70 عاما على النكبة - معارك الجيوش العربية في حرب 1948 (4/19)

70 عاما على النكبة - معارك الجيوش العربية في حرب 1948 (4/19)
مقاتلون عرب في فلسطين في 1948

الجزء الرابع: معارك الجيش المصري عام ١٩٤٨ حتى الهدنة الأولى


من المرجح، بل من المؤكد، أن مصر الدولة لم تكن راغبة في التدخل بجيشها عسكريا في حرب فلسطين عام ١٩٤٨ حتى اللحظة الأخيرة، بينما كان المطلب الشعبي واضحا وصريحا ومصرا على وجوب التدخل من أجل إحباط إقامة الدولة اليهودية على حساب طرد الشعب الفلسطيني، خاصة بعدما حدث في شهر نيسان/ إبريل ١٩٤٨، حيث سقطت طبرية وحيفا بأيدي العصابات الصهيونية، ووقعت مجزرة دير ياسين، وتم تهجير أعداد هائلة من الفلسطينيين.

رئيس وزراء مصر آنذاك، محمود فهمي النقراشي باشا، كان يحول إقناع الملك فاروق بعدم التدخل عسكريا في فلسطين والاكتفاء بإرسال متطوعين مصريين فقط، ففي ١٤ آذار/ مارس ١٩٤٨، وقبل بدء الانتصارات الصهيونية، اجتمع النقراشي بالملك وشرح له أن التدخل في فلسطين من شأنه جعل الإنجليز يرفضون الجلاء عن مصر في المفاوضات التي يجريها معهم بحجة أن الجيش المصري بذلك يترك قناة السويس بدون حماية عسكرية، فإذا نجح الجيش في تدخله في فلسطين فإن ذلك سيشغله عن مهمته في حماية قناة السويس، وأما فشله فسيؤدي إلى إسقاط حجته أمام الإنجليز بقدرة الجيش المصري على حماية قناة السويس.

وأكد النقراشي موقفه هذا أمام مجلسي النواب والشيوخ في أكثر من مناسبة، وكان لهذا الرأي تأييدا واسعا في أوساط السياسيين المصريين، خاصة إسماعيل صدقي باشا، والذي كان رئيسا للوزراء قبل فترة قصيرة، وكان يصرح برأيه أمام الملأ، ويعزو ذلك إلى ضعف تسليح الجيش المصري وعدم قدرته على الحرب خارج الحدود. أما السبب المركزي في خوف السياسيين المصريين من الحرب، بالإضافة لكل ما ذكر، فهو أن الجيش المصري لم يخض حربا منذ أكثر من مئة عام، وتحديدا منذ عام ١٨٣٩ عندما تمت هزيمة محمد علي وجيشه وفرض اتفاقية ١٨٤٠ عليه.

ولكن رأي عدم التدخل هذا، تغير في اللحظة الأخيرة قبل ساعة الصفر، وتحديدا في ١٢ أيار/ مايو ١٩٤٨، إذ أن الملك فاروق أصبح من أنصار التدخل في فلسطين بقوات مصرية نظامية، ولذلك التقى رئيس وزرائه، النقراشي، مرتين خلال ثلاثة أيّام، مما جعله، أي رئيس الوزراء، يغير موقفه، بل وأن يلقي خطابا ناريا أمام مجلس النواب في تأييد موقف الملك، و"تفسير" الأسباب التي تستوجب دخول مصر الحرب في فلسطين، مما رحب به وعبر عنه بتصفيق حار أكثر من مرة خلال إلقائه الخطاب (مع أن الاجتماع كان سريا).

وهكذا أصبح النقراشي يدافع بحماسة عن موقف أجبره الملك عليه، وكان لموقف الملك هذا، تأييدا وطنيا وقوميا جارفا. ويرجح أن الملك غير رأيه حول حرب فلسطين بسبب اعتقاده أن اليهود سيركزون دفاعهم عن مثلث القدس-تل أبيب-حيفا، حيث يتواجد الجيش الأردني بشكل أساسي، وبذلك يتمكن الجيش المصري من التوغل شمالا، بدون أن يواجه مقاومة جدية إلى درجة أن تدحره أو أن يخسر الحرب أو أن يتكبد خسائر فادحة؛ أما السبب الثاني فكان اعتقاد الملك فاروق بأن بريطانيا لا تمانع في أن يلقن العرب اليهود درسا قاسيا بسبب تماديهم في فلسطين على القوات البريطانية، ولذلك فإنها ستبقى على الحياد ولن تقدم اَي مساعدة لليهود، كما أنها لن تقف في وجه الجيوش العربية، و"الدليل" على ذلك أن بريطانيا سمحت في تلك الفترة للقوات المصرية بأن تأخذ ما تحتاجه من الأسلحة والذخائر من معسكرات الجيش البريطاني في قاعدة قناة السويس.

الجيش المصري يبدأ "النزهة"

وقف رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الفريق عثمان باشا المهدي، على رصيف القطارات عند كبري العباسية في ١٤ نيسان/ إبريل ١٩٤٨، وتوجه إلى الجنود المصريين النظاميين المتوجهين إلى مدينة رفح المصرية، أو إلى غزة، أو إلى تل أبيب أو حيفا، حيث أن أيا منهم لم يكن يعرف إلى أين تذهب القوات المصرية بالتحديد، وربما لم تعرف القيادة ذلك أيضا.

وقف هناك وخاطب جنوده مشجعا إياهم على الحرب، مؤكدا لهم أنهم ذاهبون في "نزهة" حربية، حيث أن لا قدرة للعصابات الصهيونية على محاربة جيوش عربية نظامية. قال لهم ذلك رغم تصريحه في أكثر من مناسبة، أنه تفاجأ وأركان حربه بحملة فلسطين، وأنه لا يرغب في دخول هذه الحرب، وذلك بسبب عدم وجود العتاد الكافي لذلك، وقد صرح بذلك في اجتماع حضره رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، ومدير ديوان الملك فاروق إبراهيم عبد الهادي، ووكيل الديوان حسن يوسف، وذلك قبل أن تتجه هذه القوات لقطع قناة السويس والعسكرة قريبا من فلسطين أو داخلها في انتظار إشارة من القيادة في التدخل المباشر والذي قرر أخيرا قبل الموعد المقرر لإنتهاء فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وهو الخامس عشر من أيار/ مايو ١٩٤٨.

