باقة الغربية: سكان حي الشقفان ضحايا محرقة النفايات

باقة الغربية: سكان حي الشقفان ضحايا محرقة النفايات
مجادلة في مجمع النفايات بباقة (تصوير "عرب 48")

يحاصر الدخان المنبعث من مجمع النفايات غير القانوني سكان حي الشقفان في مدينة باقة الغربية، إذ أصبح مجمع النفايات ظاهرة خانقة تزعج سكان الحي بسبب الروائح المنبعثة من الحرائق، وما يحدث من تلوث داخل منازلهم، ناهيك عن الأمراض التي تصيب الأطفال وكبار السن.

وعلى الرغم من المحاولات التي بذلها سكان الحي على مدار سنوات لاحتواء المشكلة والقضاء على الحرائق بالمكان القريب من جدار الفصل العنصري بين باقة الغربية وقرى الشعراوية وقفين بالضفة الغربية، إلا أنه لم يتم تتبع شكاوى المواطنين الذين اعتبروا التعامل مع توجهاتهم مجرد وعود مسكنة.

اليوم، وبعد 10 سنوات من المعاناة وما رافقها من شكاوى، توسعت المحرقة وامتدت على عشرات الدونمات وتحوّلت لمجمع نفايات نشط على مدار الساعة، إذ أن المبادرات الذاتية لبعض السكان والتوجهات للجهات الرسمية كالبلدية وأقسام مختصة فيها ووزارات حكومية، لم يكتب لها النجاح بسبب عدم التعامل الجدي مع الشكاوى، مع غياب سلطة إنفاذ القانون وعدم قيام الجهات الرقابية بدروها بردع المخالفين.

تشريعات وميزانيات

بموجب تشريعات خاصة بالكنيست منذ العام 1995، من المفترض أن تقوم الوزارة لحماية البيئة بإغلاق مجمعات النفايات والمكبات لطمر النفاية غير القانونية من ناحية، وترخيص عدد من المواقع الكبيرة لطمر النفايات الصلبة ومخلفات النفايات، بعد فصل المركبات القابلة لإعادة التدوير وإعادة الاستعمال، لكن هذه التشريعات غابت عن حي الشقفان وبقيت فوضى النفايات.

ليس هذا فحسب، بل شرعت وزارة حماية البيئة وبموجب قرار للحكومة الإسرائيلية في آذار/ مارس 2014، بمشروع دعم إدارة النفايات في القرى والمدن العربية بميزانيات تقدر بنحو 300 مليون شيكل، ويقدر خبراء الوزارة لحماية البيئة كمية النفاية في البلدات العربية بحوالي 1,435,400 طن سنويا.

ويضم المشروع 75 بلدة عربية، إذ تتواجد بلدية باقة الغربية ضمن المشروع، وعلى الرغم منذ ذلك، وبالذات مع بدء تطبيق القانون، فإن محرقة النفايات في حي الشقفان توسعت، إذ ينص القانون على أن السلطة المحلية وبالتعاون مع الشرطة الخضراء هي المسؤولة قانونيا عن إدارة النفايات في مناطق نفوذها.

وتشكل المحرقة ظاهرة مؤرقة لسكان حي الشقفان خاصة وأنه يضم مدارس ابتدائية وروضات ومدرسة للتعليم الخاص، إذ لم يتم الوصول إلى علاج لمجمع النفايات الذي يتمدد وتتفاقم معه معاناة السكان الذين باتوا رهائن وهم محاصرون من قبل الذين يقومون بحرق المخلفات والنفايات، وتحويلها إلى مواد يتم بيعها مثل المعادن على مختلف أنواعها.د

مجمع النفايات غير القانوني في حي الشقفان بباقة الغربية

أضرار وأمراض

وفيما تتزايد كميات الدخان المنبعثة من الحرائق بالمجمع، تزداد مخاوف سكان حي الشقفان من الضرر البيئي والصحي الكبير الذي لحق بهم جراء المواد المحروقة، علما أن البعض من تلك المخلفات يعتبر من المواد الكيميائية والبلاستيكية التي تسبب الأمراض للسكان وخصوصا الأطفال وكبار السن.

