د. طنوس: الصحة مرتبطة بالواقعين السياسي والإنساني

د. طنوس: الصحة مرتبطة بالواقعين السياسي والإنساني
(أ ب)

ترتفع وتيرة الخوف والهلع في المجتمع العربي من جهة، وعدم التقيد بالتعليمات من جهة أخرى، في ظل أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد، خصوصا بسبب انعدام مراكز لفحص حالات كورونا في البلدات العربية والتوعية الصحية، وتعلو التساؤلات حول الفجوات في الجانب الصحي بين اليهود والعرب، وهل له علاقة بالسياق السياسي.

وعن أبعاد ارتباط مفهوم الصحة العامة بالسياق السياسي في البلاد وتأثيره على الصحة في المجتمع العربي، التقى "عرب 48" طبيب الأطفال وطالب اللقب الثاني في موضوع الصحة العامة والجماهيرية، د. أسامة طنوس، والذي أكد أن "مفهوم الصحة لا يمكن فصله عن الواقع السياسي".

"عرب 48": كيف يعاني المجتمع العربي من عنصرية مؤسسات الدولة في إدارة أزمة الكورونا؟

د. أسامة طنوس

د. طنوس: ما يمكن تعلمه من تاريخ الصحة هو أن الكوارث الطبية والطبيعية تُعري بنى القوة بالمجتمع وتزيد الفجوات الطبية الموجودة، أما فيما يتعلق بالعنصرية البنيوية فهي قائمة قبل وخلال أزمة الكورونا، وستبقى بعد انتهاء الأزمة، ذلك أن العنصرية مترسخة عند الأنظمة الاستعمارية والاستيطانية بجميع مؤسساتها بما يشمل الصحة، من تأسيسها وفكرة الصحة الصهيونية وبناء صناديق المرضى كجزء من النقابات العمالية اليهودية والمستشفيات كبنية تحتية للمشروع الصهيوني حتى اندماجنا كفلسطينيين بهذه المؤسسات لقلة الخيارات أمام الطبيب العربي في سوق العمل، وقد نصل لأماكن العمل بعد درب آلام طويلة وتخطي عوائق من الدخول للكليات مرورا بالاغتراب الكامل عن أماكن التعليم والعمل حتى القبول بالتخصصات المختلفة وإمكانيات التطور فيها، رغما عن هذا ننجح وليس بسهولة، لكنني أحذر من تحجيم العنصرية كخطاب مسيء للجمهور العربي في السياسة وقراءة الواقع العنصري بالخطاب السياسي، متجاهلين أن العنصرية قائمة بالبنية الكاملة للنظام الذي هّجر شعبنا وقتله، وصادر ما نملك وتم تحويلنا إلى سكان بلدات إسمنتية قبيحة بوضع صحي صعب وبدون أي سيادة، وما زالت هذه السلطات تهدم بيوتنا تحت وباء كورونا.

"عرب 48": هل يمكن الفصل بين الصحة والواقع السياسي؟

د. طنوس: لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تنفصل الصحة عن الواقع السياسي والإنساني، فقد تم تسويق المفهوم الليبرالي للصحة على أنها صحة فردية وليست سوى علاقة بين الطبيب والمريض ضمن العيادة فقط، وهذا مفهوم خاطئ، فهي تحمل في طياتها مفهوم السلامة الصحية والفكرية والاجتماعية للجماعات والأفراد على حد سواء، فحتى في أوروبا نرى أن المنشآت الصحية أُسست لخدمة أفراد الجيش إذ كان أول جهاز صحي عام في ألمانيا معسكرا للجيش هدفه تعزيز صحة الجنود، وهذا تأكيد على أن الصحة تحمل معها أجندة سياسية، أما عن جهاز الصحي في إسرائيل خلال الحرب كصندوق المرضى والعيادات فهي تأسست كأجندة صهيونية واضحة، ولا تُخفي إسرائيل هذا، فأي مشفى نذهب إليه كـ"هداسا" نرى فيه أجندة صهيونية واضحة الملامح.

ومن خلال هذه المعطيات، نتساءل: ما معنى أن تكون طالب طب فلسطيني في الداخل؟ فكلنا كطلاب نتعلم بغير لغتنا الأم، في جامعات وكليات طب لم تؤسس من أجلنا، فعندما تأسست كان لها أجندة لا تخدمنا بل تهدف لمآرب أخرى. بهذا علينا أن نتطلع إلى إبراز هذه المواضيع وإخراجها للسطح من خلال نقاش مجتمعي، والعمل على تعميم موضوع الصحة لأنه يتعلق بكافة نواحي الحياة.

(أ ب)

"عرب 48": ما هي العلاقة بين الصحة العامة والسياسة؟

د. طنوس: الصحة العامة مفهوم مرتبط بالسياسة، وبحسب مقال لباحث وطبيب ألماني يدعى فيركوف، كُتب في العقد الرابع من القرن التاسع عشر ويبحث في مرض "التيفوئيد" الذي كان منتشرا في منطقة شرقي ألمانيا، لخص مقاله بأن مفهوم الأمراض مرتبط بظروف عمل الفلاحين والفقر، سياسة التجهيل، انعدام الخدمات الصحية والبنية التحتية السيئة. فالصحة ترتبط بالحريات العامة وتوزيع الثروات والأراضي، توفير الخدمات، البيئة العامة، الوضع الاقتصادي والسياسات التي تصنع البيئة التي نعيش فيها والمتعلقة بميزانيات التعليم وسياسة التطعيم، والسياسات الصحية، هذه الأمور مترابطة ببعضها في كل بقاع العالم.

