د. إبراهيم محاجنة... عن واقع المحاضرين العرب في الأكاديميا الإسرائيليّة

د. إبراهيم محاجنة... عن واقع المحاضرين العرب في الأكاديميا الإسرائيليّة
إبراهيم محاجنة

* العرب يشكلون 2% فقط من مجموع المحاضرين في الجامعات والكليات

* المحاضرون العرب يعانون التهميش والاغتراب والحصار 

* مطلب الجامعة العربية أسقط لأننا نفتقد رواد على غرار د. سامي مرعي


في كتابه، " صمت ’الحاضرون الغائبون’ - المحاضرون العرب في الأكاديمية الإسرائيلية"، الذي صدر مؤخرًا، يتفق د. إبراهيم فريد محاجنة مع الإجماع السائد حول آليات التمييز التي تديرها دولة إسرائيل ضد مواطنيها العرب، ويعرض للتفسير القائل إنّ الديمقراطية "الجمهورية" في إسرائيل تتضمن نوعين من المواطنة: المواطنة الليبراليّة للعرب، والجمهورية لليهود.

غلاف الكتاب الجديد

وهي ديمقراطية، وإن بدا لأول وهلة أنّ اليهود والعرب يتمتعون فيها بحقوق رسمية متساوية، إلا أن اليهود فقط هم من يستطيعون ممارسة مواطنتهم من خلال المشاركة في الصالح العام، وهو النهج الذي ميّز المؤسسات الحاكمة لدولة إسرائيل وتمثل في انتزاع الملكية والاستيلاء على الموارد وإنشاء مشروع التهويد، الذي يعطي امتيازات لليهود ويخلق فصلًا عنصريًا متغلغلا.

هذا النهج، كما يقول د. محاجنة، يخلق مجموعات سكانية منفصلة تتلقى كل منها حزمة من الحقوق على أساس عرقي، بينما يتميز عمل المؤسسات الرسمية في إطاره بالازدواجية العلنية حيث أنّ الموارد المخصصة للمجتمع العربي محدودة، كما أنّ شروط الاستحقاق لا تتطلب معايير موضوعية، مثل المواطنة أو الحاجة، بل ترتكز إلى معايير انتمائية، مثل الفئوية الجمهورية "منفعة الولاء" وحتى "المحسوبية".

وعمومًا، فإنّ الإطار البنيوي الذي ينبري تحته الفلسطينيون في إسرائيل، كما يقول، هو ما يهمشهم ويقصيهم عن عملية صنع القرار السياسي وتوزيع الموارد المادية والمعنوية، أمّا مشاركتهم في الاقتصاد الإسرائيلي فتقع على هامشه دونما تطوير لاقتصاد فلسطيني مستقل وقسم "تعليم العرب" يهدف إلى إحكام السيطرة عليهم من خلال عدّة أدوات، أهمها تعطيل إقامة جامعة عربية.

وبقطع النظر عن البعد السياسي لعملية تعطيل إقامة جامعة عربية وأثرها على بلورة وتشكيل الهوية الجمعية والثقافية، فإنّها تخلق أزمةً فعليةً لمئات الأكاديميين العرب من محاضرين وباحثين لا يجدون الإطار المناسب لاستيعاب كفاءاتهم العلمية، فيضطر بعضهم إلى الهجرة، وبعضهم الآخر إلى الاندماج في أماكن عمل دون مستوى هذه الكفاءات، فيما يجد من استطاعوا الوصول بشق الأنفس إلى الأكاديميا الإسرائيلية أنفسهم أمام فصل آخر من المعاناة، هي موضوع بحث د. محاجنة.

حول الكتاب وواقع معاناة المحاضرين العرب في الأكاديميا الإسرائيلية، كان هذا الحوار مع د. إبراهيم محاجنة، المحاضر في كلية بيت بيرل.

عرب 48: لنبدأ بالجانب الكمي من الموضوع، ما هو العدد الذي نتحدث عنه عند طرق موضوع المحاضرين العرب في الأكاديميا الإسرائيلية؟

محاجنة: لا تتوفر إحصائيّات رسمية محتلنة عن العدد والوظائف والاختصاصات، فتلك معلومات متوفرة لمجلس التعليم العالي، والأخير لسبب ما لا ينشر هذه المعطيات، ولكن في آخر معطى صدر عن هذا المجلس عام 2013، ورد أنّ المحاضرين العرب يشكلون 2% فقط من مجمل المحاضرين في الأكاديميا الإسرائيلية، في حين أوردت دراسة حول الموضوع، اعتمدت على أرقام صدرت في العام ذاته، أن عدد المحاضرين الكبار في الجامعات الإسرائيلية هو 4665 بينهم 4583 يهوديا و82 عربيًا يشكلون 1.75% فقط.