ولا عجب في هذه الرؤية الخاطئة للفريق عثمان باشا المصري، إذ أن فؤاد سراج الدين زعيم المعارضة الوفدية في مجلس الشيوخ، كان قد سأل النقراشي في الاجتماع المذكور في مقدمة هذه العجالة، عما إذا كان قد قام بتقدير موقف الإنجليز ووعد بلفور، وعن احتمالات طعنهم للجيش المصري من الخلف، فكان جواب النقراشي بأنه متفائل، حيث "إننا نعرف قوة اليهود تماما، وأحب أن أطمئنك إلى أن الإنجليز أيضا هم من شجعوني على ذلك"، (أي دخول الحرب). وعندما اعترض إسماعيل صدقي باشا على ذلك، في نفس الاجتماع، لأن الجيش غير مستعد عسكريا، كان جواب النقراشي واضحا ومؤكدا: "هذه الحرب ستكون نزهة للجيش"!

ولأن سمعة إسماعيل صدقي كانت سيئة، وبسبب علاقاته المشبوهه مع اليهود، فقد وقف مجلسا الشعب والشيوخ ضده. كما أن حماس الملك فاروق للحرب كان كبيرا لدرجة أنه أعطى الأوامر لمحمد حيدر وزير الحربية بتحرك الجيوش يوم ١٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، قبل أن يطلع رئاسة الوزراء بذلك.

عشية الحرب، كان الشعب المصري مقتنعا بأن الجيش المصري قوي ومؤهل للدخول في المعركة، وأن العصابات الصهيونية مشرذمة وضعيفة، ولن يكون باستطاعتها مواجهة الجيش العربي الكبير نسبيا.

القوات المصرية المشاركة في الحرب

كان الجيش المصري عام ٤٨، مكونا من أربعة ألوية، ثلاثة ألوية مشاة، ولواء مدرعات، بينما في الحقيقة كان هناك لواءي مشاة وكتيبة مدرعات واحدة، مكونة من ثلاثين دبابة بدون مدفع، وبضع عشرات من المصفحات المزودة بمدفع رشاش من نوع "برن"، ومصفحات من نوع "هامبر ٣" و"هامبر ٤".

أما المدفعية المصرية فكانت مؤلفة من ثلاثين مدفعا عيار ٢٥ رطلا، و ٢٤ مدفعا من عيار ١٨ رطلا أو "هوفيتسر" من عيار ٣.٧ إنش و ٤.٥ إنش. بالإضافة إلى هذا كان لدى الجيش المصري بضعة مدافع مضادة للدبابات عيار ٦ أرطال.

الطيران المصري كان يمتلك ٣٢ طيارة حربية من نوع "سبيتفاير ٩" وقاذفتين من نوع "سي ٤٧"، ولكن كان ينقصه طيارون أكفاء، وطواقم أرض وقطع غيار، وذلك بسبب ترك المستشارين العسكريين البريطانيين (وعددهم خمسون) مصر في نهاية شهر كانون أول/ ديسمبر عام ١٩٤٧، مما أثر سلبا على قدرات سلاح الجو المصري القتالية.

في ١٤ أيار/ مايو ١٩٤٨، صدر مرسوم ملكي بترقية العميد أحمد بك عبد الله المواوي قائد قوات المشاة المصرية، إلى رتبة لواء، وعين قائدا لقطاع الجيش المصري في فلسطين، وكان وقوع الاختيار عليه بسبب أن قادة القوات المسلحة المصرية وفِي اجتماعهم مع قائد أركان الجيش، لم يعلن أي منهم عن موافقته التوجه إلى مقر القيادة بالعريش في سيناء.

وكانت القوات المصرية التي بدأت الحرب، تحت قيادته، مؤلفة من ثلاث كتائب مشاة، وهي الكتيبة الأولى ويقودها زكريا محيي الدين؛ والكتيبة السادسة ويرأس أركانها جمال عبد الناصر؛ والكتيبة التاسعة بقيادة عبد الحكيم عامر. وكانت تشكل مجتمعة ٦٠٠٠ جندي وضابط. ثم تبعتها كتيبة المشاة الثانية وكتيبة احتياط، بالإضافة إلى كتيبة راجمات عيار ٣ إنش ومدافع رشاشة، وكتيبة مدفعية مزودة بأربعة وعشرين مدفعا عيار ٢٥ رطلا، وكتيبة مدرعة مضادة للدبابات قوامها ٢٤ مصفحة، وسبع طائرات مقاتلة وثلاث طائرات ناقلة للجند، وبهذا وصل عدد الجنود المصريين الذين بدأوا الحرب عشرة آلاف، وفيما بعد انضمت الكتيبة الثالثة والرابعة والخامسة للحرب، بحيث أصبح عدد الجنود المصريين في نهايتها أكثر من ١٦٠٠٠ جندي وضابط.

القوات الصهيونية في مواجهة الخطة المصرية

كانت الخطة المصرية تقضي بأن تقوم الكتيبة السادسة بمهاجمة مستعمرة "دانجور" (كيبوتس نيريم)، والكتيبة التاسعة تهاجم مستعمرة "كفار داروم"، أما كتيبة المدفعية فكانت يجب أن ترابط في رفح وتقصف المستعمرتين من هناك، ومن ثم تتقدم لمساندة كتيبتي المشاة بالمدفعية المضادة للطائرات.

أما الطائرات فكان عليها أن تقصف المستعمرات الصهيونية وتغير على تل أبيب، لدب الذعر في قلوب سكانها.

هذه الخطة لم تعجب الضابط أحمد عبد العزيز، الذي اقترح على أحمد المواوي قائد القوات المصرية المحاربة في فلسطين، ألا يتوقف الجيش المصري عند المستعمرات المحصنة ويهاجمها وبذلك يستنفد طاقاته، بل أن يتجاوزها ويستمر في تقدمه حتى إحدى المدن الكبيرة، أي القدس وتل أبيب وحيفا، كما وعرض على المواوي خطته بأن تكون الحرب عبارة عن حرب عصابات، حتى لا تتكبد القوات المصرية خسائر فادحة.

رفض المواوي خطة أحمد عبد العزيز، فقام هذا بالسير مع قوات من المتطوعين من رفح، حتى منطقة بئر السبع، ومنها إلى مدينة الظاهرية وثم القدس والخليل.

