قصص واقعية: مشاهد الفقر والظلم والقهر في حياة النساء العربيات

قصص واقعية: مشاهد الفقر والظلم والقهر في حياة النساء العربيات
الناشطة النسوية كوثر الصانع

لم تتوقف جرائم قتل النساء في المجتمع العربي منذ مطلع العام 2018 ما قبله، وأثارت سلسلة الجرائم التي أودت بحياة 12 أمرأة كان آخرها إيمان عوض من مدينة عكا، قبل أيام، الغضب والاستنكار العام في المجتمع.

يحمّل مراقبون وناشطون في مؤسسات المجتمع المدني المسؤولية لشرائح وفئات مختلفة، ويشيرون باللائمة والغضب إلى عمل أقسام الشؤون الاجتماعية في البلدات العربية، إلى جانب تقاعس الشرطة الإسرائيلية وتقصيرها بالتحقيق في جرائم القتل عندما تكون الضحية من المجتمع العربي.

النساء في النقب

يستدل من تعامل الشرطة الإسرائيلية مع شكاوى النساء المهددات انعدام الجدية، والاستخفاف بحياة النساء العربيات، إذ يبدو من حيثيات جرائم قتل عدة نساء عربيات من النقب منذ مطلع العام الجاري تلقي الشرطة شكاوى سابقة من الضحايا بوجود خطر على حياتهن في معظم الحالات، وعدم قيام الشرطة بتوفير الحماية لهن وانتهاء الإهمال الممنهج بقتلهن.

كانت آخر الضحايا في النقب منال الفريزات من تل السبع، وقبلها عفاف الجرجاوي من شقيب السلام وسبقتها نورا أبو صلب من قرى خط 25.

ولا يكاد المجتمع يستيقظ من صدمة القتل حتى يصطدم بجريمة أخرى.

وفي الحديث عن خلفيات جرائم القتل وأسبابها وجذور تكون الظاهرة حاول "عرب 48" التحقيق في التركيبة الاجتماعية التي تخرج منها جرائم القتل والعوامل المساهمة في التأسيس لظاهرة قتل النساء الخطيرة، والمنذرة بكوارث اجتماعية حالية.
وحاور "عرب 48" العاملة الاجتماعية ومستشارة رئيس مجلس اللقية المحلي لقضايا مكانة المرأة، كوثر الصانع.

"عرب 48": من ماذا تعاني المرأة العربية في النقب وكيف وصلت إلى هنا؟

الصانع: المجتمع العربي في النقب مثل غيره من المجتمعات الأخرى يعيش عملية انفتاح ترتبط بثورة التواصل الاجتماعي والتمدن السريع والقسري في معظمه. وكل هذا حدث ويحدث في فترة قصيرة جدا، وهنا يحدث الاصطدام. الفرق بيننا وبين مجتمعات غربية عايشت نفس التجربة أو روحها مجموعة الأعراف الاجتماعية في المجتمع المحافظ التي حفظت المجتمع لسنوات، لكنها تحولت إلى أمر إعدام عندما استخدمت بشكل ذكوري وظالم للنساء.

واقع استعماري

وأضافت الصانع: "نحن نعيش في واقع استعماري يحدنا بشكل مباشر في قدرتنا على التقدم المهني في الكثير من الزوايا، ولا يعنى بتوفير الفرص الملائمة للنساء أو الوصول بالمجتمع إلى مكان أفضل، وهو مسؤول مباشر عن عملية التمدين القسري (الانتقال من البادية إلى المدينة والأرض الخاصة إلى الأرض العامة)، التي عانى منها النقب ونعيش التبعات الاجتماعية لها اليوم".

الوضع الاقتصادي

وشرحت مستشارة رفع مكانة المرأة في اللقية عن وضع المرأة الاقتصادي وانعكاساته، وقالت: "تفهم عند العمل مع نساء النقب تأثير الحالة الاقتصادية المباشر على حالة البيت ووجود العنف الأسري فيه، ففي حالات الأوضاع الاقتصادية الصعبة نذكر أن 60% من سكان النقب هم تحت خط الفقر، وتضطر المرأة إلى الخروج إذا استطاعت أو سمح لها، وبسبب نقص التأهيل المهني والأكاديمي للنساء وعدم وجود فرص عمل حقيقية، فإن فرص العمل الوحيدة الموجودة هي في الزراعة والنظافة ومجالات شبيهة، وهي أعمال صعبة جسديًا ونفسيًا تضطر المرأة للعمل فيها، وفي نفس الوقت الحفاظ على المهام البيتية وتربية الأولاد".

وأشارت إلى أن "المجتمع يرى أن الأطفال هم مسؤولية الأم حتى لو عملت وتعبت لتوفير قوتهم ويوضع عليها عبء المشاركة المادية، ولكن بشكل عام لا يقتسم عبء المهام البيتية مع الزوج، وهنا فلا مجال للمرأة للتطور الطبيعي والمهني السلس بسبب كمية المسؤوليات الملقاة على كاهلها".

التعليم الأكاديمي

وعن الدراسة الأكاديمية للنساء، قالت الصانع إن "الفتاة العربية في النقب التي تحصل على الفرصة تتقدم في المجال الأكاديمي، وتسعى نحو الاستقرار الاقتصادي وتحصل النتائج العظيمة في الأكاديمية، ولكن بسبب تركيبة المجتمع واختلاف الحالة بين العائلات والمجموعات لا تحصل جميع الفتيات على هذه الفرصة، فعندما تحلم فتاة بالتقدم والتعليم ولا تسمح لها العائلة بذلك تنتج عن هذا الوضع مواجهة ويمكن أن تتهم الفتاة بالتمرد وقد  يصل الحال إلى القتل، بالإضافة إلى الفرق في المستوى الثقافي بين الرجل والمرأة حيث قد يحكم المجتمع على فتيات يحملن ألقابا جامعية بالزواج من عاطلين عن العمل أو مدمنين، وهذا يؤدي إلى استخدام الزوج للعنف، وانعدام التفاهم والمعنى للحالة هو الصدام والمواجهة والحقد الذي رأينا نتائجه. العديد من محاولات الفتيات في الوصول إلى حقهن في تقرير مصيرهن في مسائل مثل الزواج والطلاق تسبب مواجهة وقد تعتبر تمردا".

