مُقابلة | د. منار محمود تُحاكي الحالة الفلسطينية من خلال نماذج عالميّة

مُقابلة | د. منار محمود تُحاكي الحالة الفلسطينية من خلال نماذج عالميّة
جدار الفصل العنصري في بيت لحم (رويترز)

* د. منار محمود تُحاكي الحالة الفلسطینیة من خلال نماذج جنوب أفریقیا وكندا وبلجیكا

* في جنوب أفریقیا أدت العملیة الدستوریة إلى مصالحة تاریخیة وإلغاء الأبرتهاید

* التعدیلات في بلجیكا هدفت للوصول إلى نظام فدرالي یضمن حقوق المجموعات القومیة

* المجموعات الأصلانیة في كندا قطعت شوطا على طریق الاعتراف بالغبن التاریخي

* التطوّرات السیاسیة تجعل تلك الأفكار ذات صلة أكثر بالواقع


كثيرةٌ هي النزاعات السياسية بين مجموعات متنازعة في مجتمع ما كجنوب أفريقيا وكندا وشمال

د. منار محمود

إيرلندا وإسبانيا وبلجيكا، والتي تتطلب إحداث تغييرٍ جذريٍّ في منظومة العلاقات بين هذه المجموعات، كما تتطلّبُ تحوّلا في طبيعة النظام السياسي السائد، ومن أبرز التغييرات هو عملية بناء دستور جديد يكون الضامن الأساسي لهذه التحولات، خاصة إذا تمت مرافقته أيضا بعملية مصالحة بين المجموعات المتنازعة. هذه الحالات وغيرها يمكنها أن تُحاكي الحالة الفلسطينية في جوانب عدة، ويُعتبر النموذج الجنوب أفريقي الذي شكلت عمليةُ بناءِ دستوره، الأساس لمصالحة تاريخية ألغت نظام الأبرتهايد الذي دام عشرات السنين، من أبرز الحالات الناجحة التي استطاعت أن تتغلب على صراع مركب وتحقيق مصالحة تاريخية.

تناولت د. منار محمود  في بحثها لِنَيْل شهادة الدكتوراه، والذي جاء بعنوان "عمليات بناء الدستور وسياسات المصالحة في المجتمعات المتنازعة"، ثلاثةً من هذه النماذج، هي جنوب أفريقيا وكندا وبلجيكا، وفحصت من خلالها العلاقة بين عملية بناء الدستور وبين المصالحة في المجتمعات المتنازعة.
حول هذه النماذج، وتداخُل الخطاب القانوني والسياسي، ومفهوم العدل الانتقالي، كان هذا الحوار مع د. منار محمود:

"عرب 48": اخترتِ الدمج بين القانوني والسياسي، وهما خطابان متوازيان حقّقَ الدمج بينهما في جنوب أفريقيا بالذات نتائج طيبة، تمثّلت بإلغاء نظام الأبرتهايد، كما أن هذا الدمج يحقق في مناطق أخرى نتائج كبيرة خاصة في ظل التطور الحاصل على الخطاب الحقوقي وإمكانية توظيفه في حل النزاعات السياسية، حدّثينا عن ذلك

حاولتُ في بحث الدكتوراه الذي أجريته، أن أدمج بين عملية بناء الدستور وبين مسألة المصالحة بين المجموعات المتنازعة في الدولة ذات العلاقة، وكما هو معروف فإن التوجُّه الكلاسيكي لعملية بناء الدستور على أنها مسألة قانونية يفترض أنها تتعالى عن المسائل السياسية اليومية. وتبنيت التوجه الحديث الذي يتعامل مع العملية الدستورية على أنها جزء من العملية السياسية، تتأثر بها وبعلاقات القوى والتوازُن بين المجموعات المختلفة في الدولة، وحاولت أن أطوّر نموذجًا نظريًا أَسميته "عملية بناء دستور تصالحيّ" وهو نموذج يتعلق بكيفية تحوُّل عملية بناء الدستور من مسألة قانونية إلى أداة ووسيلة لحل نزاعات سياسية والوصول إلى مصالحة تاريخية بين المجموعات المتنازِعة، وبضمنها نزاعات عنيفة.

