إكسال: عائلة طالب الطب نايف حبشي تكشف ظروف وفاته في رومانيا

إكسال: عائلة طالب الطب نايف حبشي تكشف ظروف وفاته في رومانيا
الطالب الجامعي نايف حبشي توفي في رومانيا

لا تزال عائلة طالب الطب في رومانيا، المرحوم نايف حبشي (23 عاما) من قرية إكسال، الذي توفي إثر نوبة قلبية حادة في 18.12.2018، غير قادرة على استيعاب فقدانه، غير أن أكثر ما يزيد من ألمها ما يتناوله البعض على صفحات التواصل الاجتماعي دون أي دليل أو براهن، وقد ذهب البعض في نسج قصص وحكايات غير صحيحة تسببت بألم للعائلة إلى جانب ألمها وحزنها على فراق ابنها.
"قتلوا ابننا ألف مرة... وقتلونا"... هكذا قالت العائلة.

ألم وحسرة

وبكلمات مليئة بالأسى والحسرة، تحدث توفيق نايف حبشي من إكسال، الذي فقد ابنه ووصفه بـ"الشهيد الطبيب"، بعد أن عُثر عليه الأسبوع الماضي ميتا في فراشه نتيجة نوبة قلبية، في مدينة "تميشوارا" الرومانية، حيث كان يدرس موضوع الطب للسنة السادسة، وكان سيحتفل بتخرجه في تموز/ يوليو المقبل وقد أرسل الدعوات لـ17 شخصا من أهله وأقاربه للمشاركة في مناسبة تخرّجه.

الوالد توفيق حبشي

قال الوالد الثاكل لـ"عرب 48": "بعد أن كررنا الاتصال به عشرات المرات، بدأت أشعر بنوع من القلق الذي أصبحت تتصاعد حدته تدريجيا مع وصول أصدقائه إلى شقته السكنية، ومن ثم استدعاء صاحبة الشقة والشرطة إلى المكان، وحين تلقيت اتصالا من أخي نوّاف أدركت في قرارة نفسي أن ابني نايف قد فارق الحياة".

وقالت عائلة الشاب حبشي: "لم يكن المرحوم نايف شابا عاديا، وذلك بشهادة كل من عرفه من الأصدقاء الذين درسوا معه أو أولئك الذين شاركوه السكن، أو الذين لعبوا معه الكرة أو ربما أولئك الذين التقوا معه صدفة ولو لمرة واحدة، فقد كان يسلب القلوب بحيويته ونشاطه وخفة ظله ووعيه وفهمه لدرجة أن البعض وصفه بأنه مدرسة ينهل من علمها كل المحيطين بها".

تفاصيل الفاجعة

ساعتان من الزمن قضاهما مراسل "عرب 48" في منزل عائلة حبشي، لم تكن كافية لتعداد مناقب هذا الشاب الذي تميز في كل ما عمل، فقد كان متفوقا في علمه وبارزا على مستوى الجامعة في لعب كرة القدم، وقد أحرز لفريقه مؤخرا كأس البطولة بين الجامعات بهدف وحيد سجله هو، وكان بارعا في ركوب الخيل وأجاد لعب التنس، وقبل عيد الميلاد المجيد الذي صادف يوم أمس تلقى الطالب نايف حبشي مكالمة هاتفية (موثقة بالصوت) من صديقه اللاعب مؤنس دبور ابن الناصرة، دعاه فيه للحضور إلى سويسرا لمشاهدة مباراة له، وكان ينوي تلبية الدعوة، كما قال لوالدته.

وعن تفاصيل الفاجعة التي حلت بالعائلة والتي معظم أفرادها من المثقفين البارزين كل في مجاله، روى الوالد توفيق حبشي (أبو عمار) أن "نايف تحدث مع والدته يوم الإثنين قبل الماضي، وأبلغها بأن أموره تسير على ما يرام، وأرسل لها تسجيلا لمكالمته مع صديقه اللاعب دبور، وأبلغها بأنه سيلبي الدعوة ويسافر إلى سويسرا، ثم بالغ في تقبيل والدته عبر الهاتف وكانت السعادة تغمره".