يحمل الدخان المنبعث من حرق النفايات الغازات المختلفة والجزيئات القابلة للاستنشاق التي تحتوي على المواد السامة وتضر بصحة الإنسان. ويسبب الدخان الحرقة في العينين وفي الأنف وفي الحلق، بالإضافة إلى السعال والصداع وضيق التنفس والربو أيضا.

كما أن التعرض طويل الأمد لدخان حرق النفايات، يتسبب بأمراض السرطان، والمس بجهاز المناعة والجهاز الهرموني، والضرر لجهاز التنفس والرئتين، وعرقلة عملية تزويد خلايا الجسم بالأكسجين، والانسداد في عضلة القلب وخصوصا لدى مرضى القلب، كما ذكر مختصون بصحة الإنسان.

منازل بحي الشقفان ملاصقة لمجمع النفايات

وأكدوا أن التعرض للتلوث الهوائي الناجم عن الدخان المنبعث من حرق النفايات يؤثر سلبا على جميع الناس، ولكن هناك مجموعات تعتبر أكثر تأثرا من الناحية الصحية من التعرض لاستنشاق الهواء الملوث، فالأولاد هم أكثر حساسية لتلوث الهواء. كما أن التعرض للهواء الملوث ضار جدا للنساء الحوامل والكبار بالسن وللمصابين بمختلف أمراض الرئة والقلب.

حرائق ودخان

رصد "عرب 48" في جولة في حي الشقفان بباقة الغربية الحرائق والدخان المنبعث من مجمع النفايات، فيما تستمر شكاوى السكان التي لا تلقى آذانا صاغية، كما معاناتهم المتفاقمة التي سردها أحد سكان الحي، إياد مجادلة، وقال لـ"عرب 48" إن "عشرة أعوام من المعاناة نعيشها في الحي بسبب الحرائق والدخان المنبعث على مدار أيام السنة".

مجمع النفايات يتمدد ويتوسع رغم توجهات سكان الحي للبلدية لإغلاقه

وأكد أن "الوضع لا يطاق، شكاوى ومراجعات واتصالات مع البلدية والمكاتب والوزارات الحكومية المعنية، لكن للأسف الشديد لا حياة لمن تنادي، ولم يصلنا أي رد على الرسائل والشكاوى الرسمية".

وأضاف مجادلة أنه "لا يوجد أي جواب أو تطرق أو أي اهتمام من قبل المؤسسات الرسمية ولا حتى البلدية، ليردوا علينا ويقولوا على الأقل اذهبوا إلى الجحيم...".

يوميا حرائق ودخان منبعث من مجمع النفايات تسبب بأمراض للكثير من السكان وخصوصا الأطفال والكبار بالسن الذي يعانون الربو، وضيق التنفس، وأمراض الرئة... يصف الوضع مجادلة "نعيش معاناة مضاعفة، دخان وأمراض ومكاره بيئية وصحية. لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر".

خنق وصمت

بعد أن أختنق سكان الحي من روائح ودخان مجمع النفايات ومنهم من اختنق من صمت المسؤولين، سواء في البلدية أو الدوائر الحكومية، أوضح مجادلة أنه "قررنا القيام بالمزيد من الخطوات العملية والتوجه للصحافة وكذلك ندرس إمكانية تقديم شكاوى جماعية ضد المسؤولين".

مجمع النفايات تمدد على أراضي للفلسطينيين عزلها الجدار

وشدد على أن "الوضع ازداد سوءا في الأشهر الأخيرة، ومجمع النفايات توسع على مزيد من الدونمات. حرائق ودخان وروائح كريهة دون أن تعالج من قبل أي جهة مسؤولة".