قراءاتي للدستور تجاوزَت المسألة القانونية المجردة، لأنني قادمة من العلوم السياسية، ورسالتي للماجستير كانت حول الحقوق الجماعية للأقلية الفلسطينية في إسرائيل، إضافة الى أنني عملت في مجال تدريب حقوق الإنسان وأُقدّم محاضرات في هذا المجال، بمعنى أنني أدمج بين السياسي والقانوني، ولذلك تجاوزتُ القراءات الكلاسيكية للدستور وأبرزها المتعلقة بالدستور الفرنسي والدستور الأميركي اللذان تمت صياغتهما من قِبَل النخبة وتمحورا حول الجوانب القانونية وحقوق الإنسان الفردية.

التحولات السياسية في الكثير من الدول، أوجدت الحاجة للتعامُل مع عملية بناء الدستور ليس كمسألة قانونية فقط، خاصة في ضوء وجود الكثير من حالات المجتمعات المتنازعة بين مجموعات مختلفة تُطالب بحقوقها الجماعية.

"عرب 48": نحن نتحدث عن مرحلة مختلفة طَفَت فيها مسألة الحقوق الجماعية وعلى رأسها حقُّ تقرير المصير، على سطح العالم، وفرضت نفسها على الخطاب الحقوقيّ، بحيثُ بات من الصعب تجاهلها عندما يجري الحديث عن ناظم قانوني للمجتمع، أليس كذلك؟

هناك أكثر من سبب بينها عمليات الدمقرطة التي تجري في أكثر من دولة في العالم، إلى جانب التطوُّر الذي طالَ خطاب حقوق الإنسان في مسألة الاعتراف بالحقوق الجماعية، والثقافية وما يتعلق بالأرض وما إلى ذلك، إضافة إلى مطالبةِ مجموعاتٍ أصلانية الاعترافَ بحقوقِها في دول مثل كندا، وأستراليا ونيوزيلندا، ومجموعات قومية وإثنية في دول مثل بلجيكا وشمال إيرلندا وإسبانيا، وضرورة أن يكون الاعتراف بهذه الحقوق مضمونا في الدستور لأن الدستور هو أعلى قيمة قانونية في الدولة ومن خلاله تنبع باقي القوانين.

هناك أيضا مجموعاتٌ ليست بالضرورة قوميةً أو أصلانية، مثل النساء اللاتي يُطالبن بحقِّ أن يأخذ الدستور بعين الاعتبار وجهةَ النظر الجندرية، هذا ناهيك عن تأثُّر مسألة التعامُل مع الدستور بتطوّر نظريات جديدة مثل نظرية التعددية الثقافية وتأثيرها على فهم الحقوق الجماعية ونظرية العدل الانتقالي وضرورة التحول في المنظومة السياسية والقانونية ونظريات جديدة تؤكد على ضرورة المشاركة الفعالة للأفراد والمجموعات في صياغة الدستور. 

مجموعة الأسباب تلك، هي التي دفعت نحو الاعتقاد بأن الدستور يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية التاريخية، والسياسية، والثقافية، لكل واحدة من المجموعات عند الحديث عن مجموعات متنازعة. 

"عرب 48": في النهاية، هل يُمكن القول إنّكِ تمحورتِ حولَ موضوع الدمج بين الدستور وبين المصالَحة؟

نعم، وقد حاولتُ أن أُحدد مجموعة من الشروط التي يجب أن تترافق مع العملية الدستورية حتى نصل إلى مسألة إنهاء صراعات وتحقيق مصالحة تاريخية. الأول يتعلق بإحداث تغيير جذري في طبيعة نظام الحُكم وتحويله من نظام مهيمن وإقصائي، يُفضِّل مجموعة معينة ويقصي مجموعة أخرى ويمس بحقوقها كأفراد وكمجموعات، إلى نظام احتوائي يعمل على أساس المساواة الفردية والجماعية، وهو أمر يتطلبُ الشرط الثاني، وهو إحداث تغيير في الثقافة السياسية السائدة المتأثرة بمفاهيم النظام السائد وتحويلها من ثقافة تعتمد على مفاهيم وقيم وعادات المجموعة المهيمنة إلى ثقافة جامعة تشمل قِيَم وتطلُّعات المجموعات الأخرى أيضا.

