الرملة: أحياء عربية منكوبة بالتهميش والعنف والجريمة

الرملة: أحياء عربية منكوبة بالتهميش والعنف والجريمة
الرملة، حزيران 2019 (تصوير "عرب 48")

تعاني أحياء عربية في مدينة الرملة من التهميش والتمييز من قبل السلطات الإسرائيلية، بينها حي الزقازيق الذي يضم عشرات المباني الأثرية القديمة أبرزها مسجد الصحابي حذيفة بن اليمان.

ويرى ناشطون سياسيون في الرملة علاقة وطيدة وصلة مباشرة بين سياسة التهميش المتعمد وازدياد العنف والجريمة بين العرب بالمدينة، فلم يعد النسيج الاجتماعي قويا كما كان، وكذا الاقتصاد والثقافة وغيرها، فقد تبدلت الأحوال وتغيرت السنين والأيام.

ولا نبالغ حين نقول، اليوم، إن الموت يسير بالطرقات، والدماء تجوب الشوارع، والحزن يخيّم على البيوت، فأزمات السكن والتهميش والإقصاء وهدم المنازل والعنف والجريمة مرحب بها بالرملة ما دام ضحاياها من العرب.

لم يبدُ الأمر غريبا على كل من يعيش الواقع داخل المجتمع العربي، وخصوصا بالرملة التي تشهد جرائم قتل وأحداث عنف دامية في الفترة الأخيرة، فقد بات هذا الوقع المرير يلازم غالبية البلدات العربية، والشعور بالخوف والرعب في كل مكان.

جرائم القتل

قُتل في مدينة الرملة منذ مطلع العام الجاري 2019 ولغاية اليوم، 3 أشخاص هم: انتصار عيسوي (48 عاما) بتاريخ 25.05.2019، غابي سهواني (49 عاما) بتاريخ 08.06.2019، ذياب أبو هزاز (23 عاما) بتاريخ 24.03.2019، في جرائم إطلاق نار، كما قُتل في الرملة أيضا كل من شادية مصراتي بتاريخ 27.12.2018 وعبدو شمشوم بتاريخ 22.12.2019 وخليل أبو غانم بتاريخ 19.11.2018 وأكرم أبو عامر بتاريخ 17.05.2018.

تضييق وتهميش

وتأن المدن المختلطة في البلاد وخصوصا اللد والرملة ويافا بفعل سياسة التضييق والتهميش أكثر من غيرها، ولا تقف الأمور عند عنفٍ مستشرٍ وجريمة متفشية، فأزمات السكن والبطالة والفقر لا تقل فتكا عن العنف والجريمة فيها، فضلا عن مخططات السلطات لدفع العرب إلى تركها من أجل التهويد.

انعدام المقومات الأساسية

يعيش في مدينة الرملة 81,000 ألف مواطن، يشكل العرب نسبة 24% فقط 20% بينهم مسلمون، و4% مسيحيون. وتوجد في مدينة الرملة مدارس أهلية فضلا عن الرسمية.

ونشير إلى أنه في الجانب السياسي فقد حصد الأعضاء العرب في الانتخابات الأخيرة أربعة مقاعد من أصل 19 مقعدا، ضمن ثلاث قوائم، هي التقدم المساواة، القائمة المشتركة التي ضمت التجمع والإسلامية والعربية للتغيير، وقائمة الوحدة من أجل الرملة.

غسان منيّر

وقال الناشط السياسي وسكرتير التجمع في الرملة، غسان منيّر، لـ"عرب 48" إن "الرملة تعاني من مشكلتين أساسيتين، الأولى قضية الأحياء المهمشة من أعوام وهي تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، والثانية تفشي العنف والجريمة المنظمة".

وأضاف أن "العنف ليس فقط جرائم القتل. هنالك تعنيف لنساء وأطفال، ضرب وإصابات وطعن، تفحيط سيارات وعربدة وخاوة، وكل هذه الأعمال عنف يسبق جرائم القتل".

وأشار منيّر إلى أن "هناك علاقة وطيدة بين الفقر والعنف في دول عادية، كالبرازيل والمكسيك على سبيل المثال، أينما تتواجد أحياء فقيرة هناك جريمة، لكن هنا الأمر مختلف تماما، نحن نصادف أشخاصا ارتكبوا جرائم قتل أو يمتلكون سلاحا أو قتلوا وكانوا يحملون ألقابا تعليمية ومن عائلات متعلمة وقوية اقتصاديا. وضعنا مشوه فالجريمة متجذرة في شريحة كبيرة من الناس في الرملة ولديها قابلية للعنف".

وأوضح أن "الأجواء حاضنة للعنف، والمشكلة الأكبر أن السلاح متوفر بكثرة، ونتائجه جرائم القتل. لو لم يتوفر السلاح لكان الأمر أقل حدة من اليوم، وهنا يطرح السؤال، من أين هذا السلاح الناري؟ هل لدينا شركات استيراد أسلحة أو مصانع؟ كل هذه الأسلحة تأتي من الجيش، وهناك علاقة مباشرة بين الجريمة وبين من يريد تفشي الجريمة وهي الشرطة، هناك علاقة قوية بين عدم ضبط المجرمين وانتشار السلاح أيضا. أريد أن أعطي مثالا هاما عن أمر سمعته خلال جنازة المرحوم غابي سهواني، قبل أيام، فقد أمسك بيدي شابا لا أعرفه وقال لي بالحرف الواحد، 'أريد أن أجمع أغراضي وعائلتي وأرحل من هنا'. هذه الكلمات توحي لي بنجاح المخطط الإسرائيلي إزاء مجتمعنا العربي".

وختم منيّر بالقول إنه "يجب أن يكون تأثيرنا على السلطات وأجهزتها الأمنية أكبر، ولكن يجب أن ننظر إلى علاج مجتمعنا وما يجري فيه، وأن نكثف عملنا بين الأطفال وطلاب المدارس، وأن نطور برنامج عمل منظم مع إستراتيجية لمناهضة العنف بين بعضنا البعض. علينا أن نخوّن حامل السلاح ومن يعمل بالجريمة، كما انه علينا العمل في شتى مناحي الحياة لنشر الوعي والتحذير من خطورة هذا الطريق المظلم".

وجود وهوية

وقال عضو اللجنة الشعبية وقائمة الوحدة العربية، إبراهيم بدوية، لـ"عرب 48" إنه "هناك إشكالية كبيرة في قضايا الأرض والمسكن والأحياء العربية المهمشة. كان هناك محاولات لإقامة جمعية للتصدي لمحاولات الهدم والإخلاء، لكن دون جدوى لآن هذه الأمور تحتاج إلى قوى أكبر من أجل التصدي لآلة الهدم".

إبراهيم بدوية

وأوضح أن "ظروف المدن الساحلية تختلف عن باقي البلدات العربية، ففي المدن الساحلية كاللد والرملة ويافا تدير أملاك الغائبين شركة إسرائيلية اسمها 'عميدار' نعتبرها السوط الذي يُجلد به أهلنا في الرملة، ومن يسكن في هذه البيوت التي تتبع للشركة هم من العائلات محدودة الدخل. هذه قضية حارقة لها تبعات كثيرة وخصوصا لجوء الشباب إلى العنف والجريمة".

وأضاف بدوية: "لو ان هذه البيوت أدخلت ضمن مشروع الحفاظ على الإرث والموروث لكان ثمنها أموالا طائلة، لكن للأسف كما رأيت البيوت هنا في حي الزقازيق متهالكة ومهمشة، ولحسن الحظ أنه تم ترميم الشارع في الفترة الأخيرة وإلا لكانت المياه غمرت الحي كما في كل عام".

وأشار إلى أن "حوالي 1600 منزل بالرملة صدر ضدها أوامر هدم أو إخلاء، وتُجرى حاليا محادثات مع السلطات لضم قسيمة أرض للمسطح حتى يتسنى لعدد من العائلات العربية بناء مساكن عليها، وللأسف فإن الناس لا تتجاوب وتشتري قسائم الأراضي المخصصة للبيع، وما نخشاه أن تُلغى المناقصة أو يحدث مواجهة مع السلطات في المنطقة المذكورة".

ورأى عضو اللجنة الشعبية بالرملة أنه "يجب علينا أن نغير من تفكيرنا، وألا ننجر وراء المخطط الإسرائيلي الذي يدار وفق سياسة العصا والجزرة. علينا أن نطور أنفسنا وتفكيرنا ونهجنا وأن نزدهر ونغير من طريقة نضالنا ونجدد الآليات".

وعن استشراء العنف والجريمة قال إنه "لا شك أن عادات غريبة غزت مجتمعنا في الفترة الأخيرة، وأصابع الاتهام بالبداية توجه للشرطة وسياستها تجاه المجتمع العربي. الأسلحة منتشرة والشرطة لا تبالي، وجهاز القضاء متخاذل أيضا. عقاب جريمة قتل بضع أعوام وهذا غير رادع بل يعطي شرعية للقاتل ويزيد من الجريمة. كذلك تقع علينا مسؤولية إزاء العنف المجتمعي من خلال الجهاز التربوي الذي يجب عليه أن يربي أطفالنا على التسامح وأن يزيد من وعي الطلاب والشباب، إضافة للتربية في البيت، فكل اب وأم يجب مشاركتهم في النشاطات مع أولادهم وهذا أمر مهم جدا، كما يجب تفعيل الشباب أكثر وتوفير أماكن تأويهم".

وختم بدوية بالقول إن "المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني هو من تبقى من هذا الشعب المحافظ على هذه المدن وتراثها، ومن المفترض أن نتكاتف لنبذ كل ما يمس وجودنا وهويتنا. علينا أن نكون يدا واحدة، ابن الطيبة مع ابن الرملة وابن كفر كنا مع ابن يافا، علينا أن نعي مشاكلنا في كل بلدة وبلدة، لا أن نتقوقع في مشاكل بلدنا هذه فقط دون غيرها".