"من ورشة البناء إلى خيمة العزاء"

"من ورشة البناء إلى خيمة العزاء"
(توضيحية)

19 عاملا لقوا مصارعهم، في أماكن عملهم خلال أقل من ثلاثة أشهر، خلال الربع الأول من العام 2019. أكثر من نصف الضحايا (10 منهم) لقوا حتفهم في ورشات البناء، غالبيتهم الساحقة سقطوا من أماكن مرتفعة، ما يعني أن مخاطر العمل في مجال البناء تعادل سائر المجالات الأخرى، الصناعية والتجارية والزراعة مجتمعة معا، وأن المسبب الرئيس لهذه الحوادث هو السقوط من علو. هذا ما تشير إليه المعطيات الصادرة عن وزارة العمل مؤخرا.

ناصر أمين بصول من الرينة

"كلما كنت أسمع عن حادث سقوط عامل من ارتفاع - وهي كثيرة - كنت أوصي ابني أمين، بضرورة توخي الحذر والالتزام بقواعد الأمان، وكان يستمع إلى توجيهاتي هذه من باب واجب الاستماع لملاحظات الأب، لكنه لم يكن يتوقع على الإطلاق أن ذلك يمكن أن يحدث معه أيضا!"؛ بهذه الكلمات تحدث الأب الثاكل، ناصر أمين بصول من الرينة، وهو واحد من أربعة آباء فجعوا هذا الأسبوع ببلاغات نزلت على مسامعهم كالصاعقة حين تلقوا نبأ مصرع أبنائهم في حوادث أليمة وقعت في مواقع العمل.

مستوطنة حريش.. لليهود فقط

باكرا وكعادتهما، خرج الصديقان أمين ناصر بصول (22 عاما) وضامن جول طاطور (23 عاما) من بيتيهما اللذين تفصل بنهما لا تتعدى الـ500 متر، في الرينة القديمة، إلى مكان عملهما في مستوطنة "حريش" بمنطقة وادي عارة، وهي مستوطنة لا يسكنها إلا اليهود، وسياسيا يراد لها أن تحدث توازنا ديمغرافيًا بين العرب واليهود في منطقة وادي عارة المصبوغة بالهوية العربية الفلسطينية.

عاشا معا وتوفيا معا

"علاقة صداقة مميزة كانت تربط بين أمين بصول وضامن طاطور، منذ أيام الدراسة، واستمرت العلاقة إلى ما بعد الدراسة، وكانا يخرجان معا، ويقضيان معظم وقتهما معا وأراد لهما القدر أن يلقيا ربهما معا"... يقول الوالد الثاكل ناصر بصول، لـ"عرب 48"، معبر عن إيمانه "حق الإيمان بأنه إذا وقع القدر لن يفيد الحذر، وأن العمر بيد الله وهو الذي أعطى وهو الذي أخذ".

كان ناصر بصول يزاول عمله في مجال البناء في المجمع التجاري "مول هاريم" في نتسيرت عيليت، يوم الأحد الماضي، حين تلقى اتصالا مفاجئا من جول طاطور، والد المرحوم ضامن طاطور، يبلغه فيه أن أمين وضامن تعرضا لحادث عمل، وأنهما بخير وقد نقلا إلى مستشفى "هيلل يافي" في الخضيرة، وأنه (أي جول) في الطريق إلى المستشفى.

جمع ناصر بصول معداته وأدوات عمله وغادر مكان عمله عائدا إلى بيته في الرينة، ويقول ناصر لـ"عرب 48" إنه "في تلك الأثناء كانت شقيقة المرحوم ضامن، تتحدث مع ابنتي مرح فهما صديقتان في التعليم، وأبلغتها بأن ضامن قد توفي"! وتابع ناصر "في الواقع كانت صدمة مؤلمة بالنسبة لنا، وبدأت في تلك اللحظة أتوقع نفس المصير لابني أمين. وصرت أسأل نفسي لقد كانا يعملان الواحد بجوار الآخر، وقد سقطا من نفس المكان ومن نفس الارتفاع فأية نتيجة أخرى يمكن ان أتوقعها! وبعد ثلاث ساعات لفظ أمين أنفاسه الأخيرة ولحق بصديقه ضامن.