وعن دور الشرطة في قضايا العنف وقتل النساء قالت الناشطة النسوية إنه "يبدو من تعامل الشرطة في قضايا النساء أن تطبيق القانون وحماية النساء ليست أولوية لديهم، ولا يوجد نية للتخصص أو بناء الخطط وفهم الحيز القانوني لحالات القتل في النقب، وهذا يظهر في التوجه تجاه قضايا المرأة العربية بنفس الأحكام القانونية عند المجتمع اليهودي، رغم اختلاف الحالات ودوافع القتل، وبالفعل في العديد من الحالات علمت الشرطة عن وجود تهديد على حياة النساء قبل قتلهن ولم تفعل شيئا، وأيضا بقي العديد من القتلة خارج القضبان أو قضوا أحكامًا مخففة رغم ثبوت التهم عليهم".

قصص واقعية
وننشر هنا في "عرب 48" قصصًا من واقع معاناة نساء عربيات في النقب بين العنف والفقر والتهديد على حياتهن، المقابل بالإهمال الممنهج في التعامل مع قضاياهن من قبل السلطات والشرطة الإسرائيلية.

قالت "أ"، إمرأة من تل السبع في النقب، إن قسم الشؤون الاجتماعية في البلدة قام بطردها عدة مرات عند توجهها بوجود خطر على حياتها، وتعاملت معها العاملات الاجتماعيات بشكل سيء.

"أ" أم لطفل عمره سنة وطفل آخر عمره 3 سنوات، دخل الزوج إلى السجن بعد ولادة الطفلين وما زال يقضي أحكامًا جنائية. تعاني المرأة من اكتئاب مزمن وحالة نفسية صعبة وتتلقى أدوية علاجية، لم تساعدها "الشؤون الاجتماعية" في تلقي أي خدمات علاجية، حسبما قالت، وتعيش في بيت غير مناسب للحياة الإنسانية وتنقصه المتطلبات الأساسية، عانت من عدة محاولات لقتلها وطفليها حيث تم إحراق سيارة أمام مدخل بيتها وإلقاء قنبلة حارقة على البيت. رفضت "الشؤون الاجتماعية" مساعدة المرأة ولم توفر لها الحماية من الشرطة ولا الخدمات الصحية المفترضة، وقامت هي بدفع تكاليف علاجها في المستشفيات الطبية ومستشفى الأمراض النفسية، حسبما قالت المرأة، وتوجهت لعدة جهات وشخصيات في تل السبع، لكنها لم تتلق المساعدة حتى اللحظة.

وفي حالة أخرى، نعرض ما حدث للمرأة "ب" من منطقة قرى القيصوم على حاجز عسكري إسرائيلي بين النقب والضفة الغربية في الأيام الأخيرة، هي والدة 4 أبناء بينهم أطفال مرضى أحدهم يعاني من العجز، والمرأة أصلها من إحدى مدن الضفة تزوج زوجها للمرة الثانية وأهملها هي وأبنائها، بالإضافة لاستيلاء الزوج على مخصصات الأطفال المالية، وعدم وجود مصدر دخل آخر يعيل الأم والأبناء، وبعد توجه الأم للمحكمة وقرار محكمة بدفع النفقة ومخصصات الأطفال للأم قام الزوج باستدعاء الشرطة الإسرائيلية لاعتقال الأم التي انتهى تصريح بقائها في البلاد. تم اعتقال المرأة بعد منتصف الليل دون إعطائها الفرصة لتوديع أبنائها رغم صراخها وانهيارها في الحاجز الإسرائيلي، قالت إنها توسلت الشرطي بالسماح لها برؤية أبنائها، ولم يجد بكاء ابنها البكر (16 عاما) أيضًا للسماح لها بتوديع أبنائها. لم يول قسم "الشؤون الاجتماعية" في مجلس القيصوم اهتمامًا بالقضية رغم عدم وجود أي عنصر آخر يعنى برعاية أطفالها.

أما المرأة "ج" فهي من الضفة الغربية أيضا، كانت متزوجة لرجل في إحدى قرى النقب الغربي، طلقها زوجها المُعنف لها على مدار سنوات، ومنع عنها مخصصات الأطفال ولم تترك بيتها غير المناسب للحياة الإنسانية أصلا، من أجل البقاء مع أطفالها. تعاني المرأة من مرض السرطان المتقدم في جسدها والذي يكلفها الكثير من المال للحصول على العلاج، وهي المُعيلة الوحيدة لأبنائها.
انعدام الحماية للنساء المُعنفات

تعلم الشرطة و"الشؤون الاجتماعية" في النقب عن معظم حالات التهديد للنساء وربما جميعها، وفي العديد من الأحيان لا تحرك ساكنا، وبحسب شهادات نساء فإن بعض أقسام الشؤون الاجتماعية في القرى العربية بالنقب متواطئة مع جرائم القتل، ولا تجد النساء التي تعاني الفقر والعنف والتهديد والخطر على حياتهن عنوانًا حقيقيًا بين السلطات المسؤولة عن توفير الأمن والأمان وضمان الحماية لهن، في واقع بائس وأخطر مما يمكن أن يتصوره البعض.