المرحوم كان صديقًا للنجم دبور

وأضاف أنه "في اليوم التالي، الثلاثاء، حاول شقيقه تامر الاتصال به عند الساعة الواحدة ظهرا، لكن نايف لم يجب على الهاتف، وكان من عادة نايف أن يعيد الاتصال بمن يهاتفه، لكن نايف لم يعِد الاتصال. حالة من القلق انتابت أفراد العائلة وأصبح الجميع يحاولون الاتصال به. بعد أكثر من 100 محاولة اتصال اضطررنا للاتصال بصديقه باسل يحيى دراوشة الذي يدرس معه، وطلبنا منه أن يتوجه إلى شقة نايف وأن يطمئننا، فتوجه باسل ومعه طالب آخر أيضا من إكسال، وقد وصلا إلى شقة نايف وكانا يسمعان صوت رنين الهاتف من اتصالاتنا داخل الغرفة، لكن لا أحد يجيب على الهاتف"!

وتابع الوالد: "ثم وصل إلى الشقة ثلاثة من أصدقاء نايف وانضموا إلى جهود الصديقين في محاولة لحل اللغز الذي أرخى بثقله علينا وربض فوق صدورنا، وأنا شخصيا ومن خلال شعور داخلي بدأت انتظر نبأ الفاجعة. لم يكن أمام الأصدقاء سوى التوجه إلى صاحبة الشقة وإبلاغها بالأمر، فلم يكن منها إلا أن استدعت الشرطة، التي وصل عناصر منها خلال دقائق وقاموا بإغلاق محيط الشقة بشريط وحطموا باب الشقة بواسطة فأس".

وأكد حبشي: "دارت هذه الأحداث ونحن على الخط الهاتفي ننتظر بفارغ الصبر أية مفاجأة أو أية صاعقة ستنزل علينا. في هذه الأثناء أغلقت الهاتف حتى لا يصلني أي خبر مفجع حين دار حديث بين الشرطة وأصدقاء نايف، حيث كانت الشرطة قد أبلغتهم بأن هناك حالة وفاة في الغرفة. ولم تمض سوى بضع دقائق حتى جاءني اتصال من شقيقي نواف وعندما أجبت على الهاتف سألته ‘هل توفي نايف؟’ وتلقيت النبأ المؤلم...". في تلك اللحظات الصعبة حافظ الوالد الثاكل على رباطة الجأش في الوقت الذي انهار فيه سائر أفراد العائلة. ونايف هو الابن الأصغر لعائلة مؤلفة من أربعة أبناء وابنة واحدة، بينهم طبيب وممرض ومعلمة ثانوية. وقال الوالد: "صبرت واحتسبته عند الله شهيد العلم وقلت لا اعتراض على حكم الله... وتابعت موجها حديثي إلى ابني عمّار، وهو طبيب أيضا، اذهب وأحضره من رومانيا".

كان عمار في حالة انهيار تام حين تلقى نبأ الفاجعة، ولكن نزولا عند رغبة والده الذي وضع ثقته بابنه، غادر د. عمار البلاد مع صديقه أحمد شبلي الذي درس في نفس المدينة ويعرفها جيدا، وخلال 24 ساعة عادا وهما يحملان جثمان شقيقه.

وقال د. عمار، شقيق نايف حبشي لـ"عرب 48": "على الرغم من أن الجثة كانت في السرير وكانت غرفته مرتبة تماما، إلا أن الشرطة طلبت تشريح الجثة كجزء من الإجراءات الاعتيادية في حالات الموت المفاجئ، ومن أجل التشريح كان ينبغي وجود شخص من أفراد العائلة هناك. وحين وصلنا أحضروا لنا جثة نايف التي كانت تفوح منها رائحة المسك وكان يبدو نائما تماما. لم أصدق أن نايف يمثل أمامي جثة هامدة، فكرت في نفسي هل أحضروا شخصا يشبهه إلى هذا الحد؟ كيف تموت تلك الحيوية المفعمة بمحبة الحياة؟ أسئلة كثيرة دارت في مخيلتي ولم أكن أحصل على جواب"!

شقيق الراحل، د. عمار حبشي

وأضاف أنه "جرى تشريح الجثة وعاد الجثمان مساء إلى أرض الوطن، وقبل أن يصل إلى إكسال وضع في ثلاجة الموتى في بيت العجزة في دبورية حتى صباح اليوم التالي".

وتوجه الوالد توفيق إلى دبورية لدى وصول الجثمان إلى هناك، وقال "كانوا يضعونه في أكياس سوداء، وقد أزلت الكيس الأول ثم الثاني فوجدت ملاكا نائما وقلت الله يرحمك يابا ويجعل مثواك الجنة... وإنا لله وإنا إليه راجعون".