الشرط الثالث، يتعلق بالاعتراف الدستوري بالمجموعات المختلفة وحقوقها الفردية والجماعية ومنح الفرصة والشروط لتطبيق ذلك في الحيّز العملي. أما الشرط الرابع فيرتبط بمشاركة الأفراد والمجموعات المختلفة، في عملية بناء الدستور من خلال الاشتراك في النقاشات الدستورية والتمثيل في المجلس الدستوري الذي عادة ما يُرافق عملية بناء الدستور، وكذلك تمثيلهم كقضاة في المحاكم الدستورية، ويُعتَبر هذا الأمر ضروريا، لا سيّما بعد التجربة الناجحة  في جنوب أفريقيا.

الشرط الخامس هو ترافُق العملية الدستورية مع آلياتٍ لتحقيق المُصالَحة التاريخية، بما يشمل إقامة لجانِ حقيقةٍ ومُصَارحةٍ، الاعتذار الرسمي عن الغبن التاريخي ومسألة المسامحة المرتبطة بالاعتذار وكذلك الحديث عن تصحيح الغبن التاريخي مثل التعويض أو الإرجاع ( إعادة أراض وأملاك صودرت مثلا أو تعويض مادي وغيرها). طبعا، إن الحالة المُثلى هي عندما تتوفر جميع الشروط. من خلال البحث حاولت أن أُحدد ما هي الشروط الضرورية التي يجب أن تتوفر، وما هي الشروط التي يُمكن أن يُشكّل غيابها، سببًا في عدم نجاح تجارب كهذه. 

"عرب 48": وما هي أبرز التغيُّرات التي حدثت في هذه الحالات، والتي يمكننا الاستفادة منها في واقعنا؟  

الحالات الثلاث متباينة وضرورية للبحث، ففي جنوب أفريقيا حالة أدّت فيها عملية بناء الدستور إلى مصالحة تاريخية، وفي بلجيكا حيث يتم إجراء تغيير دستوري كل بضع سنوات كانت النتيجة عكسية حيث أدّى التعديل الدستوري إلى تعطيلٍ في نظام الحكم لأنه لم يراعي الشروط الضرورية لذلك، وفي كندا هناك محاولات دستورية للوصول إلى مصالحة تاريخية مع السكان الأصليين لم تصل بعد إلى نتيجة مُرضِيَة.

في جنوب أفريقيا، المصالحة التاريخية بين الأكثرية السوداء والأقلية البيضاء وإلغاء نظام الفصل العنصري؛ كانا في أساس العملية الدستورية وحققت الحالةُ تغييرا جذريًّا في نظام الحكم، لا سيّما أنها تبنت مفاهيم  نظرية "العدل الانتقالي"، التي تقترن فيها عملية التحوُّل الديمقراطي بالاعتراف بالغبن التاريخي الذي لحق بالمجموعات الأخرى، وهي إحدى النظريات التي اعتمدتُ عليها في بحثي.

بداية التغيير كانت عندما صعد دي كليرك إلى الحكم وأعرب عن نيّته إلغاء نظام الأبرتهايد، وتحرير مانديلا من السجن، وإلغاء الدستور بصفته دستورًا مبنيًا على أساس التمييز العنصريّ، وفي هذا الإطار تشكّلت لجنة حقيقة ومصالحة بتفويض رسميٍّ من الدولة.  

"عرب 48": إذا هل يدورُ الحديث عن انقلاب الوضع رأسا على عَقِب في أفريقيا؟

بالتأكيد، لأنه بعد حالة الفصل العنصريّ التي تميّز بها النظام السياسي في جنوب أفريقيا، أصبحت الحالةُ اليوم  تُعتبر واحدة من أهم الديمقراطيات الدستورية في العالم، كما يشمل دستورها وثيقة حقوق مواطن، بالإضافة إلى أنها سارت في طريق المُسَامحة والمغفرة والاستعاضة عن العدل الانتقاميّ بالعدل الانتقاليّ.

أما في حالات تعتبر فيها الديمقراطية راسخة مثل كندا فإن الحديث يدور عن تحوُّل إلى المزيد من الديمقراطية، تتمثل عادةً بمنح مزيد من الحقوق لمجموعات معينة تمّ المسُّ بحقوقها. وقد حدث التغيير الدستوري الأبرز عام 1982 بشأن المجموعات الأصلانية التي جرى سلب حقوقها وأراضيها من أجل إقامة الدولة. جرى التعديل بعد نضال طويل، وقد جاء بعد صدور قرارات متتالية من المحكمة العليا الكندية، واقتصر على قضايا عينية في حقوق الأصلانيين، الذين اعتبروه شكليا. هذا التحوُّل يُعتبر خطوة إيجابية، لكنه غير كافٍ. 