 

عرب 48: طبعا هذه النسبة القليلة تعكس صعوبة وصول الأكاديمي العربي إلى الأكاديميا الإسرائيلية، فإضافة إلى الطريق المرصوفة بالعقبات، فإن من ينجحون باجتيازه يعيشون هناك حالة من التهميش والحصار والاغتراب؟

محاجنة: الفكرة أنه من المفترض أن الأكاديميا هي المكان الوحيد الذي يكون فيه العربي مساويًا لليهودي، بل ومتفوقًا عليه بحكم  الموقع، أستاذ/ تلميذ، ولكن موازين القوى القائمة خارج أسوار الأكاديميا تخترق هذه الأسوار وتدفع بالأكاديمي العربي إلى زاوية مكانته الهشة والهامشية التي كانت خارج الأسوار، وتغدو بذلك ألقاب الدكتوراه أو المحاضر الكبير والبروفيسور لا تسمن ولا تغني من جوع أمام موازين القوى التي ترجح الانتماء القومي، عربيًا أم يهوديًا، على أيّة اعتبارات أخرى، هذا الانتماء يطغى على كافة نواحي الأكاديميا، سواء بالعلاقة مع الطلاب أو العلاقة مع الإدارة المهنية أو التنظيمية أو بالتعامل مع مجلس التعليم العالي.

اليوم، يقول المحاضرون العرب إنهم لا يريدون منحة الـ"معوف" (وهي المنحة التي يدفع من خلالها أجر المحاضر العربي لمدة ثلاث سنوات، حتى تقتنع الجامعة أنها تريد الاستمرار في تشغيله بشكل مباشر)، لأنها أضحت حاجزًا بينه وبين المنافسة الشريفة مع المحاضر اليهودي، وباتت تضعه مسبقًا في "نقطة بداية أقل" من زميله اليهودي، عوضًا عن تشجيع استيعاب المحاضر العربي. المحاضر العربي يقول دعونا ندخل المنافسة الشريفة التي تعتمد معايير أكاديمية واضحة وتقوم على التحصيل العلمي.

عرب 48: من الواضح أنّ المحاضرين العرب لا يذكرون في الجامعات الإسرائيلية من ناحية الأعداد، بل إنّهم يذكرون في كل جامعة وجامعة بالأسماء، هل الوضع في الكليات على هذا النحو أيضا؟

محاجنة: أولا يجب التمييز بين كليات تأهيل المعلمين، التي تمنح ألقابًا في التعليم فقط، وبين الكليات الأكاديمية التي تمنح ألقابًا أكاديمية، وتلك الكليات لا تتجاوز فيها أعداد ونسب العرب الأكاديميين العاملين فيها الأعداد والنسب القائمة في الجامعات بكثير، والحديث يدور عن العشرات، قد يتجاوزون المئة ولكن لا يصلون المئات.

لقد وصلت في إطار البحث إلى غالبيتهم العظمى وأجريت مقابلات معهم، بمعنى أنني لم أأخذ عينةً فقط، إنما اعتمدت على المجموعة كلها وسمعت وأسمعت صوتها، واستطيع القول إنها مجموعة تعاني في أكثر من مستوى، فالكثير منهم يرون الفجوة الكبيرة بين كفاءاتهم وتحصيلهم وبين واقعهم التشغيلي، إضافة إلى محاولات "طيّهم" واحتوائهم وتوظيف أبحاثهم وعملهم الأكاديمي في خدمة الأجندة الإسرائيلية، هذا ناهيك عن الحصار والرقابة الذي يقعون تحتهما.

عرب 48: ماذا تقصد بالرقابة؟

محاجنة: المصنع الاستعماري الكولونيالي الإسرائيلي لا يرحم أحدًا، نحن نقع تحت وطأة استعمار داخلي أو كولونيالية داخلية بتعبير أحد المحاضرين، فالمحاضر العربي تحت المجهر حتى إنّ السلطة داخل قاعة المحاضرة هي للطالب اليهودي وليس للمحاضر العربي، وهناك ما يمكن تسميته بـ"الشرطة المعرفية" من جماعة "إم ترتسو"، التي يراقب أفرادها ويسجلون ما يقول المحاضر العربي ولديهم قوائم سوداء، وإن كانت تلك حالات شاذّة، لأن المحاضر العربي يمارس على نفسه رقابة صارمة منعًا للوصول لهكذا وضع.

