مُقابلة | شاهين: يجبُ تبنّي إستراتيجيّة وطنيّة تُعيد الاعتبار للقضية الفلسطينيّة

مُقابلة | شاهين: يجبُ تبنّي إستراتيجيّة وطنيّة تُعيد الاعتبار للقضية الفلسطينيّة
يجبُ تبنّي إستراتيجيّة وطنيّة تُعيد الاعتبار للقضية الفلسطينيّة (وفا)

القوى العاملة خارج المنظومة التقليدية هي مصدر تفاؤل الفلسطينيين  

تشكيلُ حكومة فصائليّة بمثابة نفض يد وفكّ ارتباط مع القطاع

الخروج من أوسلو لا يعني بالضرورة حلّ السلطة، بل تغيير أدوارها ووظائفها

المطلوب إعادة الاعتبار للمشروع الوطني ولمنظمة التحرير كحركة تحرر وطني


عقِبَ توصية اللجنة المركزية لحركة فتح بتشكيل "حكومة فصائلية" والتي تُرجمت بتقديم استقالة حكومة الوفاق الوطني التي ترأسها د. رامي الحمد الله، وقبولها من قبل الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أُغلِق الباب على محاولات المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام الفلسطيني.  

ويضع الإعلان/ التوصية، نهايةً لجهود فلسطينية وعربية، استمرت لسنوات طويلة وتخلّلتها عشرات الاجتماعات والحوارات والقمم؛ شهدتها القاهرة والدوحة وغزة، وتكللت أحيانا باتفاقات مصالحة، جرى زفها إلى شعبنا وسط طقوس احتفالية سرعان ما تبخّرت كلماتها لدى ملامستها لأرض الواقع.

ورغم فشل حكومة الوفاق الوطني في تحقيق أهدافها، بسبب تعطيل اتفاق المصالحة الذي نتجت عنه، فإن بقاءها أبقى لدى الفلسطينيين، طاقة أمل وفسحة أمل بديلة عن القطيعة التامة.

حول تداعيات هذا القرار على الساحة الفلسطينية، ومآلات الوضع الفلسطيني، في ظلّ تكريس حالة الانقسام السياسي والجغرافي، وآفاق مُستقبل المشروع الوطني، كان هذا الحوار مع الكاتب والباحث في مركز "مسارات"، خليل شاهين.

خليل شاهين

"عرب 48": ما خطورة هذه الخطوة، إذا ما أدركنا أن حكومة التوافق الوطني لم تستطع أصلا إنجاز مهمّاتها؟

التوصية بتشكيل حكومة فصائلية يعني في واقع الحال، نفضَ اليدِ والذهاب باتجاه فكّ الارتباط ليس فقط مع حركة حماس، بل مع قطاع غزة أيضا، وهي بمثابة اختيار الطريق الأقصر عوضا عن مواصلة وتعميق الجهود لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، سواء على مستوى السلطة، أو منظمة التحرير الفلسطينية.

كما أن هذه الحكومة حتى لو استطاعت حركة فتح تشكيلها وفق تصورها، فإنها لن تكون قادرة على ممارسة أي من مهامها في قطاع غزة، وهذا الأمر يعني الانتقال من مرحلة الإجراءات العقابية التي اتخذتها حكومة حمد الله ضد قطاع غزة، وبشكل خاص ضد الموظفين، إلى مرحلة جديدة يتم فيها نفضُ اليد بالكامل من القطاع.

ويؤدي هذا الإجراء إلى تعميق انفصال قطاع غزة، وربما يُقدّم المبررات والعوامل التي قد تُسهل تمرير المخطط المعادي الذي يقوم على التفاهم بين إسرائيل وإدارة ترامب على إقامة " كيان دولاتي" زائفٍ وشكليّ منفصل عن الضفة الغربية في القطاع، وبالتالي تسهيل الهجوم على الضفة، ضمًا واستيطانًا وتعميقًا للاحتلال على أساس تكريس واقع الإدارة الذاتية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية في المعازل الخاضعة لسيطرتها وادارتها في الشؤون المدنية.

"عرب 48": هل ترى أن الخطوة ستجُرّ رد فعل موازٍ من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بعد سقوط السقف الشكليّ الموحّد؟

نعم، أظن أننا ندخل مرحلة شديدة الصعوبة، فردُّ فعل حركة حماس سواء تمثَّل بإعادة إحياء ما كان يُعرَف بـ"اللجنة الإدارية"، أو المضي بنفس الطريقة في إدارة الوزارات دون الإعلان عن وجود لجنة إدارية، فإن الاتجاه هو تعميق الانقسام من الطرفين.

"عرب 48": ولكن هناك فصائل أعلنت بوضوح أنها لن تُشارك في مثل هذه الحكومة، ما رأيك بذلك؟

صحيح. الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، أعلنتا رفضهما المشاركة، وأعربتا عن تمسُّكهما بتشكيل حكومة وحدة وطنية باعتبارها المدخل والشرط الضروري لتحصين الحالة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، ومحاولات تمدده أكثر وأكثر على الأرض الفلسطينية، كما إن حزب "فدا" وحزب الشعب والمبادرة الوطنية أبدوا تحفظهم أيضا.