أما القوة الصهيونية في الجنوب الفلسطيني، فقد كانت مكونة من لواءين، لواء "چڤعاتي" المتمركز في منطقة "رحوڤوت"-أسدود ويقوده "شيمعون أڤيدان"؛ ولواء "هنيچڤ" التابع للبلماح ويتمركز في أقصى جنوب فلسطين بقيادة "ناحوم ساريچ". وكان يفصل بين اللواءين طريق المجدل-بيت جبرين، حيث أن مهمة لواء "هنيچڤ" هي الدفاع عن المستعمرات جنوب هذا الطريق، وچڤعاتي شماله. كان عدد جنود وضباط هذين اللواءين حوالي أربعة آلاف جندي وضابط، ويضاف إليهم المدافعون عن حوالي ثلاثين مستعمرة صهيونية تقف في طريق الجيش المصري، ويعدون مجتمعين أكثر من ٨٠٠ جندي محارب.

من الجدير ذكره هنا، أنه رغم كل التحضيرات الصهيونية وقياداتها لصد الهجوم العربي على الدولة اليهودية المزعومة، إلا أن القيادة العسكرية الصهيونية لم تكن لديها معلومات كافية عن خطط الجيش المصري (حيث لم تكن هناك خطة أصلا!)، ولذلك تقدم الجيش المصري ولمدة أسبوعين بدون أن تقابله قوات عسكرية صهيونية منظمة، ما عدا حراس المستعمرات. كما أن اللواء الجنوبي (هنيچڤ) كان موزعا على مساحات شاسعة، ولذلك كان يعتمد على الدفاعات المحلية لكل مستعمرة، التي عليها أن تصمد حتى قدوم النجدات.

حملة "باراك" العسكرية لطرد السكان العرب

رغم أن القيادة الصهيونية لم تفهم خطة الجيش المصري، إلا أنها قررت أن تتخلص من أكبر كمية من السكان العرب في منطقة الساحل جنوب اللد والرملة، وأن تنهي وجود قرى عربية في المنطقة التي من المفروض أن تكون في طريق الجيش المصري عند توغله شمالا، كجزء من خطة "دالت" سيئة الذكر، والتي أراد فيها بن غوريون تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين والسيطرة على أراضيهم.

ومن أجل تنفيذ ذلك، أوكلت للواء "چڤعاتي" ولواء "هنيچڤ" المذكورين أعلاه بتنفيذ حملة عسكرية هدفها تكوين تواصل جغرافي بين المستعمرات الصهيونية في منطقة الجنوب من جهة، وتواصل جغرافي من جهة أخرى مع أجزاء الدولة اليهودية المتشكلة، فأوكلت للواء "هنيچڤ" مهمة احتلال كل القرى بين مستعمرة "نير عام" حتى شارع مجدل- بيت جبرين، أما لواء "چڤعاتي" فكانت مهمته احتلال كل القرى في منطقة يهودا وشمال النقب حتى نفس الشارع.

سُميت الحملة باسم حملة "باراك" وقبلها حملة "كيتور" والتي ابتدأت في الرابع من أيار/ مايو ١٩٤٨، واحتل خلالها لواء "چڤعاتي" القريتين العربيتين عقير وقطرة، وبعدها بأسبوع، أي في ١١ أيار/مايو ١٩٤٨، ابتدأت الحملة الأكبر (باراك) حيث قام لواء "چڤعاتي" باحتلال القرى بشيت (احتلت القرية بعد معركة حامية الوطيس، حيث أن المحاولة الأولى صدت على يدي مقاتلي القرية)، وبيت دراس، وبطني شرقي (في هذه القرية أعدمت القوة الصهيونية بضعة سكان عزل، بعد احتلالها)، ومغار، وزرنوقة، وكبيبة، وسوافير الشمالية.

أما لواء "هنيچڤ" فقد قام باحتلال القرى العربية كوكبة، وحوليقات، وبرير (في هذه القرية نفذ البلماح مجزرة وقتل عشرات السكان بدم بارد)، ونجد، وسمسم.

طرد هذان اللواءان جميع سكان هذه القرى وغيرها، (عدد القرى التي احتلت في هذه الحملة يقارب الثلاثين) وفجروا منازلها حتى لا تعود صالحة للسكن، كما وقامت وحدة "چڤعاتي" في يوم ١٢ أيار/ مايو ١٩٤٨، بتدمير سد أسدود لمنع تقدم القوات المصرية إذا تدخلت في حرب فلسطين (ونجحت في ذلك بالفعل كما سنرى لاحقا).

الطيران المصري يغير على تل أبيب

ابتدأ الهجوم المصري على الدولة اليهودية، في الساعة ٠٥:٢٠ من فجر الخامس عشر من أيار/ مايو ١٩٤٨، بغارات جوية على تل ابيب، إذ قامت أربع طائرات من نوع "سبيتفاير" بقصف مطار "سدي دوڤ" ومطار تل أبيب حيث دمرت بضع طائرات صهيونية على أرض المطار، كما وقامت بقصف محطة توليد الكهرباء "ردينچ"، مما أدى إلى قتل خمسة صهاينة، ولَم تستطع المدافع المضادة للطائرات إصابة أي طائرة.

بعد الهجوم الأول، نفذ المصريون هجمات جوية أخرى في نفس اليوم حول تل أبيب، ففي الساعة ٠٨:٣٠ تمت هجمة أخرى على مطار تل أبيب، نجحت خلالها "الهاغاناه" بإسقاط طائرة مصرية وقتل الطيار.

في عملية قصف أخرى، قامت طائرة سبيتفاير مصرية بإلقاء قنبلتين في الساعة ٠٦:٥٠ على معسكر "بريتش"، مما أدى إلى جرح تسعة من الجنود البريطانيين أحدهم جراحه خطيرة. على إثر هذه الحادثة حذرت بريطانيا مصر من أي خطأ آخر.

وفي ١٨ أيار/ مايو ١٩٤٨، قامت الطائرات المصرية بتنفيذ طلعة جوية رمت بنيرانها على محطة الحافلات المركزية في تل أبيب، مما أدى إلى قتل ٤٢ وجرح حوالي مئة، وكان هذا القصف ردا على قصف الطائرات الصهيونية لقطار مصري في محطة العريش يحمل جنودا مصريين مصابين.

لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل وجه سلاح الجو المصري هجماته شمالا إلى حيفا، وقصفت طائراته مطار "رمات داڤيد" في حيفا، يوم ٢٢ أيار/ مايو ١٩٤٨، وكان المطار ما يزال تحت سيطرة بريطانيا، والتي قام طياروها بالهجوم على الطائرات المصرية المغيرة، مما تسبب بإسقاط خمس طائرات "سبيتفاير" مصرية واستشهاد طياريها، مما كان له أكبر الأثر على سلاح الجو المصري الذي ضعف بشكل كبير بعد هذه الحادثة، ولكنه استمر بالقصف بشكل متقطع، حتى خسر تقريبا جميع طائراته من نوع "سبيتفاير" وخيرة طياريه، حتى نهاية أيار/ مايو ١٩٤٨.

