في أجواء يوم الأرض؛ د.بشير: الغربة أكثر ما يتهددنا

في أجواء يوم الأرض؛ د.بشير: الغربة أكثر ما يتهددنا

في أجواء يوم الأرض الثالث والأربعين، وفي ظل تغول السلطات الإسرائيلية والإمعان بسياسات الإقصاء وتعميق حالة التهميش وحالة التدمير المجتمعي، اعتبر الباحث السخنيني د. نبيه بشير أن أمام هذه الوضعية المتفاقمة يجب تغيير أساليب وأدوات العمل بما يتناسب مع حجم التحديات.

وفي حديثه مع عرب 48، قال د. بشير "تمر علينا الذكرى الـ 43 ليوم الأرض ونحن في أصعب الأجواء والظروف المحلية والإقليمية والدولية. ظروف من القتل والإجرام بالجملة من المحيط إلى المحيط. رؤساء يتفنّنون في قتل أفضل ما في شعوبهم، ويهدمون كل بقعة خضراء في بلدانهم. أما محليًا، فإننا أمام سلطة غائلة وفاشية، عازمة أكثر فأكثر على تفريغنا من أي مضمون حضاري وثقافي واجتماعي وسياسي، وساعية أكثر من أي وقت مضى إلى قضم أسس حياتنا المادية والمعنوية لتؤدي بنا في النهاية إلى الخضوع لبطشها والانصياع لقوانينها، والاستسلام لحدود الغيتوات التي تفرضها علينا".

وأضاف أنه يستذكر في هذه الأيام الأجواء التي كانت تنشط فيها اللجان والأطر الشعبية والحزبية، والفعاليات التي كانت تنظم طيلة شهر آذار/ مارس من كل عام، بهدف التعبئة وشحذ الهمم والمعنويات والخواطر، أهمها النشاطات الثقافية وأيام العمل التطوّعي.

وتابعت أن هذه النشاطات، على تواضعها وبساطتها "كانت تمدّنا بمشاعر الانتماء لحاراتنا وبلداتنا ومجتمعاتنا وتعزّز علاقات بعضنا ببعض. فقد كانت تسعى جميع هذه النشاطات إلى تشكيل "نقطة أرخميدس" يتلخّص فيها طرحنا السياسي المركزي بأننا نحن أصحاب البلاد، نحن البقية الباقية من سكان البلاد الفلسطينيّين، ننتمي إلى هذه البلاد بتضاريسها وسكانها بتاريخها وحضارتها، ننتمي إلى أمة عظيمة لها تاريخ وموروث غني يمتد لآلاف السنين. كانت هذه النشاطات تمدّنا بمشاعر الوحدة والتصميم على مواجهة المخطّطات الخبيثة التي ترسم لنا ليل نهار. كان شعورنا بالانتماء أقوى من أن تتغلّب عليه أي سلطة وأي قيادة محلية أو قطرية".

وشدد بشير على أن الهمّ الجامع والقضايا والإشكاليات المشتركة  توحد وتجمع في وحدة المصير في ظل جملة من الأهداف الواضحة. مضيفا "أنَّ أسمى وأكرم ما فينا تجلّى في مسيرات يوم الأرض، وفي النشاطات ما قبل وما بعد المسيرة. بطبيعة الحال، تتجلّى أسمى وأنبل ما لدى أي شعب لحظة ثورته وانتفاضته لأنها لحظة ثورية بامتياز، كما تتجلّى أخسّ ما في الشعب والمجتمع عند الانقلاب على هذه اللحظة وعلى كل ما تمثّله أيضًا، كما شهدنا في ثورات الربيع العربي مؤخرًا. فقد كانت قوة هذه النشاطات تكمن في أصالة وسذاجة وبراءة أهدافها والمشاركين فيها".

وتابع "صحيح أن مسألة الأرض والمسكن أضحت قنبلة مؤقتة لا بد أن تنفجر في أي وقت، تنفجر بوجهنا نحن وبوجه كافة السلطات جميعها. ولا تغفل السلطة الإسرائيلية عن هذا الخطر المحدق، بل هي على دراية كبيرة به، ولكنها ليست على استعداد للتعامل معه بكل أبعاده، بل تتكرّم علينا بين الحين والآخر بفتات ومسكّنات، ولهذا تقترح علينا بين الفينة والفينة بعض المقترحات المستوردة من إرث يهود أوروبا: غيتوات توفّر لنا المأوى للمبيت، كمخطط طنطور المطروح حاليًا. وبهذا تحاول السلطة جاهدة لتحويلنا لصورة طبق الأصل عن يهود المنفى، يهود الغيتو، بالمذلّة التي تأصلّت فيهم وبمشاعر الغربة التي توطنّت في قلوبهم وبغياب الانتماء لأي بعد إنساني، مكاني وزماني، في كينونتهم. ولكن، تبقى مشاعر الغربة هي أخطر ما يتهدّدنا كمجتمع وكأفراد، إذ أنَّ من شأن مثل هذه المشاعر أن تهدم أكبر وأقوى المجتمعات والدول".

وبحسبه، فإن مشاعر الغربة هذه هي أهم مصدر للعنف والفوضى والآفات الاجتماعية والثقافية المنتشرة في البلدات العربية.

وقال "تغفل أو تتغافل هذه السلطة، والعديد من قياداتنا، عن أننا لسنا بحاجة إلى مآوٍ نحتمي ونقيم فيه، بل ما يعوزنا هو وطن يجمعنا، وطن نحيا في ظلّه بكرامة وحرية، تنمو وتزدهر فيه هويتنا مع امتداداتها التاريخية والحضارية، ماضيها وسهولها وجبالها وسكانها وموروثاتها اللغوية والمعنوية والمادية، وتتعزّز فيه مشاعر انتمائنا بالبلاد وبمحيطه. لا يمكن لأي سلطة إسرائيلية أن توفّر لنا مثل هذا الوطن، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا بد لنا نحن أن نشكّله ونبنيه بأنفسنا، أن نتصوّره في أوهامنا ونغرسه في ضمائرنا عبر نشاطات تربوية وثقافية دائمة ومستمرة، لا موسمية كما هو الحال في الوقت الراهن".

وختم القول إنه من أجل تعزيز هذا التوجّه، لا بد أن يأخذ جيل الشباب موقعه، أن يأخذ زمام المبادرة، أن يطرح الأدوات والوسائل والغايات، للتعبير عن نفسه وعن أحلامه بأدواته هو، أن يبادر إلى بناء تصوّر مستقبلي لنفسه، في مقابل مراجعتنا كقيادات محلية وقطرية تصوّراتنا والأدوات المعتمدة حتى الآن وفحص مدى ملاءمتها للظرف التاريخي الحالي.