والمفارقة هي أن التوصية بحل حكومة الوفاق، ترافقت مع تسريب أنباء عن قائمةٍ مشتركة لفتح وحماس في الانتخابات المقبلة، علما أن الحديث عن الانتخابات يجري لذرّ الرماد في العيون، وفي الحقيقة إن الطرفين غير معنيين بالانتخابات، كل لأسبابه.

"عرب 48": تجاوزًا للكثير من التفاصيل السياسية المترافقة مع هذا الإعلان، وبمناسبة الحديث عن الفصائل، أظهر الانقسامُ غيابًا لقطب فلسطيني ثالث قادر على إعادة التوازن للساحة الفلسطينية وإنقاذها من حالة التمزق، حدّثنا عن ذلك.

هناك شعورٌ عام في الأوساط الفلسطينية المختلفة -خاصة في ظلّ تعمُّق الانقسام بين فتح وحماس، وتحوله إلى انفصال سياسيٍّ وجغرافيٍّ بين الضفة والقطاع- بغياب قوّة وازنة قادرة على جمع الساحة، لا سيّما في ظلّ حالة التشتُّت التي تُعاني منها القوى الأخرى.

هذا ما جعل العديد من الفصائل والشخصيات المستقلة وبعض المؤسسات الأهلية تتداعى لعقد سلسلة حوارات نتج عنها تشكيل التجمع الفلسطيني الديمقراطي، الذي يضم خمس فصائل هي الشعبية، والديمقراطية، وفدا، وحزب الشعب والمبادرة الوطنية، والعديد من الشخصيات الوطنية والجمعيات الأهلية.

التجمع يهدف إلى كسر الاستقطاب الثنائيّ وإنهاء الانقسام وتوحيد الساحة الفلسطينية في وجه المخاطر التي تتربص بها، وهو يواجه اليوم قضيتين رئيسيتين: الأولى هي قضية الحكومة الفصائلية، والثانية هي الموقف من الانتخابات إذا ما جرى الإعلان عنها، حيث يُفترَض منه اتخاذ موقفٍ موحد، لكي يتمكن من الانتقال من دور الوسيط بين فتح وحماس إلى لعب دور قطبٍ ثالث قادر على طرح خيارات بديلة وواقعية أمام الشعب الفلسطيني، ويُفترَض أن يعمل عليها في المؤسسات الوطنية وفي المستوى الشعبي.

إلى جانب التجمع الديمقراطي هناك حراك ديمقراطي، وهناك مجموعة من الشخصيات تلتقي وسبق أن أعلنت عن نفسها وقامت أيضا بتنظيم مسيرة في رام الله.

"عرب 48": هل المطلوب قلبُ الطاولة، والخروج من الحالة التي دخلها الشعب الفلسطيني بعد أوسلو، والمُتمثّلة بالتخلي عن مهام مرحلة التحرر الوطني قبل إنجازها، والدخول في صراع داخلي حول سلطةٍ تفتقر إلى أدنى سلطة على الأرض، ودولة دون سيادة، وقوى أمنية تحفظ أمن إسرائيل، وغيرها من المراتب والمناصب الوهمية؟

عمليًّا، لم تخرج إسرائيل من اتفاق أوسلو دون الإعلان عن ذلك، بل إنها تقوم في الفترة الأخيرة، بإعادة تشكيل أدوار ووظائف السلطة الفلسطينية، بدلا من أن تقوم السلطة الفلسطينية بإعادة تشكيل دورها ووظائفها تجاه مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

وما عملية التوغل الأخيرة في عمق المناطق التي تُسيطر عليها السلطة، إلا دليل على أن إسرائيل تربط سياستها الحالية برؤيتها للحل الذي تفرضه على الفلسطينيين، وعلى السلطة، وهو حل يقوم على تأبيد السلطة الفلسطينية باعتبارها سلطة حكم ذاتي محدود الصلاحيات تدير المعازل القائمة على نحو 40% من مساحة الضفة الغربية، دون القدس الكبرى، وفق التعريف الإسرائيلي، ودون الأغوار ودون المناطق "جـ"، وهي الأطروحات التي يجري تداولها في أوساط اليمين الإسرائيلي.

لذلك أعتقد أن المطلوب، هو الخروج  بشكل تدريجيٍّ ومدروس من أوسلو واتفاقاته الأمنية والاقتصادية والسياسية.

"عرب 48": سمعنا تهديدات بحلّ السلطة، وتسليم المفاتيح لنتنياهو، ومللنا من كثرة إعلانات وقف التنسيق الأمني، بينما في الواقع يزداد التمسك بالسلطة، ويتمُّ تعزيز التنسيق الأمني مع إسرائيل، ماذا تقول حول ذلك؟

الخروج من أوسلو لا يعني بالضرورة حلّ السلطة، بل يتطلب تغيير أدوارها ووظائفها، فالشعب الفلسطيني كان على الدوام بحاجة لسلطة مركزية تُدير أموره، ولكن الفارق أن منظمة التحرير كانت دائما تقاتل من أجل إدارة شؤون المجتمع، خاصة على مستوى التعليم والبلديات، وتشكلت أطرٌ بما فيها القيادة الوطنية الموحدة خلال الانتفاضة الأولى، ولكن طابعها كان ينسجم مع حقيقة القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطنيّ.

