في الذكرى الثانية والستين لمجزرة كفر قاسم..

في الذكرى الثانية والستين لمجزرة كفر قاسم..
الصلحة التي فرضت على أهالي كفر قاسم

حقائق مذهلة عن حجم المخطط لتهجير سكان المثلث:

في 29 تشرين الأول/أكتوبر سنة 1956 ارتكبت سرية من حرس الحدود الإسرائيلي مجزرة رهيبة في كفر قاسم، راح ضحيتها 47 شهيدًا وشهيدة من رجال ونساء، إحداهن كانت حامل في الشهر الثامن ليصبح العدد 48، واستشهد شيخ مسن من كفر برا، وشخص من الطيبة، وشخص من طيرة بني صعب ليصبح العدد الإجمالي 51 شهيدًا وشهيدة.

حدث ذلك في أول يوم من العدوان الثلاثي على مصر. وقد كشف الباحث اليهودي، آدم راز، عن مخطط إسرائيلي لترحيل سكان 27 قرية في المثلث إلى الأردن إذا ما شاركت الأردن في الحرب.

قبل نحو شهر في 28 أيلول/سبتمبر 2018 توفي قائد الكتيبة الإسرائيلي، يسسخار شدمي، الذي أصدر الأوامر بتنفيذ المجزرة. وقد ذكر الباحث آدم راز أنه سمع من شدمي نفسه أن الأوامر كانت شفوية، وصادرة عن جهات عليا في المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، وأن الحكم عليه بدفع قرش واحد كان مجرد تمثيلية لإيهام الناس وتضليلهم. لقد كان هناك مخطط لترحيل الفلسطينيين من المثلث إلى شرق الأردن أطلق عليه اسم "خلند". وكتاب راز تحت الطبع وسيصدر بالعبرية والعربية.

في شهر تشرين الثاني/نوفمبرسنة 1957 فرضت على أهل كفر قاسم صلحة، حضرها رئيس بلدية بيتح تكفا وقادة عسكريون ومختار القرية وديع صرصور. لكن حتى الآن لم تقدم الدولة اعتذارًا رسميًا لما حصل، وما زال الجرح ينزف..!

رسالة عضو الكنيست فارس حمدان:

فارس حمدان من باقة الغربية. كان عضوًا للكنيست في قائمة عربية منضوية تحت عباءة حزب "ماباي". عارض إلغاء الحكم العسكري وأيد رئيس الحكومة ووزير الدفاع دافيد بن غوريون. ورغم أنه يطلق على مجزرة كفر قاسم "حادثة" إلا أنه كان قلقًا من النتائج التي ستتمخض عن تلك الحادثة ، وفيما يلي نص الرسالة التي أرسلها إلى بن غوريون بهذا الخصوص:

"شعار الكنيست
عضو الكنيست فارس حمدان - باقة الغربية
في 11/11/1956
فخامة السيد دافيد بن غوريون المحترم
رئيس الوزراء ووزير الدفاع
أورشليم

لقد هزت مشاعرنا نحن سكان المثلث تلك الحادثة المفزعة المؤلمة التي وقعت في كفر قاسم هذه الأيام بالذات التي سجلت فيها الدولة بقيادتكم الرشيدة صفحة تاريخية لامعة عقب العمليات العظيمة التي قامت بها قوات جيش الدفاع الإسرائيلية في صحراء سيناء وقطاع غزة.

وقد تركت هذه الحادثة في أعماق قلوبنا مجالا للقلق والتفكير في مصير المواطنين العرب بالدولة زمن الطورائ، مع أنني شخصيًا اعتقد أن هذه الحادثة لم تخرج عن كونها عملا شاذًا قام به شخص واحد أو جماعة ممن هم في رأيي مجردون من أي شعور بالمسؤولية والإنسانية.

وإنني أشير بملء الرضا إلى تشكيل لجنة للتحقيق في هذه الحادثة فور وقوعها معربًا عن تقديري الخاص لزيارة وزير الشرطة السيد بيخور شيطريت منتدبًا من مجلس الوزراء للعائلات المنكوبة، إذ أنكم بذلك أعدتم لنا نحن المواطنين العرب الشعور بالطمأنية وكان قد اختل لهذه الحادثة المؤسفة، وبرهنتم على أن في إسرائيل قضاء وفيها عدالة، وأن حياة المواطنين العرب في الدولة مضمونة زمن السلم لن تكون مباحة لدى الطوارئ.

