اللد تحت النار: قتلٌ وخوف وصمت

اللد تحت النار: قتلٌ وخوف وصمت
(عرب 48)

شوارع فارغة، هدوء ما بعد العاصفة، حوانيت مغلقة، شرطة في كل مكان، حواجز داخل الأحياء، فوارغ الرصاص متناثرة على الأرصفة؛ الخوف والذعر يسيطران على المكان، هكذا كانت تبدو مدينة اللد بعد ليلة دموية راح ضحيتها ثلاثة مواطنين.

محاولاتنا الكثيرة للحديث مع الأهالي باءت بالفشل، ما أظهر حجم الخوف الذي يسود المدينة. منذ الصباح حاولنا التّحدّث مع مواطنين عرب من اللد، حول العنف والجريمة والأحداث التي وقعت خلال الليلة الماضية، إلا أن الخوف كان ظاهرًا على وجوههم، فقابلنا الرفض وسط أجواء مشحونة تلحظها في كل مشهد.

محطتان للشرطة، فيهما المئات من أفراد الأمن والميزانيات التي تُقدر بملايين الشواقل، لم يمنحوا الشعور بالأمن والأمان للمواطن العربي في اللد، بينما يسيطر الخوف عليهم ويزداد يوما بعد يوم.

بيوت العزاء قاتمة

المحاولات الهاتفية للوصول لعوائل الضحايا هي الأخرى باءت بالفشل، الصمت هو سيد الموقف، اضطررنا إلى التوجه مباشرة لبيوت العزاء. يجلس كبار السن على شكل حلقة دائرية، من ورائهم مجموعة من الشُبان.

قدمنا أنفسنا وقلنا إننا صحافيون، بعد أن سألنا أحد المتواجدين ولم يُجبنا في البداية حول إمكانية مساعدتنا، ثم قال "انتظروا قليلا"، عمره يكاد يناهز الـ40 عاما، لكن يبدو أن عملية اتخاذ القرار داخل العائلة لها آلية خاصة، فصاحبنا ليس العنوان.

توجه الشخص إلى أحد كبار السن، الذي تمتم من بعيد خلال نظره إلينا "لا لا، ولا كلمة ستخرج"؛ هنا فهمنا تركيبة الحالة.

قال أحد السكان لـ"عرب 48" إن "الوضع في اللد أصبح لا يُطاق. الجرائم تتم تحت رعاية المنظمات الإجرامية، السلاح المنتشر من الدولة، والنزاعات هي السبب لانتشار الجريمة، والشرطة تقف في دور المتفرج، الوضع خطير، إطلاق الرصاص العشوائي يصيب الأبرياء، نخاف على أطفالنا ولا حلول بالأفق".

على بعد أمتار قليلة من مسرح الجريمة الأولى، حيث قتل جدوع زبارقة وزوجته آمنة، يقع مركز كبير للشرطة وتحديدا لوحدة "لاهف 443"، لم يكترث المجرمون للحراس المسلحين ولا لأفراد الشرطة. أطلقوا الرصاص بكثافة من سلاح أوتوماتيكي، عشرات الرصاصات اخترقت الجو وأزيزها دوّى في آذان أفراد الشرطة، الذين لم يشكل وجودهم رادعا للمجرمين.

جريمة بشعة

استنكر عضو المجلس البلدي واللجنة الشعبية جمال أبو صيام، في حديثه لـ"عرب 48" الجريمة التي وصفها بـ"البشعه"، ودعا "عائلة الفقيدين بأن يتحلوا بالصبر"، وقال "ما حصل أمس هو أمر شنيع، لا يقبله أحد في البلد، الجميع مستاؤون".

وأشار إلى أن "هنالك الكثير من السُّبل لإيجاد الحلول لكن، هؤلاء من اقترفوا الجريمة، من اقترفوا الجريمة لو توجهوا إلى الوجهاء أو لجان الصلح لما حصلت الجريمة أصلا، ولما سالت الدماء هدرا، هذه الجريمة تُسيئ إلى المجتمع العربي بشكل عام وأهالي اللد بشكل خاص، لذا فإن الفاعلين قد أساءوا للجميع".

تعدي على الخطوط الحمراء

جمال أبو صيام

واعتبر أبو صيام أن هذه الجريمة تُعدُّ تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء، وقال: "وصلنا لوضع أصبح المجرم فيه لا يكترث بوجود مركز للشرطة يحتوي على حراس وأدوات تكنولوجية متطورة، وتُرتكب الجريمة رغم أنفهم. هذه رسالة واضحة من المجرمين، بأنهم لا يكترثون للشرطة ولا في أي مكان، وهذا يدل أيضا على تقاعس الشرطة، فقد فقدت حتى قوة ردعها".