وعلى الرغم من حزنه العميق وإيمانه الأعمق بالقضاء والقدر إلا أنه لا يكف عن حثّ العمال وخاصة الشباب منهم على ألا يغامروا وألا يخاطروا بأنفسهم، بل عليهم أن يرفضوا العمل حيث لا تتوفر وسائل الأمان كاملة، وأن يلتزموا بالتعليمات وتوصيات وزارة العمل.

وتابع "عليهم ألا يعوّلوا على زيارة مراقبي أو مفتشي وزارة العمل، الذين لا يتعدى عددهم الـ20 مراقبا ويشرفون على أكثر من 30 ألف ورشة بناء في البلاد، ليفرض عليهم التقيد بوسائل الأمان... عليكم بأنفسكم، عودوا إلى بيوتكم من حيث لا تتوفر وسائل الوقاية والأمان، خير لكم من أن تعودوا بفاجعة إلى أهاليكم".

بحسرة يقول بصول: "قطعت أحلام المرحومين أمين وضامن. فقد كانت طموحاتهما كبيرة، وكان ينتظرهما مستقبل زاهر... كانا يعملان من أجل تحقيق أحلامهما بالنجاح في حياتهما العملية والأسريّة، لكن كل شيء تبدد بطرفة عين".

لا يلقي ناصر بصول باللائمة على أحد، ولا يحمّل المسؤولية لأي إنسان، بل يؤمن بالقضاء، ويثني على كل الذين قدموا واجب العزاء للعائلتين بالمصاب الأليم. ويقول: "كثرة المعزين جعلتني أشعر بأن ضامن وأمين هما أبناء المجتمع العربي بأكمله، أنا مدين بالشكر للنواب العرب وللمشايخ الأفاضل، وأدعوهم إلى نشر الوعي والتحدث عن حوادث العمل في كل محفل وكل مناسبة".

وقال بصول إنه عاتب فقط على الذين قاموا بتصوير الحدث لحظة وقوعه، وعلى الذين سرقوا الهاتفين المحمولين الخاصين بالمرحومين ضامن وأمين. وناشد الذين قاموا بهذا العمل تحكيم ضمائرهم وإعادة الهاتفين إلى الأهل.

5 ضحايا في أسبوع واحد

يذكر أن اليوم الذي شهد مصرع الشابين أمين بصول وضامن طاطور، لقي فيهأيضا العامل يوسف فهد غنيمات، في الثلاثينيات من عمره، من قضاء الخليل، مصرعه في حادث عمل وقع داخل مصنع بمنطقة النقب جنوبي البلاد. وكان قد سبقهما بيومين مصرع الشاب إبراهيم نسيم عبدو (19 عاما) من مدينة الناصرة، الذي لقي مصرعه في ظروف مماثلة، حين سقط من ارتفاع ثلاثة طوابق من سطح بناية في تل أبيب، أثناء عمله في المكيفات الهوائية، وقد وقع الحادث في اليوم الأول من عمله في هذا المجال. وبعد يوم واحد من مصرع ضامن وأمين لقي عامل أجنبي (أربعيني) مصرعه في ورشة مجاورة في مستوطنة "حريش" نتيجة سقوطه من علو.

المحامية غدير نقولا: مماطلة قاتلة وانهيار شامل لمنظومة الردع

وفي حديث لموقع "عرب 48" مع المحامية غدير نقولا، من جمعية "عنوان العامل"، قالت إن عمال البناء يستطيعون تحمل المسؤولية عن أنفسهم، ورفض العمل في مكان لا تتوفر فيه سبل الأمان، ويشكل خطرا على حياتهم، وإنه في حال اتخاذ أي إجراء ضد العامل أو فصله من العمل، وثبت أن الفصل جاء نتيجة رفضه العمل في مكان غير آمن، فإن القانون يقف إلى جانب العامل في هذه الحالة، ويعيده إلى عمله.