والمقصود سلطة مجاورة للمقاومة تُوفِّر الخدمات والدعم والرعاية لشؤون المجتمع الفلسطيني، لتمكين الفعل المقاوم من التطور في مواجهة الاحتلال، بمعنى أخر، إن القضية الرئيسية المطروحة الآن هي كيفية إحداث تغيير في ميزان القوى، وهي عملية طويلة وتتطلب تغييرا في السياسات التنموية والاقتصادية، والسياسات الكفاحية بالوصول إلى نقطة يصبح فيها الاحتلال مُكلفًا لكل إسرائيلي وليس احتلال خمسة نجوم، تحولت السلطة الفلسطينية إلى وكيل أمني وإداري واقتصادي لصالحه.

التغيير في ميزان القوى على المدى الإستراتيجي، هو الذي يسمح للفلسطينيين من تحقيق خياراتهم، سواء كانت إقامة دولة مستقلة في الضفة والقطاع، أو خيارات تاريخية وإستراتيجية أخرى مثل الدولة الواحدة.

"عرب 48": عمليا أنت تتحدث عن تغيير سلّم الأولويات والعودة إلى أجندة التحرُّر الوطني، التي لا تحتلّ فيها الحكومة وتقاسُم الوزارات والصلاحيات رأس السلم، بل تحتله الإستراتيجية الوطنية ووسائل الكفاح وتحرير الأرض؟

ثمّة من يتساءَل ما هو المشروع الوطني في المرحلة الراهنة؟ وأنا أعتقد أن المشروع الوطني ما زال واضحا، وأن المشكلة هي في الانحرافات عن المشروع الوطني، وبخصوص الاتفاق على إستراتيجية وطنية، فيجب إدارة حوار وطني شامل يضم كل تجمعات الشعب الفلسطيني في الضفة، والقطاع، والشتات، ومناطق 48، الذين يجب إيجاد آلية لتمثيلهم في عملية صنع القرار الفلسطينيّ.

الإستراتيجية الوطنية يجب أن تُعيد الاعتبار للقضية الوطنية والمكانة لمنظمة التحرير، واعتبار أن المرحلة هي مرحلة تحرر وطني يتوجب فيها تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم بدءًا من النقب وانتهاءً برفح.

"عرب 48": لماذا نُلاحظ هذا التراجُع في مكانة القضية الفلسطينية، كونها خارج حلبة النقاش السياسي للانتخابات الإسرائيلية؟

من الواضح أن هناك الكثير من العوامل، ساهمت في تراجُع القضية الفلسطينية، والانقسام واحد منها، بالإضافة إلى الأزمات العربية التي حيّدت القضية عن مركز الاهتمام العربي لصالح قضايا داخلية وإقليمية، وكذلك تعميق المشروع الاستعماري الاستيطاني.

ومن الواضح أن استعادة الوحدة الوطنية في جوهرها، هي عملية إعادة بناء للحركة الوطنية، التي تعيش حالةً من الإقصاء، كما أننا نشهد منذ فترة بروزَِ قوى تعمل خارج المنظومة التقليدية. هذه القوى موجودة في أراضي الـ48، وموجودة في الشتات، وفي الضفة الغربية، ولكنها مبعثرة، مثل حركة "بي دي أس" وحركات المقاطعة ولجان الدفاع عن حق العودة والمهجرين في الداخل والشتات، إضافة إلى أشكال الدفاع التي شهدناها منذ عام 2015، أو ما يُسمّى بالعمليات الفردية، وكذلك جزء كبير من عمليات المواجهة الجارية على الأرض.

السؤال المطروح هو؛ كيف يُمكن إعادة تجميع هذه القوى الموجودة في هذا الفضاء الثالث؟ هذا الحيز الذي يدعو وجوده للتفاؤل، كيف يمكنُ توحيدها لتصبح تيارًا قادرًا على الضغط والتأثير باتجاه مسار جديد يُعيد مكانة القضية الفلسطينية كقضية تحررٍ وطنيّ وتصويب الأولويات باتجاه المواجهة مع الاحتلال والاستيطان والعنصرية، وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس برنامج سياسيّ واضح وأُسُس متوافَق عليها سياسيًا، تكونُ جامعةً لمُريدي الوحدة الوطنية، ومريدي الحقوق الفلسطينية، ومن يقبلون الشراكة السياسية والعمل المُشترَك.


خليل شاهين: كاتبٌ ومحللٌ سياسيّ، مقيم في رام الله، عمل باحثًا وصحافيًا في عدد من المؤسسات ووسائل الإعلام في فلسطين وخارجها. يعمل حاليًا مديرًا للبرامج في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية – مسارات.