يافا: العنصرية وأزمة السكن تدفعان الشباب للهجرة

يافا: العنصرية وأزمة السكن تدفعان الشباب للهجرة
يافا، نيسان 2019 (تصوير "عرب 48")

تسيطر مشاعر الحزن والغضب على الشاب كمال حنيف (32 عاما) من سكان يافا، حين يستذكر ذكريات طفولته التي عاشها في مدينته، بعد أن أجبرته أزمة السكن  على ترك يافا واللجوء للعيش في بلدة مجاورة.

وقال حنيف لـ"عرب 48":"لم أتوقع يوما أن أكون بعيدا عن يافا، هذا الشارع (ييفت) وهذه العتبة هنا أمام بيتي تروي الكثير من الذكريات".

أزمة السكن...

تشكل أزمة السكن في يافا المعضلة الكبرى أمام شريحة الشباب في المدينة في الآونة الأخيرة، فمع مرور الأيام والغلاء المعيشي ترتفع أسعار الشقق السكنية والدفعات مقابل استئجار الشقق بمبالغ طائلة ما يمنع الكثير من الشباب العرب من الحصول على شقة أو استئجارها للسكن.

يتراوح سعر الشقة السكنية في مدينة يافا بين 2 مليون و2.5 مليون شيكل، ويبلغ سعر قسيمة الأرض بمساحة 700 متر مربع نحو 15 مليون شيكل، ويتراوح سعر استئجار شقة بين 4,500 و5,500 شيكل.

يشير المواطنون والمسؤولون العرب في يافا إلى أن أزمة السكن بدأتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بمخططات عنصرية، إضافة إلى التمييز الممنهج ضد المواطنين العرب، إذ ترفض غالبية أصحاب العقارات اليهود بيع شقق أو تأجيرها للعرب.

وفي الوقت ذاته، يحمّل المواطنون العرب أصحاب العقارات العرب في يافا المسؤولية أيضا، وقالوا إنهم لا يراعون ظروف المواطن العربي في يافا ولا يعطونه امتيازات خاصة بخفض الأسعار لحل أزمته.

وقال صاحب مكتب لتسويق وبيع العقارات في يافا، نضال مشهراوي، لـ"عرب 48" إن "أزمة السكن تحولت إلى مشكلة قطرية في مجتمعنا، وهي ليست محصورة في يافا فحسب، بل في كافة البلدات المختلطة أيضا، أما يافا فأخذت منحى مميزا لأنها تحمل الهوية العربية الفلسطينية بداخلها من خلال تراثها وتاريخها وإرثها الكبير، والحكومة الإسرائيلية تريد أن تستولي على كل هذا التراث العربي لأجل أن تهوّده لصالحها ولديها مطامع كثيرة في يافا، تاريخية اقتصادية واجتماعية".

وأضاف أن "أكثر ناس الذين استولوا على عقارات مدينة يافا هم ممن يطلقون على أنفسهم دعاة السلام، أو اليسار، نهبوا ثروات البلد تحت مسمى العيش المشترك، والأدهى من ذلك من يصدقهم. هذا مخطط مبرمج، لأنهم في المقابل لا يبيعون ولا يؤجرون للعرب".

نضال مشهراوي

وأشار مشهراوي إلى أنهم "يشترون العقارات من العرب، أو من الدولة والتي هي بالأصل أرض عربية، ومن ثم يرفضون أن يبيعوا للعرب أو يؤجروهم. يجب علينا أن نصحو ونتنبه لهذه الظاهرة. نحن لسنا عنصريين، لكن في الوقت ذاته نحن لسنا سُذجا، أبيع لليهودي واليهودي يرفض أن يبيعني، هذا أمر غير مقبول".

وأوضح أن "هناك مخططات ليافا ينفذونها بكامل تفاصيلها. يريدون أن يرحلونا من هنا، من خلال أزمة السكن والإغراء بالأموال، يدفعون أسعارا مضاعفة لإخراج العرب، وأنا هنا أتساءل، أين النخوة والحرقة على التراث العربي وعلى بلدك أيها اليافي والعربي؟".