"عرب 48": كيف ترتبط سياسة الاستعمار بالصحة العامة؟

د. طنوس: إذا نظرنا إلى سياسات الاستعمار والعنصرية في العالم، على سبيل المثال في الادعاءات الأميركية ضد السود والمتعلقة بإتباع أنماط غذائية خاطئة، وبأنهم مدخنون بكثرة، ولكن عندما نضع ظروف حياة هذه الفئة من الناس والتطرق إلى معانتهم كجلبهم من أفريقيا واستعبادهم سنين طويلة، وإسكانهم في "غيتو" بظروف سيئة وتهميشهم وإقصائهم، بالإضافة لتعرضهم للعنف وتفقيرهم، يتضح أن ما يعانيه المجتمع الأسود في الولايات المتحدة، اليوم، من وضع صحي هو نتيجة تراكم هذه الظروف المقيتة ضدهم، لهذا عندما يتحدثون عن الصحة هناك فهم يذكرونها في سياقها المرتبط بالعنصرية. يوجد تهميش للأقليات وأقصد هنا الشعوب الأصلانية كمن هم في أستراليا ونيوزيلندا، إذ إن المستعمر الأوروبي جاء إلى هذه البلاد وغيّر طبيعة البلاد بشكل كلي، وفرض على هذه الشعوب أن تزرع أراض معينة دون أراضي أخرى، وزرع منتوجات معينة، وحصرهم في مناطق معينة، فهذا يشوه معالم المجتمع التي تؤثر بالصحة، وكما أشرت آنفا فإن كل بلد تدرس الصحة ضمن سياقها الخاص.

(أ ب)

"عرب 48": كيف بالإمكان تقديم حلول لتحسين الوضع الصحي في المجتمع العربي؟

د. طنوس: مهمتنا هي طرح الأسئلة على الملأ: كيف بإمكاننا قراءة أمراضنا وأنماط حياتنا وممارساتنا اليومية، التي هي مهندسة بفعل السيرورة التاريخية بشكل نقدي، في مواجهة الإحصائيات التي تقول إن العرب يعيشون بمعدل عمري أقل من نظرائهم اليهود؟ كذلك يصابون بأمراض السكري وضغط الدم والقلب بمعدل مرتفع مقارنة مع اليهود.

بإمكاننا القول إن عدم ممارسة الرياضة وإهمال الصحة والتدخين وعدم انتظام مواعيد الطعام قد تكون أسبابا لتدهور الصحة والتعرض لهذه الأمراض، لكن لا يمكن إلقاء العبء كله على عاتق الفرد فقط، فعندما نجد أن هذه الظاهرة عامة في المجتمع عندئذٍ لا يمكننا اعتماد تفسيرات فردية، ومن خلال دراستنا لمجتمعات الأقليات والشعوب المستعمرة نجد أن هؤلاء المضطهدين يعيشون أوضاعا صحية سيئة بشكل أكبر، وتؤدي إلى معطيات صحية تسمح لنا بقراءة تصرفات الأفراد على النحو الذي نراه، ومن خلالها نتعرف على الضوابط التي تتحكم بالصحة ومسبباتها ودوافعها ما يساهم في تقديم حلول لتحسين الوضع الصحي عن طريق الحوار المجتمعي والمبادرات ضمن هذا الإطار، لا عن طريق إلقاء اللوم على الأفراد.

"عرب 48": كيف يمكن إحداث التغيير المطلوب في المجتمع على المستوى الصحي؟

د. طنوس: أكرر بأن الصحة تُقرأ من خلال قراءة طبقية واستعمارية وجندرية للواقع ومدى تأثيرها، وهذا يصب في الموضوع الإنساني، فالإنسانية لا تقتصر على معالجة الأمراض الجسدية والنفسية دون تمييز، بل في البحث بالتساؤلات الكبرى كمسألة اختلافنا كمجتمع عن سوانا، مثلا: معدل الوفيات ومعدل الإصابة بالأمراض كالقلب والسكري وغيرها أعلى من باقي المجتمعات في البلاد، كذلك مستوى العنف والجريمة التي تسبب وفيات وإعاقات، فيتم التعامل معه على أنها خطر على الصحة العامة.

أود أن أؤكد على أهمية إعادة تأطير الإنسانية في مفهوم المسؤولية الجماعية، فعلى الرغم من طموحنا للنجاح على الصعيد الفردي إلا أن النجاح كمجتمع الذي يتضمن حوارا بين الطبيب وأفراد المجتمع بعيدا عن الهدف المادي، يخلق تغييرا في المجتمع على المستوى الصحي. على المجموعات المضطهدة والأصلانية البحث في هذه المواضيع والتفكير في الحلول المتاحة، لا أن يقوم الآخرون بالتفكير نيابةً عنهم، ويتمخض عن ذلك إنشاء معرفة مختلفة، وكيفية للتعامل مع هذه المعطيات وقراءتها بشكل مختلف عن الشكل النمطي، وخاصة موضوع الواقع الصحي المتردي للمجموعات الخاضعة للاستعمار والاحتلال كمجتمعنا العربي، قياسا مع المجموعات التي تقوم بممارسات القمع والاحتلال.