ولفت مجادلة إلى أن صمت الجهات المسؤولة المعنية ساهم في توسع مجمع النفايات، موضحا أن طواقم سلطة الإنقاذ والإطفاء التي استُدعيت أكثر من مرة رفضت إخماد الحرائق بذريعة أن الحديث لا يدور عن حرائق عادية، بل عن مجمع نفايات غير قانوني، يضم نفايات صلبة ومعادن ونفايات لا يمكن معالجتها إلا من خلال تجريف المخلفات وطمر المجمع بالرمال والأتربة.

تمدد وتوسع

وجد سكان الحي صعوبة في تحديد الجهة التي تتملك الأراضي التي يتمدد ويتوسع عليها مجمع النفايات، فيما يرجح البعض أن تكون مساحات منها بملكية خاصة ومسطح لربما يتبع لبلدية باقة أو ما تسمى "دائرة أراضي إسرائيل"، أو أراضي بملكية للفلسطينيين عزلها جدار الفصل العنصري على أصحابها بقرى الشعراوية، لكن مجادلة قال إن "المشكلة ليست لمن تتبع الأرض وملكيتها، المشكلة لماذا يتواجد مجمع نفايات داخل حي سكني؟".

حرائق وانبعاث للدخان على مدار الساعة

 ما زال سكان حي الشقفان، كما المواطن مجادلة، ينتظرون الأجوبة والحلول التي تأبى أن تصلهم من البلدية والدوائر الحكومية، فيما يتواصل الدخان بالانبعاث من مجمع النفايات الذي بات مشهدا اعتياديا في الحي.

بلدية باقة الغربية تمتنع عن التعقيب

وامتنعت بلدية باقة الغربية ورئيسها المحامي مرسي أبو مخ، عن الرد على "عرب 48"، بخصوص مجمع النفايات في حي الشقفان وشكاوى السكان ومطالبهم بإزالة المجمع وطمره، وفي حال ورد أي تعقيب من إدارة البلدية على توجهنا سننشر لاحقا.

وسرد مجادلة حيثيات وتفاصيل معاناته، "للأسف الشديد سنوات من التوجهات والشكاوى والاستغاثة، لكن لا حياة لمن تنادي. مجمع النفايات... هل هذا واجهة باقة؟ نحن على مشارف عام 2020، هل يعقل وجود منظر من هذا القبيل داخل الأحياء السكنية؟".

نفايات صلبة ومعادن وهياكل سيارات

مطالب وانتقادات

وفي ظل هذا الصمت الرسمي، وتفاقم معاناة السكان والأضرار الصحية والبيئية والأمراض جراء مجمع النفايات، وجه مجادلة انتقادات شديدة اللهجة إلى مختلف الدوائر الحكومية وإلى رئيس وأعضاء المجلس البلدي في باقة الغربية، "لم نطالب بحديقة عامة ومتنزه وملعب للأولاد، ما نطلبه أن نتنفس هواء نقيا. البلدية مغيبة وغائبة، الرئيس كما الأعضاء تجدهم يسارعون بالتقاط الصور حين يتم تعبيد الطرقات، لكنهم يتغيبون عن معالجة مشكلة مجمع النفايات".

وختم مجادلة بالقول: "لو أن مجمع النفايات كان قريبا من الكيبوتسات وسبب المشاكل البيئية والصحية لليهود، لقامت مؤسسات الدولة على اختلافها خلال 24 ساعة بإغلاق المجمع وتقديم الرئيس والأعضاء في باقة الغربية للقضاء، لكن الكيبوتسات غير متضررة، وعليه تنازعوا فيما بينكم وليذهب أهالي باقة للجحيم! والانطباع هو لماذا تتدخل السلطات الرسمية ما دام الأمر شأنا داخليا بين العرب؟".

أكوام نفايات من البلاستيك تحرق لاستخراج المعادن