الهجوم البري ومعركة "الدنجور" (مستعمرة نيريم)

أصدر قائد الجيش المصري أحمد المواوي أوامره بمهاجمة مستعمرتي "كفار داروم" و"الدنجور" (كيبوتس نيريم)، كانت خطة الهجوم على الدنجور تقضي بأن تقوم المدفعية بقصف المستعمرة بكثافة ثم تقوم سريتا مشاة من الكتيبة السادسة بالتقدم واحتلال المستعمرة، وتبقى في الاحتياط سريتا مشاة أخريان.

في الساعة ٠٧:٣٠ صباح ١٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، فتحت المدفعية المصرية عيار ٢٥ رطلا المتمركزة عند رفح نيرانها على المستعمرة. كان القصف شديدا إلى درجة أنه دمر بيوت المستعمرة كلها، واشتعلت فيها النيران حتى قضت عليها جميعا، وحتى عمارة الدفاع والتي بنتها الهاغاناه من الإسمنت المسلح القوي، وكانت تعتقد بأنها حصينة في وجه القذائف، لم تصمد أمام القذائف المصرية.

في الوقت نفسه حلقت طائرتان مصريتان وألقينا قذائف على المستعمرة. بعد هذا القصف تقدم طابور من الآليات المصرية يضم أربع دبابات وعددا من السيارات المصفحة، وحاملات "برن" وعددها ٢٧، وتحت قوة نيرانها، ترجل المشاة المصريون من ناقلات الجند، على بعد ٤٠٠ متر من سياج المستعمرة، وتقدموا بكثافة وحماس وبدون نظام، متأكدين أنهم سيخترقون المستعمرة ويحتلوها خلال فترة قصيرة.

لم يعرف المصريون أي شيء عن التحصينات في المستعمرة، وعن الخنادق التي بناها الصهاينة تحسبًا لهجوم عربي، فقد كانت هذه الخنادق مبنية بطريقة محكمة تعطي المدافعين إمكانية للتنقل بين أجزاء المستعمرة دون الخروج منها، بل وكانت مبنية لدفاع طويل الأمد ومجهزة بكل ما يلزم من أجل الصمود في وجه المهاجمين. كان يتحصن في داخلها ليس أكثر من ستين مقاتلا صهيونيا، منهم إثنتي عشر امرأة محاربة، وكان هؤلاء مختبئين في خنادقهم حتى انتهى القصف، واقترب جنود المشاة المصريين وحتى وصلوا إلى مسافة ١٥٠ مترا أو أقل من سياج المستعمرة، والذي كان واسعا ومفخخا بالألغام الارضيّة.

لم تقترب المصفحات إلى سياح المستعمرة خوفا من الألغام، وتركت هذه المهمة لجنود المشاة، الذين واجهوا وابلا من رصاص المدافعين، الذين فتحوا نيرانهم الرشاشة وأعملوا في المصريين تقتيلا، مما اضطرهم إلى الانسحاب، متكبدين أكثر من ثلاثين شهيدا، سقطوا ثمن غباء قيادتهم.

توقف الهجوم المصري عند الساعة ١٠:٣٠، وأكل الجنود المصريون غذاءهم على بعد ٦٠٠ متر من سياج المستعمرة، ثم عادت قوات المدفعية وقصفت المستعمرة عند الساعة ١١:٠٠ قصفا شديدا، واستمر القصف حتى الساعة ١٧:٠٠ من مساء اليوم، وتوقفت الآليات المصرية عند سياج المستعمرة خوفا من الألغام الأرضيّة، ولَم يستطع المشاة اقتحامها، وأعطيت الأوامر بالانسحاب عند الساعة ١٨:٠٠، تحت ستار دخاني من أجل التغطية على عملية الانسحاب، تاركين جثث أكثر من ثلاثين شهيدا على أرض المعركة.

في اليوم التالي، قصف المصريون المستعمرة قصفا شديدا، ولكن قوات المشاة لم تتقدم هذه المرة، فقد قررت القوات المصرية إبقاء بطارية مدفعية وسريتي مشاة بمحاصرة المستعمرة، وقرروا الاستمرار في تقدمهم دون محاولة احتلال مستعمرة الدنجور مرة أخرى، بل أبقوها في مرمى مدفعيتهم وقصفوها بين الحين والآخر حتى نهاية الحرب تقريبا.

أما الصهاينة فقتل منهم ثمانية وجرح الكثيرون، وما كان باستطاعتهم رد هجوم بري مصري ثالث، بسبب الخسائر الفادحة التي منيوا فيها، والتي يقدر أكثر المؤرخين والعسكريين الصهاينة أن ٤٠٪؜ من هذه الخسائر كان بسبب القصف المدفعي المصري نفسه، وليس بسبب المدافعين فقط.

"حاييم بار ليڤ" والذي كان أحد ضباط لواء "هنيچڤ"، قدر أن معركة الدنجور حسمت الحرب مع الجيش المصري، بل والجيوش العربية كلها، "فصمود بضع عشرات مقابل ألف جندي مدججين بالسلاح، مستعينين بقصف مدفعي وسلاح جو ومصفحات، يعني أن الدولة اليهودية الناشئة ستصمد في وجه الجيوش العربية".

معركة "كفار داروم" الأولى

تعرضت مستعمرة "كفار داروم" (دير البلح) إلى هجوم من قبل الإخوان المسلمين المصريين الذين تطوعوا للحرب، وذلك في ١١ أيار/ مايو ١٩٤٨، وكانت الخطة تقضي بأن تقصف المستعمرة بالمدفعية، ثم تزال الألغام حولها، ثم ينطلق المشاة فيقتحموا المستعمرة ويقضوا عليها.

في الساعة الثانية صباحا من يوم ١١ أيار/ مايو ١٩٤٨، كان على المدفعية المصرية أن تبدأ القصف على المستعمرة، ولكن خطأ كبيرا حدث، إذ أن ضابط المدفعية لم يوجه مدافعه نحو أهدافها في اليوم السابق، فاضطر إلى تعييرها بعد بزوغ الفجر. ابتدأ القصف عند الساعة ٠٤:٣٠، ودمر كل بيوت المستعمرة تقريبا، وكانت الأوامر التي وجهت إلى المدافعين واضحة، لا إطلاق نار حتى اقتراب المشاة إلى المستعمرة.