وفي عام 1990، أُقيمت لجنة تحقيق تعاملت بشكل مُوسَّع مع تاريخ الأصلانيين والغبن الذي وقع عليهم، إلا أن توصياتها لم تخرج إلى حيز التنفيذ. لاحقا أقامت الحكومة الكندية ما يشبه لجنة الحقيقة والمصالحة على غرار جنوب أفريقيا، إلا أنها تعاملت فقط مع قضية واحدة وهي  تعليم أولاد الأصلانيين في مدارس خاصة، حيث كان يتم انتزاعهم من حضن أهاليهم ووضعهم في مدارس خاصة لإكسابهم ثقافةَ وقِيَم "المُستَعمِر" ودمجهم بالمجتمع الكندي، وهي مدارس جرى فيها أحيانا مسٌّ صارخ واعتداءات جسدية وجنسية، كان لها أثرٌ نفسي شديدٌ على الأطفال وعائلاتهم. وعلى الرغم من أهمية هذ المسألة، إلا أنه لا يمكن حصر الغبن التاريخي الذي تعرّضت له المجموعة الأصلانية في كندا في الجانب. إذا تم المسُّ بحقوقهم الثقافية والسياسية، وبسلب لأراضي ولمكونات حياتهم الأساسية.

والحالة في بلجيكا، مرت بأربع مراحل من التعديلات الدستورية، وكان الهدف التحول إلى نظام فدرالي، إذ تم الاعتقاد أن التحوّل نحو هكذا نظام فقط، يضمن حقوق المجموعات القومية والثقافية المتعددة، لكن تلك التعديلات أغفلت ضرورة مشاركة تلك المجموعات في التعديلات الدستورية ولذلك لم تحقق مبتغاها، وما زالت مسألة التلويح بالانفصال تُهدّد وحدة البلاد. 

"عرب 48": وكيف يُمكن تطبيق تلك المقاربات على الحالة الفلسطينية - الإسرائيلية؟

شخصيًا لم أتناول هذه الحالة في رسالة الدكتوراه، وإن كنت أعمل حاليا على تناول جوانب معينة كإمكانية الوصول لمصالحة تاريخية، بالاعتماد على فكرة العدل الانتقالي، لا سيّما أن هناك اليوم سيناريوهات وتصوُّرات مختلفة للحل بدأت تتجاوز الحلول المطروحة سابقا، المُتمثّلة بحل الدولتين، وأنا أعتقد أن التحولات السياسية المستمرة قد تجعل تطبيق مثل تلك التصورات ممكنة في سياق معين، طبعا إذا توفرت شروط أخرى أيضًا، كما أن التطورات السياسية والمجتمعية تجعل تلك الأفكار ذات صلة أكثر بالواقع، فعلى سبيل المثال، هناك محاولاتٌ لتشكيلِ لجنة حقيقة ومصالحة في السياق الإسرائيلي - الفلسطيني من قِبَل بعض مؤسسات المجتمع المدني مثل "زوخروت" وهي محاولات إيجابية وإن كانت تفقد الصلاحية القانونية. مع ذلك فهي مهمة لإثارة النقاش العام لأهمية هذه المسألة ويمكن أن تُعتبر خطوة نحو التغيير، كما أن الحالات المختلفة التي درستها يمكن لكل منها أن تساعدنا في فهم جوانب معينة للشروط اللازمة من أجل ضمان مصالحةٍ تاريخية. 


د. منار محمود: حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، مختصة في مجال النظرية السياسية والسياسات المقارنة. أبحاثها تتناول التحليل السياسي المقارن لعمليات بناء الدستور وسياسات المصالحة في المجتمعات المتنازعة.  وتعمل مؤخرا على تحليل جوانب مختلفة للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. الإطار السياسي النظري الذي تقترحه يجمع بين رؤى من مجالات علمية مختلفة: النظرية السياسية، السياسة المقارنة، القانون وعلم النفس الاجتماعي. اهتماماتها البحثية هي: النظرية السياسية المعاصرة، النظرية الدستورية، العدالة الانتقالية، التحول نحو الديموقراطية والعلاقة بين السياسة والقانون.

اقرأ/ي أيضًا | "يوم أستراليا".. احتفال باستكشافها أم بتاريخها الدمويّ؟