الناصرة: حكاية ساكنة "قصر الشهباء" الذي تحول إلى خرابة

الناصرة: حكاية ساكنة "قصر الشهباء" الذي تحول إلى خرابة
المسنة في المنزل (عرب ٤٨)

هل تنتظر العجوز المسنة المكفوفة الحل من المؤسسات الاجتماعية والخدمية، في مدينة الناصرة، أم تنتظر الموت المحقق تحت ركام منزلها الآيل للسقوط في البلدة القديمة بمدينة الناصرة؟ هذا السؤال تطرحه على نفسها امرأة عجوز تجاوزت الثمانين، كلما أشرقت عليها شمس صبح جديد ووجدت نفسها لا تزال على قيد الحياة.

تعيش لطيفة سيلاوي (81 عاما) منذ 53 عامًا، وحيدة في البيت رقم 10 الواقع بين ما يُعرف بحارة الدبس وحي اللاتين وسوق الناصرة، بعد أن فقدت زوجها قبل 23 عامًا، ولم يرزقهما الله من الأبناء، وهو منزل قديم جدا عرف في الماضي بـ"قصر الشهباء" المنيف على البلدة القديمة وسوق الناصرة القديم، لكن القصر تحوّل اليوم إلى ما يشبه القبر، بعض أجزائه آيل للسقوط، وخاصة المراحيض التي تتساقط من سقفه الحجارة والتربة يوميا، في حين تحاول المرأة المسنة توفير بعض الحماية لنفسها من خلال وضع دعائم من ألواح الخشب والكرتون، لتشكل عازلًا يحميها من تساقط حجارة السقف.

السوق كما يبدو من المنزل (عرب ٤٨)
السوق كما يبدو من المنزل (عرب ٤٨)

تعاني سيلاوي من ضعف البصر، وتحدثت هذا الأسبوع إلى موقع "عرب 48" واشتكت من تعامل المؤسسات الخدمية المتمثّلة بقسم الشؤون الاجتماعية في بلدية الناصرة، وصندوق المرضى العام، ومؤسسة "الصحية"، التي أوفدت مندوبين عنها إلى منزل السيدة العجوز، للاطلاع عن كثب على معاناتها. والمثير للعجب أن ممثلي هذه المؤسسات كانوا شهودًا على الظروف المأساوية ومعاناة تلك المرأة، لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة والغرابة اشتراط المسؤولين في مؤسسة الشؤون الاجتماعية تقديم مساعدة جزئية للسيدة المسنة، بأن تقوم هي بنفسها باستقدام مقاول بناء وصيانة وتكليفهم بالقيام بأعمال الترميم الضرورية التي تحتاجها مع استعدادهم للمساهمة بجزء من التكاليف!

مدخل البيت (عرب ٤٨)
مدخل البيت (عرب ٤٨)

أما الحل الثاني، الذي اقترحته عليها ممثلة الشؤون الاجتماعيّة، فكان أن تترك السيدة بيتها وتنتقل للسكن في شقة أكثر إتاحة، نظرا لأن الطريق المؤدي إلى منزلها شاق وغير ممكن إلا سيرا على الأقدام، ولا تصل إليه سيارة. وهو الأمر الذي رفضته السيدة لطيفة سيلاوي جملة وتفصيلا، قائلة "لا أستطيع العيش في أي مكان آخر، حتى وإن تحوّل هذا القصر مع مرور الزمن إلى قبو أو حتى إلى قبر، فأنا لا أستطيع التأقلم في أي مكان آخر بعد 53 عاما قضيتها في مملكتي هذه". وأضافت أنها لا تطلب من المؤسسات الخدمية سوى ترميم المرحاض الذي تتساقط حجارة سقفه بين حين وآخر، وأن تثبّت بها دعائم من حديد على الجدران، لكي تتكئ عليها وتهتدي بواسطتها إلى المرحاض فهي كفيفة ولا ترى لأكثر من مسافة متر واحد. وتؤكد سيلاوي هنا أن مطالبها هذه لا تثقل على كاهل المؤسسات الداعمة كالشؤون الاجتماعية وصندوق التأمين الصحي، ولا يستدعي أن تترك بيتها وتنتقل إلى مكان آخر، بل حري بهذه المؤسسات أن تقلق على راحتها، وأن توفر لها هذه الخدمات غير المكلفة!

وتستذكر سيلاوي الأيام الماضية، حين كانت تسعى بنفسها لإتمام كافة معاملاتها الخاصة دون مساعدة من أحد، لكنها اليوم بلا معيل بعد أن فقدت زوجها واثنين من أشقائها، قبل سنوات، ولم يتبق لها في هذه الحياة سوى شقيقين، هما في مثل سنها وقد أخذ منهما الوهن مأخذه ولا يقويان على تنفيذ أعمال الترميم والصيانة.

ومرّةً أخرى، تبدي السيدة استغرابا ودهشة من تعامل مؤسسة الشؤون الاجتماعية مع مطلبها هذا وتطلب منها أن تسعى بنفسها إلى استقدام مقاول ليقوم بأعمال الترميم وتقديم إيصالات الدفع إلى مؤسسة الشؤون الاجتماعية لتقوم المؤسسة بالمساهمة بجزء من التكاليف.

أمّا صندوق التأمين الصحي، فتقول سيلاوي إنّ موظفا من صندوق المرضى زارها مرتين وأعد تقريرا حول حالتها وهي الآن في انتظار المصادقة على التقرير من قبل إدارة صندوق المرضى ليقوم هذا الموظف (مقاول) بتثبيت دعائم في الجدران تمكن السيدة من الاستعانة بها لتلمس طريقها بين غرف المنزل والقبو حيث توجد المراحيض. أمّا مؤسسة "الصحية"، التابعة لوزارة الصحة فتقول سيلاوي إنّهم اتصلوا بها قبل نحو ثلاثة أشهر ووعدوا بإرسال مندوب عن المؤسسة للاطلاع على أوضاع المنزل عن كثب، وقالوا إنّ المندوب سيصل خلال أيام قليلة وها هي الأشهر الثلاثة قد مرّت ولم يزرني أحد!

رغم الخراب، فخامة البيت لا زالت ظاهرة (عرب ٤٨)
رغم الخراب، فخامة البيت لا زالت ظاهرة (عرب ٤٨)

وفي حديث لمراسلنا مع الناطق الرسمي باسم بلدية الناصرة، سالم شرارة، الذي قام بفحص موضوع سيلاوي في مكتب الشؤون الاجتماعية قال لموقع "عرب 48" إنه "بعد توجهي إلى قسم المسنين في بلدية الناصرة والاستيضاح حول موضوع الحاجة سيلاوي، تبين أن قسم المسنين مهتم بحالتها وهي عضو في نادي المسنين بالبلدة القديمة، تتلقى كافة الخدمات التي تقدم للمسنين، وهو ناد يومي يخدم هذه الشريحة باهتمام شديد".

وتابع يقول "نعم لقد تمت زيارة البيت وينقصه حمام في الطابق العلوي (وهي تستخدم مرحاضا بحالة مزرية في الطابق السفلي – القبو). قسم المسنين مستعد أن يقدم مساعدة في هذا الشأن. وليس هذا فحسب بل أن القسم مستعد، إذا ما أرادت، أن يساهم ويساعد المسنة في إيجاد مسكن بديل يلبي الاحتياجات ويسد النواقص في المبنى الموجودة فيه اليوم".

هذا وسيواصل مراسل "عرب 48" محاولات الحصول على تعقيب من وزارة الصحة وصندوق المرضى العام.