تقدم المشاة المصريون إلى المستعمرة بهدف احتلالها، فأطلق المدافعون النار بكل قوتهم على الجنود المصريين المتطوعين، مما أربك المهاجمين فاختبأوا في خندق معد لمنع الدبابات من التقدم، فقام الصهاينة بقنصهم مما أدى إلى وقوع الكثير من الشهداء.

طلب المهاجمون قصفا مدفعيا إضافيا على المستعمرة، ولكن هذا القصف أصاب أيضا جنودا مصريين في المتخندقين بجانبها، أي المستعمرة، فقتل منهم الكثيرون.

رغم الخسائر الفادحة، هاجم المشاة المصريون المستعمرة مرة أخرى، ووصلوا إلى سياجها، ونجحوا في قتل عدد لا بأس منه من الصهاينة، ولكن المدافعين استطاعوا أن يردوا الجنود المصريين مرة أخرى، وعند انسحابهم أصيبوا بنيران المدفعية المصرية مرة أخرى. بعدها بساعة ونصف هاجم المصريون مرة أخرى بست مدرعات مزودة بمدافع، وخلفهم تقدم المشاة، ولكن إصابة مباشرة لإحدى المدرعات وتعطيلها، أدت إلى انسحاب المدرعات الأخرى وبعدها جنود المشاة.

في الساعة ٠٣:٣٠ من صباح ١٢ أيار/ مايو ١٩٤٨، ابتدأت المدفعية المصرية قصفا شديدا للمستعمرة، وتقدمت المدرعات من الجنوب الغربي باتجاه المستعمرة، وكان القصف شديدا حتى أنه لم تبق بناية في المستعمرة إلا ودمرها، وتسبب بقتل الكثير من الصهاينة حتى لم يبق منهم إلا خمسة وثلاثين ممن يمكنهم القتال. رغم هذا القصف ونجاعته إلا أن هذا الهجوم كان بهدف إنقاذ المصابين وسحب جثث الشهداء، وانتهى الهجوم عند الساعة السادسة صباحا.

كانت خسائر المصريين فادحة حيث استشهد سبعون متطوعا، وجرح أربعون، وبعد هذا الهجوم قرر الإخوان المسلمون الاستمرار في طريقهم دون محاولة احتلال المستعمرة مرة أخرى، وهذه المعركة كانت سبب نصيحة الضابط عبد العزيز لقائد الجند أحمد المواوي بعدم التعرض للمستعمرات، كما ورد سابقا في هذه العجالة.

معركة "كفار داروم" الثانية

في نفس الوقت التي كانت تهاجم فيه الكتيبة السادسة المصرية مستعمرة "نيريم"، انطلقت الكتيبة الأولى من أجل احتلال مستعمرة "كفار داروم"، حيث أن وضع المستعمرة كان صعبا جدا بعد المعركة الآنفة الذكر، ولذلك قامت الهاغاناه بإرسال سرية من البلماح لنجدة المستعمرة في ليلة ١٤-١٥ أيار مايو ١٩٤٨، ولكن هذه القوة فشلت بالوصول إلى "كفار داروم" قبل أن تتعرض لقصف مصري، بعد كشفها خلال ساعات الصباح الأولى، ونجحت مصفحة واحدة بالوصول إلى المستعمرة، بينما دمرت باقي القافلة أو تركت في الوادي المجاور للمستعمرة، حيث تعرضت للقصف المصري. وبذلك بدل أن تسعف السرية العسكرية سكان المستعمرة أصبحت عبئا عليها، وكانت الفرصة سانحة للمصريين من تدميرها، أي المستعمرة، واحتلالها إذا أديرت المعركة بشكل جيد، ولكن ذلك لم يحدث.

كان في المستعمرة أربعون محاربا من سكانها، منهم عشر نساء، وعشرون مقاتلا من البلماح، لديهم مدفعية "فيات" وأسلحة رشاشة وأسلحة خفيفة وقنابل مولوتوف، واستعمل هؤلاء نفس الطريقة التي استعملت في المعركة الأولى ومعركة "الدنجور"، حيث تقدمت الكتيبة المصرية الأولى بمساعدة ١٢ مدرعة وبعد قصف مدفعي شديد.

تقدمت القوة المصرية من الناحية الغربية عند محطة القطار، تتقدمها الدبابات ويأتي خلفها المشاة. تركتهم القوة المدافعة يقتربون من سياج المستعمرة، ثم فتحت عليهم النيران بكل أنواع الأسلحة الموجودة، فأصيب قسم من المدرعات إصابة مباشرة، واستشهد عدد من المشاة، فقرر قائد المهاجمين سعيد طه أن يسحب جنوده إلى الخلف، بعد أن أخذ جرحاه، وترك المستعمرة عرضة لقصف مدفعي مباشر بمدافع الهاون، واكتفى المصريون يمحاصرة المستعمرة وقصفها طوال الأسابيع المقبلة.

الهجوم على دير سنيد (مستعمرة "يد مردخاي")

كانت مستعمرة  "يد مردخاي (دير سنيد) اليهودية محصنة تحصينا كبيرا، وكان حولها مواقع باطون مسلح (بيلبوكس) أو ما يسمى بالعربية "دشم"، وكانت مساحة كل دشم خمسة أمتار مربعة من الداخل، وفِي كل دشم ١٢-١٦ فتحة وفي كل فتحة يوجد مدفع رشاش، وكانت هناك خنادق تصل بين كل دشم وآخر. كانت المستعمرة معدة للحرب، بل لمعارك طويلة الأمد، وكان احتلالها أصعب بأضعاف من احتلال أي مستعمرة أخرى في الجنوب، ولكن رغم ذلك أصدر العميد أحمد علي المواوي أوامره للعقيد السيد طه باقتحام المستعمرة واحتلالها مهما كلّف الثمن، إذ أن الجيش المصري لن يسمح بأن يتقدم وهذه المستعمرة المليئة بالجنود المدربين الأكفاء، والتي تزود كل المستعمرات الأخرى في النقب والجنوب بالمؤونة، كما أنها تقع في طريق سير الجيش باتجاه المجدل (أشكلون حاليا).

كان عدد جنود البلماح في المستعمرة حوالي ٤٠٠ جندي، يضاف إليهم ١٠٠ من سكان المستعمرة المدربين على القتال.

في فجر التاسع عشر من أيار/ مايو ١٩٤٨، قدمت إلى المستعمرة قوة مدرعة صهيونية، وأجلت كل الأطفال والنساء، تحسبًا من الهجوم المصري، والذي ابتدأ فعلا في الساعة التاسعة صباحا من نفس اليوم.

