هدم عين صفورية: ضرب من التهجير الناعم

هدم عين صفورية: ضرب من التهجير الناعم
هدم عين صفورية (تصوير "عرب 48")

يستعد مزارعو بساتين قرية صفورية المهجرة، لإثبات حقهم في ملكية الأرض ومياه القسطل أمام محكمة المياه في حيفا، خلال الجلسة التي ستعقد صباح يوم الإثنين المقبل.

وقال رئيس جمعية البساتين في صفورية، عزات سليمان، لـ"عرب 48": "نحن نملك الوثائق الأصلية التي تثبت حقنا في نبع الحنانة ومياه القسطل، بالإضافة إلى 188 دونما من الأرض (البساتين) وهذه الوثائق التي سنعرضها في المحكمة موقعة من قبل مفوضية المياه".

وأضاف أن "ما يغيظ سلطة المياه ويجعلها تتصرف مثل العصابات بمساعدة شرطة الهدم والتدمير هو امتلاكنا للوثائق الرسمية، وأننا أصحاب الأرض ونعمل وفق القانون، وهو ما جعل الشرطة تتراجع وتترك المكان حين توجهنا إليها لوقف هدم النبعة عند الساعة السادسة صباحا قبل أسبوعين، لكن الهدم قد تم من قبل سلطة المياه التي عملت مثل خفافيش الظلام، قبل أيام قليلة من موعد حصولنا على رخصة الري ووضع عداد المياه من قبل المحكمة".

ويؤرق السلطات الإسرائيلية المهجر الفلسطيني، لأنه أينما كان سواء في البلاد أو في الشتات، يذكرها بجريمتها المستمرة، فلا هو يتنازل عن حقه بالعودة، ولا هي قادرة على قتل هذا الحق وإخفاء معالم جريمتها.

وفي الثاني من كانون الأول/ ديسمبر الجاري، قررت ما يطلق عليها اسم "سلطة المياه"، وبالاستعانة بقوى الهدم والدمار وبحماية الشرطة هدم قنوات المياه الممتدة من نبعة الحنانة في القسطل إلى بساتين صفورية، والتي تشكل مصدر الري الأساسي لهذه البساتين التي يمتلكها مواطنون عرب من سكان صفورية الأصليين.

والمثير أن الهدم تم بخلاف ما صدر عن جلسات المداولات في المحاكم لغاية الآن، فرغم امتلاك أصحاب البساتين الوثائق القانونية التي تكفل لهم الحق بري مزارعهم، وهي اتفاقية تعود للعام 1955، إلا أن محاولات سلطة المياه التضييق على المزارعين لم تتوقف منذ سنوات.

وانتقلت القضية ‘لى أروقة المحاكم حيث تسعى هذه السلطة مدعومة بقرار سياسي فرض جباية أثمان المياه الطبيعية في القسطل ونبع "الحنانة" على المزارعين عبر وضع عدادات مياه، وهو الأمر الذي ما زال رهن المداولات القضائية ولم يتم البت بشأنه نهائيا.

لا صلاحية ولا قرار
وأكد رئيس "جمعية البساتين" في صفورية، أن "سلطة المياه لا تملك أية صلاحية ولا قرار محكمة أو أي حق بالتصرف بمياه النبع. وقد تجلت همجيتها بتمزيق الوثائق القانونية التي حاول من خلالها أصحاب البساتين منع عملية تخريب واقتلاع أنابيب ري البساتين حول نبع الحنانة، دون أن يعلموا بأن النسخ الأصلية موجودة ومحفوظة لدينا".

وأكد أن "الأضرار التي تسببت بها عملية الهدم تتجاوز مليون شيكل، بحسب تقديرات أصحاب البساتين. وما يطرح العديد من التساؤلات حول نوايا هذه السلطة هو أنه كان بمقدورها قطع مياه الحنانة عن البساتين دون تدميرها، وذلك عبر إغلاق ما يسمى بمضخ المياه، لكنها تعمدت وبإصرار مسبق هدمها وتدميرها وطمس معالمها".

وبات من الواضح أن "الهدف من الهدم، هو التخريب والتضييق على أصحاب البساتين وزيادة الأعباء عليهم لجعلهم يتركون البساتين ويرحلوا عنها، أي تهجيرهم منها بشكل تدريجي، الأمر الذي يدركه جيدا أهالي ومزارعي صفورية، وبالتالي يتعاملون مع القضية ببعدها الوطني الذي يتجاوز مجرد ما تحاول سلطة المياه تسويقه، وهو خلاف على طريقة الري وثمنها. وهو ما أدركته أيضا القوى والفعاليات السياسية التي سارعت للالتفاف حول أصحاب البساتين فتحولت قضية نبعة الحنانة وهي جزء من قسطل صفورية إلى قضية كل فلسطيني بالداخل، فشاركت هذه الفعاليات السياسية أهالي صفورية الاعتصامات، والأمر بالنسبة لهم يتعدى عملية الهدم ويستهدف كل قرية مهجرة، والذاكرة والحق التاريخي"، وهو ما أكد عليه ابن قرية صفورية، أمين محمد علي "أبو عرب" والذي قال لموقع "عرب 48": "يريدون قطع الصلة ما بين أهل صفورية وقريتهم وقسطلها الذي يشكل جزء من هويتهم ومن ذاكرتهم وذاكرة أجدادهم. نحن لا نتحدث عن مجرد نبع ماء على أهميته التاريخية، لكننا نتحدث عن ذاكرة وتاريخ وحلقة وصل توارثتها أجيال مختلفة".

قرار سياسي

وأكد أبو عرب أن "المسألة تتعدى سلطة المياه، فهي قرار سياسي يراد منه إلغاء أي حق ووجود وملكية للعرب في صفورية، هو قرار يستهدف أيضا حق العودة، وردنا يجب أن يكون بالتمسك أكثر بحق العودة والاستمرار بالحراك الشعبي السياسي، ولتكن انطلاقة متجددة نحو إحقاق هذا الحق وإدراك معنى قدسية الأرض وعدم التفريط بها، بأي شكل من الأشكال".

اعتقدت سلطة المياه ومن يدعمها أنها ستستفرد بأصحاب البساتين، فكان الرد عبر التفاف أهالي حي الصفافرة بالناصرة، أبناء القرية المهجرة، حول أصحاب البساتين ومشاركتهم بالتظاهرات والنشاطات التي كان آخرها السبت قبل الماضي، حيث لم تمنع حالة الطقس والأمطار الغزيرة، أهالي صفورية من العودة إليها. انطلقوا سيرا على الأقدام نحو قسطلهم، بصغارهم وكبارهم، مجددين العهد مع قريتهم.

أما أهالي صفورية في مخيمات الشتات، فتفاعلوا هم أيضا مع القضية، كيف لا والحديث يدور عن القسطل الذي استمعوا إلى حكاياته من أجدادهم. القسطل الذي يتغنون به ويحلمون برؤيته، القسطل الذي لا يزال مزارا لأهل القرية والوافدين إليها، فبدلوا صورهم الشخصية على شبكات التواصل بصور القسطل، تداولوا الأخبار وتطورات القضية بقلق وحزن على قسطلهم البعيدين عنه مسافة والقريبين منه حقا وإرثا مزروعا ومتجذرا في الذاكرة لغاية تحقيق العودة إليه.