وأضاف أبو صيام: "يجب على الشرطة أن تعيد حساباتها وأن تقوم بعملها كما يجب، يجب عليها أن تحافظ على الردع، عدم اكتراث المجرمين بالشرطة هو تصاعد خطير"، مُعتبرًا  أن "ردود فعل أهل الضحايا لا تفسير لها (دون أن يوضح)".

وأشار أبو صيام إلى أنه "لو قامت الشرطة بدورها لما حصلت هذه الجرائم، اليوم زارنا قائد الشرطة ووزير الأمن الداخلي، لكنني أعتقد أنها لن تجدي نفعا، لأنه وباختصار شديد، دم العربي رخيص بالنسبة لهم".

وتساءل أبو صيام: "كيف لم يتوصلوا إلى القاتل ولديهم كل الأدوات المتطورة وكاميرات المراقبة التي وثقت كل شيء؟ لو كان الحدث أمنيا لانتهى الملف بغضون ساعة، نطلب من الشرطة أن تتوصل إلى القاتل بأسرع وقت".

وتابع "نود أن نعرف من هو القاتل لنسأله، لماذا اقترفت هذه الجريمة وماذا جنيت؟ لقد يتَّمت أطفالا وقتلت عائلة كاملة، ماذا استفدت بتيتيم الأطفال الذين أمضوا ليلة الأمس بالسؤال عن والديهم؟ لقد خسرت الدنيا والآخرة بهذا العمل البشع".

وقال أبو صيام: "سوف نجتمع مع كافة الشرائح في البلد لإجراء اجتماع عاجل من أجل الخروج بخطوات فعلية فورية ولندرس الخطوات المستقبلية".

وأضاف: "لا يمكننا أن نوقف جرائم القتل لا اليوم ولا غدًا، سوف نعمل على الجانب التربوي علّهُ يكون الحل في السنين القادمة، لتكن هذه الجرائم منبوذة من قبل الشباب"، كما لفت إلى المسؤولية الملقاة على عاتق "المربين في المدارس والمخاتير والوجهاء والأحزاب السياسية وأئمة المساجد، الذين لا يقومون بعملهم على النحو المطلوب. الكل مسؤول".

وختم أبو صيام حديثه بالقول: "يجب علينا أن نعمل كبشر أولا وأن نقدس الحياة ونستنكر ظاهرة العنف والقتل بشكل عام، وننبذها قبل فوات الأوان".

فلتان أمني

غسان منير

وقال عضو اللجنة الشعبية في الرملة، غسان منير، لـ"عرب 48" إن "القضية هي أنه إذا أخرجت الشرطة من أي مجتمع، حتى وإن كان ذلك في السويد، فإن الفوضى سوف تعم خلال عام بالكثير وسنصل إلى حالة من الفلتان الأمني، المؤسسة الشرطية تنظر لنا كأعداء وتحاربنا منذ 70 سنة لتفتيت المجتمع من خلال العملاء وزجهم بيننا في خليط غير متجانس، إضافة إلى العمل الدؤوب على تفتيت المجتمع كي يكون مشتتا وفريسة سهلة لسياسات الحكومة".

وأضاف: "أكن كل الاحترام إلى الأهالي في اللد والرملة، هم أناس طيبون ويريدون العيش الكريم، صحيح أننا نتحمل جزءا من المسؤولية لكن فعالية الشرطة منعدمة، ليس لدينا جهاز شرطة ولا جهاز قضاء ولا قوة ردع، ماذا يتوقعون منا أن نحمل السلاح في الشوارع لنقتل بعضنا البعض، أين الشرطة والقضاء والمؤسسات المسؤولة؟ لا يعقل أن يتم الاعتداء على امرأة يهودية تغلق الرملة بشكل كامل من قبل الشرطة وبعد وقت قصير يتم اعتقال المشتبه، أما المرحومة دعاء أبو شرخ قُتلت أمام أطفالها في الشارع وسط النهار برصاصة بالرأس والقاتل لا يزال حرا، وقس على ذلك العشرات من الحوادث".

وذكر منير أنه "لا يكفي أن نستنكر عن طريق فيسبوك بعد الجريمة وحسب، يجب علينا أن نتحرك، وأنا أدعو من هنا الأهالي في اللد ويافا والرملة لإقامة مؤتمر لدعوة جميع النشطاء الفاعلين في الأحزاب الوطنية والجمعيات وكل من له صلة، لنخرج بخطة عمل فعلية، فلم يعد الحديث مجديا، خطة عمل تبدأ من المدرسة، والعمل على حل النزاعات قبل الوصول إلى الجريمة، وتفعيل لجان الصلح".

وختم بدعوة أهالي اللد والرملة إلى التحلي بالصبر، وقال:  "كل المشاكل التي تحدث والجرائم هي على أمور تافهة، كونوا يدا واحدة ولا تكونوا متفرقين".