ابتدأ الهجوم بقصف مدفعي شديد، بمدفعية عيار ٢٥ رطلا وراجمات القذائف، ثم اندفعت الكتيبة الأولى مشاة بمعاونة كتيبة مدرعة، وتمكنت هذه القوة من احتلال إحدى الدشم الأمامية للمستعمرة، ولكن كثافة نيران المدافعين أدت إلى خسائر فادحة في صفوف الجيش المصري مما اضطره إلى الانسحاب إلى مواقعه الأصلية.

في الساعة ١٧:٢٠، تكررت المحاولة المصرية أربع مرات، ولَم تنجح أي منها في كسر الدفاعات المحصنة، رغم أنها كبدت الصهاينة خسائر فادحة بالأرواح، حيث قتل عشرون وجرح مثلهم، ولكن للأسف كانت الخسائر المصرية أكبر من ذلك بكثير.

الطرفان يتحضران للمعركة الفاصلة

في اليوم التالي، أي ٢٠ أيار/ مايو ١٩٤٨، هاجم المصريون مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان الهجوم بواسطة الكتيبة السابعة والتي جاءت حديثا إلى ميدان المعركة.

كان الهجوم قويا وشاركت فيه وحدة مدرعة تحمل مدفعية، ووصل المهاجمون إلى حدود المستعمرة، ووقعت معركة طاحنة وجها لوجه على طول السياج المحيط بالمستعمرة، وتكررت المحاولة المصرية سبع مرات كبدوا فيها الصهاينة خسائر في الأرواح والعتاد، ولكن أيضا في هذه المرة كانت خسائر الجيش المصري فادحة وقدرت بعشرات الشهداء، وأكثر منهم جرحى. في نفس الليلة أرسل البلماح فرقة عسكرية انضمت إلى المدافعين عن المستعمرة منهم ستة بريطانيين.

في يومي ٢١-٢٢ أيار/ مايو ١٩٤٨، قامت القوات المصرية باستطلاع تفصيلي للمستعمرة، وتدريب الجنود على الاقتحام، وزودت الجنود بأعمدة "بنجالور" محسنة عن التي استعملت في الهجوم حتى الآن (هذه الأعمدة تستعمل لفتح ثغرات في الأسلاك وحقول الألغام)، ثم وزعت المدافع المضادة للدبابات عيار ستة أرطال، توزيعا جديدا مكنها من تحطيم الدشم الدفاعية تدميرا كاملا عند تجديد الهجوم.

كما خصصت السرية الأولى للهجوم مرة أخرى، بينما تقوم السرية الثالثة بمعاونتها بالنيران الجانبية للتغطية عليها وقت الهجوم، وعينت السرية الرابعة كاحتياطي لها للتعزيز والتطهير.

الطيران المصري بقصف المستعمرة ومنع وصول أية تعزيزات قادمة إليها، وهدم بيوتها حتى الأساس فلم يبق للمدافعين أي مخبأ ما عدا الخنادق والدشم العسكرية.

سقوط المستعمرة بعد قتال عنيف

في الساعة ١٧:٤٥ من يوم ٢٣ أيار/ مايو ١٩٤٨، قام المشاة المصريون بالتقدم حسب الخطة المرسومة، بعد تمهيد وضرب بالمدفعية وتدمير تحصينات المستعمرة. تحرك المشاة خلف الدبابات والعربات المصفحة، وكاسحات الألغام، ولكنهم تكبدوا خسائر فادحة مرة أخرى، رغم تقدمهم ونجاحهم في اختراق إحدى الدشم المسلحة، واستطاعت قوات البلماح صد أربع محاولات لاقتحام المستعمرة، ولكن القتال توقف بسبب حلول الظلام.

في الساعة ٠٣:٠٠ صباحا، عاود المصريون وهاجموا بكل قوة، وقام المشاة تحت غطاء المدفعية بقطع خمسة سياجات من الأسلاك الشائكة، تحت وابل من الرصاص من الأسلحة الخفيفة الاوتوماتيكية.

استمرت المدفعية المصرية بقصف كتيبة البلماح المدافعة عن المستعمرة، بكثافة نارية لم تستعملها القوات المصرية سابقا، وألقت على المستعمرة ٣٠٠٠ قذيفة من عيار ٢٥ وستة أرطال، ثم تم الاقتحام عند الساعة ٠٥:٠٠ وبعد قتال عنيف وجها لوجه، سقط فيه جنود مصريون كثيرون شهداء، ولكن شجاعتهم جعلتهم ينتصرون في المعركة رغم أنهم كانوا يرسلون إلى الميدان عاريي الصدور. أما الصهاينة فانسحبوا خارج المستعمرة بعد أن منيوا بهزيمة كبيرة.

كانت لهذه المعركة أهمية كبيرة، حيث أنها كانت المواجهه الأولى بين الجيش المصري النظامي والجيش الصهيوني النظامي، وفتحت الطريق أمام تقدم الجيش المصري إلى المجدل وأسدود.

محاولات حثيثة لوقف تقدم الجيش المصري

بعد سقوط دير سنيد (يد مردخاي) ساءت النفسية الصهيونية، حيث أن التقدير كان أن الجيش المصري ممعن في تقدمه شمالا باتجاه تل أبيب، ولذلك كان على قيادة الكيان الصهيوني أن تعمل على تأخير الزحف المصري بكافة الوسائل.

إحدى هذه الوسائل وأقذرها، كان إرسال "داڤيد مزراحي" و"عزرا اڤچين" من مقاتلي البلماح إلى غزة من أجل تلويث المياه فيها، تماما كما حصل مع عكا قبلها بعدة ايّام (أنظر الحلقة ١٧ بعنوان سقوط أسوار عكا). وألقي القبض عليهم وهم يحملان أوعية مليئة بجراثيم التيفوئيد، وذلك في يوم ٢٤ أيار/ مايو ١٩٤٨، وقد اعترفا بأنهما قد ألقيا فعلا محتويات أحد الأوعية (تم إعدامهما في ٢٢ آب/ أغسطس ١٩٤٨).

أما العمليات الأخرى فكانت عسكرية استباقية أو غارات أرضية أو جوية، فقد قام الطيران الصهيوني بعدة غارات على غزة ومركز القيادة المصرية فيها، وقامت قوات "چڤعاتي" باحتلال معسكر "صرفند" بجانب اللد وذلك في ليلة ١٨-٢٠ أيار/ مايو ١٩٤٨. كما تم شنت غارات على الرملة في الأيام ٢١-٢٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، ولكن المدينة صمدت في وجه هذه الهجمات التي جاءت من أجل مساعدة "الإيتسل" في حربه ضد المدينة.