وروى مشهراوي بعض مشاكل الناس التي تواجهه، "أول الأبواب مع الأسف الشديد تطرق بوجه المواطن اليافي هي الأبواب العربية قبل أبواب اليهود، وهذا مؤلم جدا. نحن نتعامل مع بعضنا البعض كما يتعاملون معنا، وبهذا نحن نتسبب باشتداد أزمة السكن. نرفض مراعاة أوضاع الشباب العرب وتخفيض الأسعار لهم، ولكن الحياة تدور ومن رفض أن يسهّل الأمور على ابن بلده لن يلقى اليد التي تمتد لمساعدته مستقبلا".

وتطرق إلى شعور السكان في يافا، وقال إن "أهالي يافا محبطون. في الماضي كنا نبيع بحرية لغير العرب، لكن عندما بدأنا نصادف العنصرية تجاهنا وكيف باتوا يمتنعون عن بيعنا بيوتهم وتأجيرها لنا، وهذا شهدناه أمامنا وعلى أجسادنا كلنا، تبلورت لدي الفكرة بإقامة مشروع يخدم أهالي يافا، فقد حان الوقت، وأنا أول شخص مستعد أن أضحي علّنا نعي الخطورة التي نعيشها في يافا".

وأكد أن "الخوف لدى الناس هو الذي يؤخرنا، كن مع الله ولا تبالي، نحن لا نريد أن نقتل ولا نخرب، إنما نطالب بحقوقنا الأساسية هنا. نريد أن نعيش وأولادنا بكرامة. يدخل الكثير من الناس إلى المكتب وخصوصا النساء، الكل يتذمر ويبكي أحيانا، لا يوجد لهم مأوى في هذه المدينة، وماذا باستطاعتي أن أعمل؟ يجب أن نتوحد ونوّحد قلوبنا أولا قبل أيدينا".

وعن الحلول، قال مشهراوي إنه "يجب أولا على البائع العربي ابن يافا أن يهدئ من روعه في البيع، وألا يجلد ابن بلده من أجل فتات المال، وأن يعي خطورة الوضع وحساسيته، وألا يبيع ابن بلده من أجل أن يشتري له عقارا في تركيا أو الضفة. للأسف النخب في البلد لا تدعم هذا المجال. لن نبيع لليهود لطالما لا يبيعوننا، وسوف استمر بترديدها في كل محفل".

للأغنياء فقط...

وقال الشاب كمال حنيف من يافا لـ"عرب 48": "استأجرت بيتا في اللد بسبب سعره المنخفض مقارنة مع الأسعار في يافا العالية جدا. في يافا على سبيل المثال سعر استئجار شقة سكنية يتراوح بين 5,000 و5,500 شيكل، وفي اللد 2,300 شيكل فقط".

كمال حنيف

ورجّح أن "سبب ارتفاع الأسعار في يافا يعود إلى الأهالي في يافا الذي يرفضون البيع بأسعار مقبولة للعرب، أما لليهود فيبيعون لأنهم يدفعون أكثر، ولا يخفى على أحد الفرق المعيشي بيننا وبينهم".

وأضاف حنيف: "6 سنوات وأنا خارج يافا. لم يدر في مخيلتي أبدا أن ابتعد عنها، أنا بالذات الذي بنيت هنا ذكرياتي وأحلامي في هذا الشارع ومع جيراني إذ عشنا سوية بذكريات مختلطة. بيتي هنا في شارع يسكنه أهلي، لكنني أردت أن أستقر في بيت لوحدي مع زوجتي وأولادي".

وأشار إلى أن "الشاب الذي يريد أن يتزوج ويبني مستقبلا في يافا لا يوجد له أي محل هنا. حين أتوجه إلى السوق في اللد والرملة ألتقي الكثير من شباب يافا الذي هاجروا مثلي، أشعر وكأنني في يافا، وهذا أمر مؤلم كيف اضطر كثير من الشباب إلى الهجرة من يافا".

وختم حنيف بالقول: "لماذا كل هذا؟ ومن أجل من؟ هل يافا للبيع وللمتاجرة؟ حسب رأيي لا يوجد حل لهذه الأزمة. ماذا عسانا أن نفعل وكيف يمكننا أن نغيّر أو نؤثر؟ يبدو أن الحياة في يافا أصبحت للأغنياء فقط".