وانتقد المحامية نقولا سياسة الوزارات في عدم قيامها بتطبيق وتنفيذ قراراتها بهذا الخصوص، مشيرة إلى قرار تعيين 60 مراقبا في ورشات البناء، وهو قرار كان ينبغي أن يخرج إلى حيز التنفيذ مطلع العام الجاري، وقد تم الإعلان عن هذه الملكات ونشرت مناقصات بشأنها إلا أن أيًا من هؤلاء المراقبين لم يتم استيعابه للعمل حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

الوزارة لا تنفذ قراراتها

وتابعت المحامية نقولا قائلة إن "واحدة من الإشكاليات الأساسية التي ترافقنا في التعامل مع كل الوزارات، هي المماطلة القاتلة في تنفيذ قرارات اتخذتها هي!! قرار زيادة عدد المراقبين خطوة مهمة لكنها غير كافية إزاء الفشل الموجود على كافة الأصعدة في معالجة قضية حوادث البناء".

وتطرقت إلى إشكالية التحقيق في حوادث العمل، وأوضحت أن "80% من الحوادث التي يتم فيها استدعاء الشرطة، لا يتم فتح ملف جنائي فيها. أما تلك التي يتم فتح ملف فيها – وهي قليلة جدا – فإنها تغلق لاحقا لعدم توفر الأدلة الكافية. أما تلك التي تقدم إلى المحاكم فيستغرق مسارها القضائي ما بين 4 – 6 سنوات".

واستطردت نقولا "التهم التي توجه في هذه القضايا هي التسبب بالموت عن طريق الإهمال، والعقوبة القصوى لمثل هذه التهم لا تتعدى 3 سنوات سجن، ومعظمها تنتهي بالعمل لمصلحة الجمهور، ودفع مبلغ لا يزيد عن 7 آلاف شيكل وهي قيمة حياة العامل! أي أن الموضوع كله مسخرة"، على حد تعبيرها.

وأضافت أن فشل هذه المنظومة بالكامل يجعل المقاول يستنتج بأنه "من الأجدى له اقتصاديا أن لا يستثمر في مجال الأمن والأمان، إذا كانت حياة العامل لا تكلفه سوى بضعة آلاف من الشواكل. وإذا كانت هنالك دعوى مدنية وتعويضات فإنه لا يدفع سوى رسوم الاشتراك في التأمين".   

وذكرت أن هذا العام شهد لأول مرة، سحب رخصة مقاول من قبل مسجل المقاولين، وهو أمر لم يكن دارجا في الماضي.

النقابات العمالية تستيقظ

وانتقدت نقولا دور النقابات العمالية التي قالت إنها لا تملك القدرة على التأثير، وقد ثبت ذلك من خلال تحقيق بعض الإنجازات حين لوحت نقابة العمال "الهستدروت" بالإضراب الشامل احتجاجا على كثرة حوادث العمل قبل بضعة أسابيع، وكانت تلك المرة الأولى التي تتخذ فيها هذه المؤسسة موقفا مساندا للعمال وقالت: "نحن في مرحلة الوعود لكن التنفيذ على ما يبدو ما زال بعيدا".

وعن وحدة التحقيق المشتركة بين الشرطة ووزارة العمل فإن الوحدة قد تشكلت بالفعل لكنها لم تقم بالتحقيق في أي من حوادث العمل، ولفتت نقولا إلى أن دور هذه الوحدة سيقتصر على ما يبدو على التحقيق في حوادث انهيار منشآت كبرى وليس في سقوط عامل هنا أو هناك!