في ٢٢ أيار/ مايو قامت قوة من چڤعاتي بالإغارة على المجدل من أجل أسر أشخاص لتعرف منهم عن الخطة المصرية، ونجحت في ذلك بعد غارتين في ليل ٢٥-٢٦ وليل ٢٧-٢٨ أيار/ مايو ١٩٤٨.

حاولت الكتيبة چفعاتي احتلال مركز شرطة عراق سويدان من العرب مرتين في ليلة ٢١-٢٢ أيار/ مايو إلا أن هجماتها باءت بالفشل. ولكنها تمكنت في ليل ٢٧-٢٨ أيار/ مايو من احتلال معسكر جولس الكبير، وهو يقع في طريق الجيش المصري الذي حاول مهاجمة مستعمرة "نچبا" في يوم ٢١ أيار/ مايو بطابور مدرع وقصف جوي، ورغم تكبيد القوة الصهيونية خسائر فادحة إلا أن القوة المصرية لم تحتل "نچبا".

تقدم وتمركز في مدينة أسدود ومعركة طاحنة

تقدمت القوات المصرية باتجاه الشمال ودخلت المجدل في ٢٤ أيار/ مايو ١٩٤٨، وجعلتها مقر قيادتها في المنطقة. فِي الساعة الثالثة صباحا من يوم ٢٩ أيار/ مايو ١٩٤٨، صدرت الأوامر بالاتجاه صوب أسدود والسيطرة عليها على أن يبدأ التحرك في الساعة التاسعة من نفس اليوم، مع بقاء الكتيبة الأولى مشاة في المجدل، والكتيبة السادسة مشاة في غزة، مع تحرك الكتيبة السابعة مشاة من غزة إلى دير سنيد لتأمينها.

تحرك اللواء الثاني المصري في الموعد المحدد باتجاه أسدود، تتقدمه كتيبة استطلاع مدرعة، وتليها الكتيبة التاسعة مشاة، وسرية من كتيبة المدفع الثانية، وسرية صغيرة من البطارية المضادة للطائرات، وسرية مضادة للدبابات، تليها القوة الأساسية من الكتيبة الثانية مشاة، والسرية الأولى مدفعية ميدان وكتيبة مدفع الماكينة وسرية مهندسين.

وصلت القوة إلى أسدود في الساعة ١١:٠٠ واحتلت مواقع دفاعية شمالي المدينة، ودخلت القوات إلى أسدود عند الساعة ١٣:٠٠ دون تعرضها لهجوم صهيوني، ما عدا المناوشات مع الكتيبة الثالثة لچڤعاتي.

ابتدأت المدفعية المصرية بقصف مستعمرات "نچبا" و"بيرون يتسحاق" حالما تمركزت في أسدود، وهاجم سلاح الجو المصري "رحوڤوت" و"دوروت".

حشد لواء "چڤعاتي" الكتيبة الثالثة والرابعة والسابعة وسرية من الكتيبة الأولى، من أجل احتلال أسدود من أيدي الجيش المصري، وتقرر أن يكون الهجوم من ثلاثة محاور، أربع سرايا تهاجم القوات المصرية من الخلف من جهة الشمال والشمال الغربي، المحور الثاني مؤلف من مشاة وسيارات جيب من لواء "هنيچڤ" تتقدم من جهة جنوب أسدود وتلة ٦٩، أما المحور الثالث فيضم الكتيبة السابعة من چڤعاتي، ويهاجم من جهة الشرق لمشاغلة القوات المصرية وتأمين سلامة المنطقة.

ابتدأ الهجوم الصهيوني في ليلة ٢-٣ حزيران/ يونيو ١٩٤٨، وكان يجب أن يفاجئ المصريين الذين بادأوا القوات المعتدية من الجهة الشمالية بقصف مدفعي شديد وكبدوها خسائر فادحة، ولكن القوة المعتدية استمرت بالتقدم أملا في الوصول إلى أسدود قبل بزوغ الشمس، ولكن الهجوم استمر حتى طلوع الشمس، فابتدأت چڤعاتي بالتراجع إلى الخلف تحت وطأة القصف المصري.

أما القوة المتقدمة من الجنوب، فاستطاعت التغلغل في داخل الخطوط المصرية وتدمير مدفع، إلا أنها فشلت في التمركز قبل طلوع الصباح، فاضطرت إلى الانسحاب متكبدة خسائر فادحة.

في هذه المعركة استعملت الهاغاناه طائرات "مسرشميت" التي جاءت من تشيكوسلوفاكيا، والتي قامت بقصف القوات المصرية من الجو، ولكن الدفاعات المصرية أجبرتها على التراجع دون أن توقع خسائر كبيرة في الجيش المصري.

توقفت المعركة عند الساعة ١١:٠٠ صباحا بعد قتل المئات من الجنود الصهاينة، حيث تجاوز عددهم الأربعمائة قتيل.

كانت هذه معركة أخرى بين جيشين نظاميين متساويا العدة والعتاد تقريبا (٢٠٠٠ جندي صهيوني مقابل ٢٥٠٠ جندي مصري)، وكانت فيها الغلبة للعرب رغم أن الصهاينة هم من بادروا بالهجوم، ورغم عنصر المفاجأة.

معركة "نچبا" والجيش المصري يعزل مستعمرات النقب

قامت القوات المصرية بمهاجمة مستعمرة "نچبا" مرة أخرى في الثاني من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، وابتدأ الهجوم بقصف مدفعي عيار ٢٥ رطلا، ومدافع عيار ٤.٥ بوصة و ٣.٧ بوصة، عند ساعات الفجر ووصل عدد القذائف إلى ٦٠٠ قذيفة في الساعة.

في الساعة ٠٨:٠٥ تقدمت وحدات المشاة لاقتحام المستعمرة، ولكنها فشلت بالتمركز داخلها بسبب كثافة النيران فانسحبت عند الساعة ١٤:٣٠ بعد قصف مدفعي كثيف ابتدأ عند الساعة ١١:٣٧، للتغطية على الانسحاب.

في يوم ٢ حزيران/ يونيو ١٩٤٨، قامت قوة مصرية باحتلال الطريق أسدود - كاستانيا، وانطلقت في اليوم التالي الكتيبة الأولى نحو الشرق، واحتلت الفالوجا وبيت جبرين والتي تبعد حوالي أربعين كيلومترا عن المجدل، وكان الهدف من هذه العملية هو عزل المستعمرات الجنوبية في النقب عن شمالي فلسطين، ولذلك استمرت قوة مشاة بالتقدم شرقا حتى الخليل، وبذلك أصبحت القوة المصرية منتشرة على مساحات واسعة تعرضها لخطر هجمات على مجموعات صغيرة من الجيش.