وتابع الوالد يقول لـ"عرب 48": "في صباح اليوم التالي أحضرناه إلى بيته في إكسال وقلت لهم لا حاجة لغسله فشهيد الطب أنظف من أن يغسل... لكن كما جرت العادة غسلوه وكفنوه وودعوه وحملوه وخرجوا به في موكب جنائزي قوامه 12 ألف إنسان. لقد خرجت قرية إكسال عن بكرة أبيها في وداع نايف".

وقال د. عبد الحفيظ دراوشة، وهو أحد الأصدقاء المقربين جدا من المرحوم نايف والذي كان يشاركه السكن قبل أن يتخرج ويعود إلى البلاد، لـ"عرب 48": إن "صديقي المرحوم كان على خلق عظيم، كنت استمد منه القوة والطاقة، كان مليئا بالحيوية وكان مؤمنا بالله يؤدي الفرائض الدينية. كنت أفاخر به أصدقائي ومعارفي في رومانيا، لكونه بارزا في كل المجالات. كان يجيد السباحة وركوب الخيل وكان متفوقا في الدراسة ويتمتع بمهارة عالية في كرة القدم. لا أستطيع أن أفيه حقه مهما تحدثت عنه".

صديق المرحوم د. عبد الحفيظ دراوشة

وأضاف أنه "حين جاء ليشاركني السكن لم أكن أعرفه من قبل رغم أنه ابن بلدتي، ولا أكشف سرا إذا قلت أنني لم أكن أرغب في أن يشاركني أحد السكن، لكن تميز وتألق هذا الإنسان جعلني أتعلق به لدرجة أنه أصبح أكثر من أخ لي، لديه جاذبية قل ما تجدها لدى الآخرين".

عتب وغضب

لم يرحم "عشاق الفبركة الفيسبوكية" عائلة الطبيب المرحوم نايف حبشي، في مصابها الأليم بفقدان ابن عزيز وغال، بل راح البعض منهم "يشطح" في مخيلته وينتج سيناريوهات خيالية عن ظروف وفاة الطبيب، فلذة كبد أهله وذويه، هذا الأمر الذي جعل أم عمار والدة نايف، وشقيقته الوحيدة ازدهار تقولان لـ"عرب 48": "لقد قتلوا نايف ألف مرة... وقتلونا".

وتابعت ازدهار وهي معلمة في الثانوية، "أنا ربيت نايف الذي لا تشوبه شائبة ولا عيب فيه. كان ناجحا ومؤمنا وحافظا للسر، وكان بشوشا لا تفرقه الابتسامة، لكن قدّر الله وما شاء فعل".

وقالت موجهة كلامها إلى المغرضين من مروجي الشائعات حول وفاة نايف: "قل أتحسدوننا على ما أصابنا الله من نعمة... هنالك في هذا المجتمع نفوس مريضة تنتظر هذه المآسي لتكثر الطعنات في جسد الضحية". وقال المربي تيسير حريري من سكان الناصرة، وهو صديق وقريب العائلة، لـ"عرب 48" إن "المجتمع العربي أصبح وكرا للشائعات وللمتطفلين، إنهم مثل الطفيليات. من أين يأتون بهذه السيناريوهات؟ كيف يؤلفون القصص والروايات؟ شاهد ما قالوه وما فعلوه بالفتاة يارا أيوب ضحية جريمة القتل في قرية الجش، لقد نهشوا جسدها الغض بأنياب الحقد والنميمة، أية نفوس مريضة تلك التي تتمادى على الشرفاء؟!".

وقال د. عمار حبشي إن "الله عز وجل قادر على محاسبة هؤلاء القلة من ضعفاء النفوس والمغرضين لقوله تعالى في سورة النور ‘إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ’. سامحهم الله".

في نهاية لقائنا بأبناء عائلة الطالب المرحوم نايف حبشي، أبت والدته أم عمار، إلا أن تحثنا عن طموح ابنها المرحوم الذي كان يقول لمعلمته وهو في الروضة والبستان إنه سيصبح أعظم طبيب عندما يكبر. وقد زوّدتنا الوالدة الثاكلة بصورة لابنها نايف في طفولته ويسمي نفسه الطبيب الصغير.  

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة