جبارين: "قانون القومية" أسقط الخط الأخضر وحيّد الهاجس الديمغرافي

جبارين: "قانون القومية" أسقط الخط الأخضر وحيّد الهاجس الديمغرافي
جبارين

حسن جبارين:

  • إقامة بلدية موازية في الخليل والتطهير العرقي في قضية أم الحيران لم تعد موضعًا للنقاش
  • في قضية الأرض هناك ثلاث مناطق تقع تحت التهديد هي النقب والقدس ومناطق ج
  • حسنات القانون أنه حسم النقاش بأن"الدولة اليهودية" هو تعريف كولونيالي عنصري

بعكس الاستيطان الكولونيالي الذي أنشأ نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا، تأسس الاستيطان الكولونيالي الصهيوني في فلسطين على سياسة التطهير العرقي، حيث قام بتهجير السكان الأصليين وتغيير الواقع الديمغرافي للبلاد وضمان أغلبيّة يهودية شبه مطلقة في المساحة التي قامت عليها دولة إسرائيل عام 1948.

وبعد استكمال احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، وما تلاها من تبلور واشتداد عود الحركة الوطنية الفلسطينية وانتزاع الشعب الفلسطيني الاعتراف الدولي بحقه في تقرير المصير على أرضه الفلسطينية، انقسم الشارع الإسرائيلي بين من يتخوّف من أن تفقد إسرائيل طابعها اليهودي بفعل تضاؤل الأغلبية الديمغرافية، وبين من هو مستعدّ للتنازل عن جزء من الأرض (الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة أو أجزاء منها) مقابل الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، وبين من يتمسكون بـ"أرض إسرائيل الكاملة"، حتى بثمن تشريع قوانين فصل عنصري تضمن تفوق العرق اليهودي بعد فقدانه الأغلبية العددية.

وبدون شك، فإن قانون القومية العنصري جاء في هذا السياق، خاصّةً وأنّه ولد من رحم حالة سياسية إسرائيلية رافضة لأي تسوية تضمن إقامة كيان سياسي فلسطيني مستقل، على أي جزء من الأرض، وترافق مع سلسلة قوانين وأنظمة تهدف إلى سحب السيادة الإسرائيلية إلى خارج الخط الأخضر.

وإذا كان الأبرتهايد مثله مثل التطهير العرقي، أي وليد حاجة استعمارية، فإن الصهيونية التي استندت، أساسا، إلى التطهير العرقي لإقامة كيانها على الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948، لا تجد اليوم أي غضاضة في اللجوء إلى نظام الفصل العنصري لتوطيد سيادتها على كامل فلسطين التاريخية.

بهذا المعنى، يرى مدير عام مركز "عدالة" الحقوقي، المحامي حسن جبارين، أنَّ أهم ما فعله "قانون القومية" هو إسقاط الخطّ الأخضر وإعطاء شرعية قانونية لفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، حيث أصبح حكم المستوطن في الخليل كحكم المستوطن في تل أبيب، وللتدليل على ذلك، يسوق جبّارين قضية الإعلان عن إقامة مؤسسة تعمل كبلدية يهودية موازية لبلدية الخليل، ستعنى بشؤون المستوطنين في المدينة، التي تعتبر خطوةً عمليةً في تطبيقات القانون نحو إقامة نظام فصل عنصري.

وحول المناخ الذي أشاعه "قانون القومية" العنصري وتطبيقاته العملية على جانبي الخط الأخضر بعد مرور سنة على تشريعه، كان هذا الحوار مع المحامي حسن جبارين.

عرب 48: كان لكم في "عدالة"، في الأيام الأخيرة، إنجاز قضائي رغم "قانون القومية"، تمثّل في إجبار بلدية العفولة على العدول عن قرارها بمنع العرب من دخول المتنزه البلدي؟

جبارين: من الجدير التنويه، في البداية، بأنّ القضاء الإسرائيلي لم يعتمد بعد "قانون القومية"، وربما باستثناء قرار معين في المحكمة المركزية في القدس، فإنّ الجميع بانتظار أن تبت المحكمة العليا في الالتماسات المقدمة بهذا الخصوص قبل اعتماده.

بالنسبة للقرار المتعلق ببلدية العفولة، فنحن، فعلًا، نعتبره إنجازا هاما ضد السياسة العنصرية لبلدية العفولة. مع ذلك، نلاحظ أنّ المحكمة تجنّبت اتخاذ قرار حاسم بأن الإجراء الذي اتخذته البلدية هو إجراء عنصري، يفضّل اليهود على العرب، و فضّلت التعامل مع الجانب الإداري للقرار، بمعنى أنّه لا صلاحية للبلدية باتخاذ قرار من هذا النوع، وهو ما قبلته البلدية والتي وافقت على إلغاء قرارها والسماح للعرب بدخول المتنزه.

عرب 48: إذا كانت محكمة الصلح في الناصرة قد نجحت في هذه القضية بإيجاد مخرج تلغي من خلاله الإجراء العنصري، دون أن تصطدم مع "قانون القومية" الذي يتيح مثل هذا التفضيل، هل هنالك قرارات جديدة للمحكمة العليا تتماشى مع القانون؟

بالإمكان التطرق، هنا، إلى قرار جديد للمحكمة العليا يشير إلى تأثيرات "قانون القومية" دون التطرق إليه مباشرة. وهذا القرار يخصّ إقامة شبه بلدية للمستوطنين موازية لبلدية المدينة في الخليل، حيث ساوت المحكمة العليا بين المستوطنين وبين سكان البلد الأصليين وشرعنت عملية الفصل العنصري عبر إقامة نظام للفلسطينيين ونظام للمستوطنين اليهود على نفس رقعة الأرض.

سيلفي "قانون القومية" (أ ب)
سيلفي "قانون القومية" (أ ب)

قاضي العليا دافيد مينتس، وهو مستوطن، كتب في تسويغه لرفض التماس بلدية الخليل الفلسطينية التي اعترضت على إقامة شبه بلدية موازية تعنى بشؤون المستوطنين، أنه يحق للمستوطنين اليهود في الخليل الحصول على الخدمات البلدية مثلما يحق ذلك للمواطنين الفلسطينيين. وهذا أمر لم يكن مألوفا بهذه العلنية في السابق، أي قبل "قانون القومية". فإنّ استعمال مبدأ المساواة بهذا الشكل الجهري بين المستوطن وبين الفلسطيني، يعتبر تطبيعا دستوريا لوضعية الضفة الغربية، الأمر الذي يتناقض مع القانون الدولي المتعلق بالمناطق الواقعة تحت الاحتلال، والقانون الإداري العسكري الذي تخضع بموجبه هذه المناطق المحتلة لإدارة الجيش الإسرائيلي.

عرب 48: ولكن ذلك يتساوق مع جملة تصريحات وإجراءات وقوانين تسعى لسحب القانون الإسرائيلي على المستوطنات الإسرائيلية الواقعة خارج الخط الأخضر؟

جبارين: صحيح. القرار هو تطبيع قوي جدا للمستوطنات وكأنها جزء من السيادة الإسرائيلية. قانون القومية هو الذي يضع الشرعية القانونية لتوسيع فرض الدستور الإسرائيلي على جغرافية الاستيطان. التطابق بين الخطاب القانوني الجهري وبين ما يجري على الأرض، يجري بروح "قانون القومية"، الذي ينص على أنّ أرض إسرائيل، التي تشمل الضفة الغربية وفق تعريفهم، هي لليهود وأنّ حق تقرير المصير على كل بقعة من هذه الأرض هي حق حصري لليهود فقط دون غيرهم، وهو تغيير جوهري عمّا كان سائدا، حيث كان هذا الحق ينحصر بمفهومهم داخل الخط الأخضر والقدس، وما تبقى فهو تحت وضعية احتلال مؤقت.

هذه المعادلة تغيّرت بفعل روح "قانون القومية"، ولذلك، أصبح باستطاعة القضاة التعامل مع الاستيطان على أنّه وضعية ثابتة قانونيًا، يسيّرون عليها (أي الوضعيّة) مبادئ وقيما دستورية، مثل الحق في المساواة والحق في الملكية وحرية الحركة وغير ذلك.

ومن الجدير التنويه أن روح القانون المذكور، بصفته قانونا دستوريا، هي أقوى بكثير من استعماله الوضعي. وقد لمسنا ذلك في قضية بلدية الخليل التي كانت لتثير، في السابق، نقاشا واسعا في وسائل الإعلام وبين النخب القانونية الإسرائيلية، في حين لم تحظ حتى بخبر هام في وسائل الإعلام تلك، ما يعني أنه حتى النخب التي تعارض القانون أصبحت تتعامل معه كأمر واقع قانوني، وبالتالي التعامل مع الاستيطان والاحتلال على هذا النحو.

عرب 48: كما هو معروف، فقد ألغى القانون مكانة اللغة العربية كلغة رسمية، أسوة باللغة العبرية، ليخلق تفضيلا لغويا يتماشى مع تفضيل اليهود على أساس عرقي، هل من آثار لذلك في التطبيق العملي للقانون خلال السنة الماضية؟

جبارين: في هذا الباب يندرج التماس بخصوص ترجمة امتحان بجروت في موضوع الجغرافيا إلى العربية. رغم نجاح القضية، فإن المحكمة أمرت بترجمة الامتحان لسبب بسيط، هو أن العربية هي لغة الممتحنين العرب، وليس استنادًا إلى أنّ اللغة العربية لغة رسمية يجب احترام مكانتها. هنا، أيضًا، نرى التأثير القوي لروح القانون وكيفية تماشي القضاة مع بنوده العنصرية حتى قبل اعتماده، كما ذكرت، كقانون وضعي وهو ما يبشر بالأسوأ.

عرب 48: في قضية الأرض والإسكان فضّل القانون اليهود، عن طريق البند المتعلق بتشجيع الاستيطان اليهودي على جانبي الخط الأخضر، وسحب حتى الإنجاز الذي سبق وتحقق في قضية قعدان، هل من ترجمات راهنة ومستقبلية لهذا البند في الواقع؟

جبارين: البند السابع من قانون القومية وضع من أجل أن يتناقض مع قرار قعدان، الذي ينص على أنّ توزيع السكن في البلاد (داخل الخط الأخضر)، يجب أن لا يقوم على أساس مبدأ التمييز بين اليهود والعرب.

وكما هو معروف، في حينه، ادّعت النيابة أنه كون دولة إسرائيل هي دولة يهودية، فإنّها يجب أن تشجّع الاستيطان اليهودي، بينما يسكن العرب في قراهم ومدنهم، بمعنى أن مبدأ المساواة يقوم على الفصل بين اليهود والعرب في السكن، وهو ما رفضته العليا التي قالت إنّ البلاد لكل مواطنيها، أي تطبيق دولة كل مواطنيها في الإسكان.

الفلسطينيون يواجهون خطر الاقتلاع في مناطق ج (أ ب)
الفلسطينيون يواجهون خطر الاقتلاع في مناطق ج (أ ب)

"قانون القومية" أعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل قرار قعدان، وأكّد على تشجيع ودعم الاستيطان اليهودي، وهو ما يتماشى مع قانون "لجان القبول"، الذي شُرِّع للالتفاف على قرار قعدان ويعطيه دفعة تعزيز قوية جدا. نستطيع القول إن "قانون القومية" قد أجهز على قرار التماس قعدان وفي قضايا الأرض. ونرى تأثير ذلك في الضفة الغربية، حيث تبدو الأمور بشكل أوضح.

في الضفة الغربية، ورغم تعطل ما يعرف بقانون "التسوية"، الذي يهدف إلى شرعنة الاستيطان القائم على الأراضي الفلسطينية الخاصة، والذي عارضه المستشار القضائي، يلجأون بروح قانون القومية إلى إجراء ما يعرف بـ"قانون السوق"، والذي شرعنه المستشار القضائي وهو يسوّغ الاستيلاء على الأراضي الخاصة، بذريعة انتقال ملكيتها بـ"حسن نية"، علما أنه لم يتم شراؤها أصلا لا بحسن ولا بسوء نية، بل جرى السطو عليها بالقوة.

عرب 48: من الواضح أن قضية الأرض هي محور صراع أساسي ومتفجر، إلى أي مدى يخدم القانون المذكور مسألة الاستيطان والتهويد؟

يمكن الإشارة إلى ثلاث مناطق مهددة، هي النقب والقدس ومناطق ج في الضفة الغربية. في النقب شرعنت العليا الإسرائيلية مسألة التطهير العرقي لأهالي أم الحيران وإحلال يهود على أراضيهم، في مستوطنة تحت نفس الاسم "حيران"، وذلك قبل سن "قانون القومية".

وإذا كنا قد سمعنا أصواتا معارضة في الطبقة القانونية الإسرائيلية في البداية، فإنّ هذه الأصوات خفتت بعد سن القانون، وأصبح هناك تخوف حقيقي من العودة إلى مشاريع تهجير على نطاق واسع على غرار مخطط برافر، وفي القدس ومحيطها، هناك خطر اقتلاع تجمع الوادي الأحمر وتنفيذ مخططات استيطانية واسعة النطاق لقطع شمالي الضفة عن جنوبيها، وفي مناطق ج، هناك مخططات للضم الزاحف وفرض واقع سياسي جديد.

عرب 48: ولكن هناك من يقول، وأنت منهم، إنّ القانون لم يغير كثيرا من الواقع السياسي والقانوني السائد، حيث سبق أن نصّت قرارات العليا، في أكثر من مناسبة، على يهودية الدولة وأكدت الكثير مما ورد في بنود القانون المذكور، في المقابل فإنّ تشريعه كشف الوجه الحقيقي لإسرائيل وأظهرها كدولة أبرتهايد؟

جبارين: كما ذكرت سابقا، فإنّ هذا النوع من القوانين الدستورية مفعولها التصريحي والشعاراتي أكبر بكثير من استعمالها الوضعي، فهي تلعب دور الموجه السياسي والأخلاقي. وبهذا المعنى، هي تضفي الشرعية على الممارسات الجارية على الأرض والتي كانت في السابق موضع نقاش.

أما في ما يتعلق بالإيجابيات، فإنّ تشريع القانون حَسَمَ، إلى غير رجعة، النقاش الذي كان دائرا بيننا كأحزاب ومؤسسات، بأن تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية هو تعريف كولونيالي استعماري،

إلى جانب أنّه سهل علينا كسياسيين ومؤسسات مجتمع مدني إقناع العالم والمؤسسات الدولية بأن دولة إسرائيل هي دولة كولونيالية عنصرية.


المحامي حسن جبارين: مؤسّس مركز "عدالة" ومديره العام، كما هو المدير لوحدة الحقوق المدنيّة والسياسيّة. تجربته القانونيّة تمتد لأكثر من 20 عامًا ترافع خلالها في قضايا دستوريّة مركزيّة أمام المحكمة العليا في إسرائيل، قضايا يرتبط جزء منها بمطلب المواطنة المتساوية للفلسطينيين مواطني إسرائيل، بينما يرتبط جزء آخر منها بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة اعتمادًا على القانون الدولي الإنساني. كذلك، قاد حسن جبارين طاقم المحامين الذي مثّل عائلات شهداء أكتوبر 2000 والقيادات العربيّة أمام لجنة أور. يدرّس جبارين في كليّة القانون في جامعة تل أبيب كما في كليّات قانون أخرى في البلاد. حاز على جوائز عدّة في مجال القانون والدفاع عن حقوق الإنسان، كما نشر مقالات أكاديميّة عديدة في كتب ومجلّات علميّة بموضوع المكانة القانونيّة للفلسطينيين في إسرائيل. انضم إلى برنامج الزملاء الدوليين لجامعة "ييل" المرموقة في الولايات المتحدة في العام الدراسي 2005-2006، كما انضم كزميلٍ رفيعٍ لبرنامج "روبينا" في كليّة القانون التابعة للجامعة ذاتها في العامين 2012-2014.