معركة مستعمرة "نيتسانيم"

كانت مستعمرة "نيتسانيم" تقع في طريق الجيش المصري بين المجدل وأسدود، ولذلك وبعد أن تمركز في أسدود كان عليه أن يتخلص من المستعمرة التي من الممكن أن تكون نقطة انطلاق لمهاجمته من الخلف، ولذلك وقع القرار بمهاجمة المستعمرة على أن تقوم بذلك الكتيبة التاسعة بقيادة عبد الحكيم عامر، والذي ارتأى أن يجري قرعة لاختيار السرية التي تكون في مقدمة الهجوم، ولكن اليوزباشي محمود خليف قائد إحدى السرايا تطوع ورفض إجراء القرعة، وكان له ذلك.

كان في "نيتسانيم" ٣٠٠ مقاتل نصفهم من "چڤعاتي" ونصفهم من سكان المستعمرة المسلحين، وكان لديهم أسلحة خفيفة ومدافع من نوع "برن" ومدفع هاون عيار ٥٢ ملم ومدفع "فيات". أما المصريون فقد هاجموا بالكتيبة التاسعة مشاة، وكتيبة مدفعية عيار ٢٥ رطلا، وبطاريتي مدافع مضادة للدروع، وبطارية مدافع مضادة للطائرات.

كانت خطة الهجوم تقضي بأن تتقدم السرية الأولى بقيادة اليوزباشي عبد المنعم خليف من الجهة اليمنى للمستعمرة معززة بسريتي دبابات، وبعدها تبدأ المرحلة حيث تتقدم سرية مشاة من الناحية اليمنى بقيادة اليوزباشي لويس حبيب، وبعدها تهاجم سرية الثانية مشاة من منطقة القصر العالي بقيادة البكباشي حسن عثمان.

عينت ساعة الصفر للهجوم في تمام الساعة السادسة صباحا من يوم السابع من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، على أن تسبقها عمليات قصف مدفعي في الليلة السابقة للهجوم على يد المتطوعين العرب.

ابتدأ الهجوم عند الساعة ٠٦:٠٠ صباحا بقصف مدفعي غطى المستعمرة بأكملها، وقامت المدافع المضادة للدروع بتدمير أغلب الدشم المحصنة. انطلق المشاة عند الساعة ٠٩:١٥، دون دعم من الدروع بسبب تعطل ماتوراتها بسبب الحر الشديد، فواجهوا مقاومة شديدة من القوات الصهيونية، فقرر قائد الكتيبة العقيد الرحماني بدء المرحلة الثانية قبل أن تكتمل المرحلة الأولى، وذلك لتوسيع دائرة المعركة وإرباك المدافعين، وكان هذا عند الساعة ١١:٠٠ بمساندة فصيل دبابات، فاستطاعت الدبابات اقتحام المستعمرة.

دارت المعارك وجها لوجه داخل المستعمرة، وبسبب شدة الهجوم حاول مقاتلو "چڤعاتي" أن يشقوا لهم طريقا إلى خارج المستعمرة للانسحاب منها، ولكن محاولتهم باءت بالفشل، إذ قام الجنود المصريون بتطويق القوة، وأعملوا فيها الحرب حتى اضطرت إلى الاستسلام عند الساعة ١٦:٠٠ من نفس اليوم.

في الليلة التالية حاولت قوات "چڤعاتي" من استعادة "نيتسانيم" ليديها، ولكن هجومها فشل فشلا ذريعا، وانسحبت القوة المهاجمة إلى تلة الفناطيس (تلة ٦٩) التي كانت قد احتلتها في نفس الليلة التي أعقبت سقوط "نيتسانيم" بيد الجيش المصري، ولكن القوات المصرية هاجمت قوة "چڤعاتي" واضطرتها للانسحاب من التلة، مكبدة إياها خسائر كبيرة في الأرواح.

دخلت الهدنة الأولى بعد هذه المعركة بثلاثة أيّام (في ١١ حزيران/ يونيو ١٩٤٨)، بعد معركة شرسة جرت بين القوات المصرية وقوات البلماح، عندما حاولت قوات البلماح احتلال مركز شرطة بير عسلوج، جنوب النقب واستمرت المعركة ٢٦ ساعة متتالية، استطاعت القوات الصهيونية من احتلال مركز الشرطة من الجيش المصري، ولكن القوات المصرية نصبت لهم شركا إذ وضعت متفجرات في داخل المبنى وفجرته بواسطة شحنة كهربائية مما أوقع خسائر فادحة بالأرواح لقوات البلماح.

وهكذا حقق الجيش المصري مكاسب عسكرية لا بأس بها، بعد الإخفاقات في بداية المعارك، رغم عدم وجود خطة معدة سلفا، وذلك بفضل شجاعة واخلاص الجندي المصري، والدليل على ذلك حجم التضحيات الكبيرة التي مني فيها، حيث سقط المئات من الشهداء ومئات الجرحى على مذبح فلسطين.


المصادر:

١. محمد حسنين هيكل، العروش والجيوش، قراءة في يوميات الحرب؛

٢. اللواء الدكتور إبراهيم شكيب، حرب فلسطين ١٩٤٨، رؤية مصرية؛

٣. محمود صالح، حرب فلسطين في مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل؛

٤. جمال عبد الناصر، كلمة صريحة، موعد في الأرض المقدسة؛

٥. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود، ١٩٤٧-١٩٥٢؛

٦. أحمد خليفة، حرب فلسطين ١٩٤٧-١٩٤٨، الرواية الإسرائيلية الرسمية، مترجم عن تاريخ الهاغاناه؛

٧. "بيني موريس"، ١٩٤٨ تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى؛

٨. "ديڤيد طال"، من أوقف المصريين عام ١٩٤٨، مقال من كتاب: "تكوموت يسرائيل" ص ١٠٢-١٢١؛

٩. مقابلة مع اللواء محمد رفعت وهبة، اليوم السابع ١٥ أيار / مايو ٢٠١١؛

١٠. د. "أوري طيلشطاين"، صحيفة "معاريڤ" الصادرة في ١٤ / ٥ / ١٩٤٨، مقالة بعنوان: "رجعة إلى بطولة كفار داروم".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018