سامي مرعي
د. سامي مرعي

عرب 48: في السبعينيات والثمانينيات، عندما لم يكن لدينا مئات الأكاديميين، بل رائدٌ وحيدٌ هو د. سامي مرعي، رحمه الله، رفع مطلب إقامة جامعة عربية عاليا وعقدت اجتماعات وشكلت لجان أكاديمية وسياسية وغيرها، ماذا جرى ولماذا أسقط هذا المطلب عن بساط البحث؟

محاجنة: موقف إسرائيل من إقامة جامعة عربية بقي على حاله ولم يتغيّر، السؤال يتعلق بنا نحن، والذي تغير هو "الخميرة" فأكاديميونا على كثرتهم اليوم، هم ليسوا سامي مرعي، الذي إضافة إلى مصداقيته الأكاديمية، امتلك مشروعًا حارب من أجله، وعندما تحقق من أن إسرائيل لن تسمح بإقامة جامعة عربية، أقام مركز الأبحاث ودار الطفل العربي وغيرها من المؤسسات العاملة في تلك المجالات، لكن  مشروعه انقطع لأن الله توفاه في وقت مبكر، وقد ترك لنا هذا الإرث الذي ينتظر من يحمله ويسير فيه نحو الفعل.

وللتدليل فقط على مكانة سامي مرعي، يكفي أن نذكر أنه شكّل ندًا أكاديميا عربيا لسامي سموحة، في حين أن غالبية من جاءوا من بعده إما أنّهم انضووا تحت عباءة الأخير، أو فشلوا في تشكيل قطب وازن لمدرسته.

أنا مع فيصل عزازة ضد المؤسسة الإسرائيليّة، ومع أسعد غانم ضد المؤسسة الإسرائيلية، ولكن "الخميرة" التي يتشكل منها "روّاد" اليوم، الذين يفترض بهم القيام بهذا الدور، مثل راسم خمايسي وأسعد غانم وفيصل عزايزة وعليان القريناوي ومحمد حاج يحيى وغيرهم، هي ليست نفس خميرة سامي مرعي، وحتى رمزي سليمان ويوسف جبران ليسا من نفس الخميرة.

عرب 48: ماذا تقصد بالخميرة المختلفة؟

محاجنة: أقصد أننا لا نطاولهم، فالجيل الذي كان سامي مرعي أبرز رواده، إضافة إلى أنّه لا غبار على قدراتهم الأكاديمية، فقد كانوا ضد المؤسسة وعلى استعداد للوقوف على خط الصدام المباشر معها، وقد سمحوا لأنفسهم طرح أسئلة لا نجرؤ نحن على طرحها، علما بأنّنا نتحدث عن فترة غداة الحكم العسكري. لقد كان لديهم مشروع حياة أو موت، وقد مات سامي مرعي "قصير عمر" ولم يخفض قامته للحصول على لقب بروفيسور.

عرب 48: إذا كنا نحن نخاف إلى هذه الدرجة من طرح مشروع الجامعة العربية، فإنّ هذا المشروع، بدون شك، يخيف إسرائيل، لماذا؟

محاجنة: إسرائيل تخاف من كل فكرة "الأوتونوميا" ولا تريد إعطاء أي شرعية للهوية الجمعية، وهي تعرف أكثر من غيرها أهمية ودور الجامعة في تشكيل تلك الهوية وكيانها السياسي، ابتداءً من تأسيس الجامعة العبرية، وانتهاءً بتأسيس جامعة مستوطنة أرئيل.

فكرة أن تكون لدى الفلسطينيين في الداخل مؤسسات مستقلة مرفوضة لديهم، فما بالك إذا ترافقت مع الخط الوطني، فهم يرفضون أن تكون عربيا وليس عربيا فلسطينيا فقط، بل يريدوننا عربا إسرائيليين، لأن إحدى القضايا التي نعاني منها كأكاديميين هي انفصالنا عن العالم العربي، وعندما تقوم جامعة عربية ستحتاج لتصميم مساقات وكورسات باللغة العربية، وسيتعزّز تواصلنا مع اللغة العربية وتواصلنا مع العالم العربي، الأمر الذي سيؤدي، بالضرورة، إلى إضعاف الهوية الإسرائيلية، وهو ما تخشاه إسرائيل.


د. إبراهيم فريد محاجنة: محاضر كبير في المعهد الأكاديمي العربي للتربية- بيت بيرل، حاز على الألقاب الثلاثة في الخدمة الاجتماعية بدرجة الامتياز من الجامعة العبرية في القدس. وحصل على البوست دكتوراه من جامعه تل أبيب. تركزت أبحاثه في الفترة الأخيرة على أربعة محاور مركزية: تعاطي المجتمع العربي في إسرائيل مع الفقر؛ المحاضر العربي داخل الأكاديميا الإسرائيلية؛ تطور الخدمات الاجتماعية في الداخل الفلسطيني منذ الانتداب البريطاني إلى الآن؛ وتوطين مهنه الخدمة الاجتماعية في الداخل الفلسطيني.