواة للمواطنين العرب، ومن ضمنهم الدروز.

عرب 48: ألا ترى أنه في مواجهة "قانون القومية" يتمسك الدروز بالخدمة العسكرية ويخوضون "نضالهم" تحت يافطتها، (مظاهرة تل أبيب) ويستمرون بتمييز أنفسهم عن العرب؟

حلبي: أنا بشكل شخصي لن أشارك في المظاهرة، ولكن بغض النظر عن الحيثيات والتفاصيل فإن مظاهرة يشارك بها عشرات الآلاف ستهز أركان الحكومة، وهي بدون شك جزء من مجموع العمل الاحتجاجي على" قانون القومية" وغير منقطعة عنه.

عرب 48: وبرأيك هل ينجح نتنياهو باسترضاء "الدروز" أو شراء سكوتهم كما يحاول؟

حلبي: أعتقد أن الاجتماع الذي عقد مع نتنياهو قد حسم هذه المسألة، وظهرت فيه ولأول مرة مسألة الندية في العلاقة وعدم الرضا بالفتات. وباعتقادي إن القانون أحدث شرخا من الصعب رأبه بين الدولة والطائفة الدرزية، وإنها بصدد إعادة ترتيب أوراقها من جديد.

وأفترض أن إعادة ترتيب الأوراق تلك يجب أن تتماشى مع مصالحها، في العودة إلى الهوية الصحية، إلى هويتنا العربية والتوقف عن فرض أنفسنا على "الإسرائيلية" التي لم تتقبلنا يوما ما بشكل جدي. ومن الواضح أنه عندما يحترم الإنسان نفسه ويتمسك بهويته يتم احترامه من قبل الآخرين، وعندما تكون واضح الهوية يمكنك محاورة ومقارعة الآخر بجرأه وثبات وبوضوح وندية.

عرب 48: قد يكون ما حدث فرصة تاريخية لإعادة ترتيب العلاقة ليس فقط بين الدروز والدولة، بل بينهم وبين أبناء جلدتهم والعودة إلى حضن شعبهم وعروبتهم؟

حلبي: إصلاح العلاقة مع الدروز تحتاج إلى عملية مراجعة تاريخية نقدية، واستعداد من قبل الكل العربي لاحتواء الجزء واحتضانه، لأن بذلك مصلحة عليا للجميع، قد تكون تلك فرصة يجب على الطرفين التقاطها، خاصة وأن القانون المذكور بدد الكثير من الأوهام ليس لدى الدروز فقط، بل لدى الكثير من العرب الآخرين، وسدد ضربة لسياسة "فرّق تسد".


د. رباح حلبي باحث ومحاضر في الجامعة العبرية وكلية "أورانيم"، نال شهادة الدكتوراه من الجامعة العبريّة في القدس. عمِلَ نحو لسنوات طويلة في مجال اللقاءات بين الفلسطينيّين واليهود في إسرائيل، وألّف كتابَ "مواطنون متساوون في الواجبات: الهُويّة الدرزيّة والدولة اليهوديّة"، وقام بتحرير كتاب "حوار بين الهُويّات". مجالات تخصصه هي: الهوية في صفوف أبناء الطائفة الدرزيّة في إسرائيل، اللقاء اليهوديّ-العربيّ، الهُويّة والتربية، التربية المتعدّدة الثقافات والتربية النقديّة

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018