ومع أن لجنة التحقيق المشار إليها لم تنته من عملها بعد، إلا أننا واثقون كل الثقة بأن المسؤولين عن هذه الحادثة ستنالهم يد العدالة، وبأن التعويضات اللائقة ستدفع للعائلات المنكوبة، والأهم من ذلك كله أن تتخذ التدابير الكفيلة بمنع تكرار وقوع مثل هذه الحادثة في المستقبل.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

عضو الكنيست فارس حمدان-توقيع"

تقرير صحفي عن جرحى المجزرة:

في 21 كانون الثاني/يناير سنة 1957 كتب لطيف دوري، مراسل صحيفة "عل همشمار"، تقريرًا عن زيارته لجرحى المجزرة في كفر قاسم، جاء فيه:

مر شهران ونصف على الجريمة الجماعية. قتل من سكان القرية 47 شخصًا بينهم نساء وأطفال، من يدخل القرية يشعر بالألم يلفها، وبالسكون يخيم عليها. السكان يسيرون ببطء والوجوم يعلو محياهم.

عند مدخل القرية تجد مبنى المدرسة الجديد والجميل، وقفت ونظرت إلى عشرات التلاميذ والتلميذات، فجأة ظهر بجانبي أحدهم، وقال: هل تعلم أن سبعة من التلاميذ قتلوا، ولن يعودوا إلى مقاعد الدراسة!

بمرافقة صالح خليل عيسى، الذي جرح في مساء يوم المجزرة، زرت الجرحى الذين يرقدون في بيوتهم. كانت أعضاء معظمهم مغطاة بالجبس. هؤلاء الجرحى، الذين أصبحوا معاقين طيلة حياتهم، كانوا المعيلين الوحيدين لعائلات كثيرة الأولاد. هذه العائلات كانت ستموت جوعًا لولا المساعدات التي يقدمها سكان القرية لها.

من جميع الجرحى سمعت شكوى من أنهم حتى الآن لم يحصلوا على بروطة (أغورة) من التعويضات التي هي من حقهم، وهم يطالبون بإصرار أن تقدم لهم الحكومة على الأقل سلفة على حساب تلك التعويضات، كما جرى مع عائلات القتلى التي حصلت الواحدة على ألف ليرة. لقد أوضح لي الجرحى أنه لا يمكن الركون إلى مساعدة الجيران.

وتحت عنوان (زيارة مزعزعة) واصل المراسل المذكور كلامه قائلا: على فرشه صغيرة استلقى أسعد سليم عيسى، ابن 27 سنة، معظم جسمه مغطى بالجبس من أخمص قدميه وحتى صدره. وهو على هذه الحال منذ شهرين، والأطباء قرروا أن يبقى بالجبس أشهرًا أخرى. بمرارة راح يحكي لي حكاية عائلته، فقال إن له ثلاثة أطفال يعيشون معه في غرفة ضيقة، فما ذنب هؤلاء الصغار الذين يسيرون بثياب ممزقة وحفاة في البرد القارس.!؟ حين كنت اشتغل لم يكن الأمر كذلك، ولولا مساعدة الجيران لماتوا جوعًا!

طلب أسعد من زوجته، وهي في الشهر الأخير من حملها، أن تعطيه صورة أخيه، التي كانت معلقة على الحائط، ثم أرانيها قائلا: هذا أخي الأصغر عبد. الذي قتل في ذلك المساء. لقد ترك زوجة وولدًا عمره ثلاثة شهور. مسكينة زوجته، هي تبكي زوجها طيلة الوقت.

وعندما سألته: هل حصلت على تعويضات رد: أي تعويضات؟ لم أحصل على بروطة واحدة. حتى عندما سافرت ثلاث مرات لمستشفى "تل هاشومير" لإجراء فحوصات اضطررت إلى أن استقرض مالاً لدفع أجرة السفر. أكتب عن ذلك في الجريدة!

لعل ما أوردناه أعلاه يزيدنا علمًا بحجم المجزرة المهولة التي أرادوا أن يقزموها تحت باب "حادثة".