دعارة قسرية في المجتمع العربي: فتيات في ضائقة ضحايا الاتجار بالأجساد والجنس

دعارة قسرية في المجتمع العربي: فتيات في ضائقة ضحايا الاتجار بالأجساد والجنس
تصميم عرب ٤٨ | الصورة: pixabay

* نحو مليون من أبناء الشبيبة من جيل 12 إلى 18 عامًا في البلاد يعيشون في ضائقة، 25% بينهم من المجتمع العربي

* 17% من أبناء الشبيبة العرب في ضائقة من الذكور والإناث يتم استغلالهم للدعارة والخدمات الجنسية، حسب معطيات العام 2019

* 236 من أبناء الشبيبة العرب ضحايا الدعارة عام 2019

* أبو رحمون: لا بد من معالجة قضية فتيان وفتيات في ضائقة وما يترسب عنها من مظاهر سلبية بالاتجار الجسدي والجنسي

* عواد: الحديث يدور عن ظاهرة تهدد النسيج المجتمعي ويتم التكتم والتغاضي عنها وعدم إدراجها على أجندة وسلم أولويات المجتمع العربي


تكمنُ خلف ظاهرة فتيان وفتيات في ضائقة في البلدات العربية وانعدام الأطر العلاجية، إلى جانب سياسات الإهمال من قبل السلطات الإسرائيلية في ظل الصمت وحالة اللامبالاة بالمجتمع العربي؛ حالات اتجار بالأجساد واستغلالها جنسيًا، والتي أضحت أشبه بسوق دعارة قسرية، تسقط ضحيتها غالبا فتيات وأبناء شبيبة وأطفال.

لا يمكن الحديث عن الاتجار الجسدي من دون التطرق إلى الوضع الاقتصادي الاجتماعي المتدني في المجتمع العربي والفقر المدقع الذي تعيشه شريحة واسعة من المواطنين العرب، إلى جانب انتشار البطالة وأعمال العنف والجريمة، وهي عوامل وأسباب تعكس السياسات الحكومية الرسمية تجاه المجتمع العربي.

لا يمكن إعفاء المجتمع العربي من هذه المظاهر التي تسير بمنحى خطير نحو تفاقم الاتجار والاستغلال الجنسي والابتزاز لشريحة واسعة من بنات وأبناء الشبيبة، في ظل انعدام شبه تام للتثقيف والتوعية حيال هذه المظاهر، وكيفية التحصن منها وتعميق الوعي المجتمعي لضرورة توفير بيئة حاضنة للفتيان وفتيات في ضائقة.

يبدو أن الوضع ازداد سوءًا في السنوات الأخيرة، بحسب كشف ومتابعة النائبة السابقة عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، المربية نيفين أبو رحمون، لملف فتيات في ضائقة والاتجار الجسدي والجنسي في المجتمع العربي، أمام الوزارات والدوائر الحكومية.

شبيبة في ضائقة

بحسب المعطيات والإحصائيات الرسمية لجمعية "عيلِم"، وهي جمعية لشبيبة في ضائقة، فإن قرابة مليون من أبناء الشبيبة من جيل 12 إلى 18 عاما في البلاد يعيشون في ضائقة، 25% بينهم من المجتمع العربي، إذ إن 17% من أبناء الشبيبة العرب في ضائقة من الذكور والإناث يتم استغلالهم و"بيع" أجسادهم وأجسادهن للدعارة و"الخدمات الجنسية".

وتقدم "عيلم" المساعدة لآلاف من أبناء الشبيبة من المجتمع العربي ممن هم في خطر أو ضائقة من خلال مراكز إرشادية وعلاجية في النقب والجليل، وفرع في الشمال للقاصرين المتضررين جنسيا، سواء الضحايا أو من يقوم بتنفيذ الاعتداء.

ووفقًا للمعطيات من عام 2019، فإن 15% (106 حالات) من مجمل المتوجهين لمراكز "عيلم" للشباب فاقدي المأوى هم من المجتمع العربي، فيما 30% (236 حالة) من أبناء الشبيبة الضالعين بالدعارة هم عرب.

ويلاحظ في السنوات الأخيرة انتشار ظاهرة الاستغلال والاتجار الجنسي والدعارة لفتيان وفتيات في ضائقة على العديد من الأصعدة، بدءًا من الشارع، وفي الشقق السرية، وانتهاء في النوادي الليلية والبارات.

صورة قاتمة

وعلى الرغم من مكوثها في الكنيست لفترة قصيرة لا تتعدى عدة أشهر، إلا أن أبو رحمون كشفت صورة قاتمة بكل ما يتعلق بالاتجار الجسدي والاستغلال الجنسي الجبري وانحدار الفتيات والفتيان العرب للعمل بالدعارة، بسبب الظروف المأساوية التي يعيشونها، وطرحتها أمام الجهات الرسمية ذات الصلة.

وبالنسبة للمربية أبو رحمون، فإن المعطيات التي كشفتها من خلال متابعتها للقضية، تؤكد أن الحديث يدور عن ظاهرة منكشف عليها المجتمع العربي، قائلة إنه "نقرأ ونسمع عن فتيات في ضائقة والاستغلال والابتزاز، والأوضاع الاقتصادية الاجتماعية التي تعتبر أحد أهم الأسباب للوقوع ضحايا في الفخ للاتجار الجسدي والاستغلال الجنسي".

وأكدت أبو رحمون لـ"عرب 48"، أن "المجتمع العربي الذي انكشف على العولمة ومواقع اجتماعية واقتصادية بحاجة ملحة لطرق الأبواب لمعالجة ظاهرة الاتجار الجسدي والحد منها، إذ تكشّف لدى طاقم مناهضة الدعارة حالات كثيرة لنساء وفتيات من المجتمع العربي ونساء فلسطينيات تحديدًا من القدس المحتلة وقعهن ضحايا للابتزاز واضطررن لبيع أجسادهن والعمل بالدعارة".

ولعل الأخطر، وفقًا للمربية أبو رحمون، هو "الفتيات والنساء الفلسطينيات من القدس والضفة الغربية اللواتي يتواجدن في البلاد، وفتيات عربيات من الداخل وقعن ضحية لظاهرة الاتجار الجسدي وبيع الخدمات الجنسية تحت طائلة التهديد والابتزاز، فهناك الكثير من الحالات المختلفة للنساء دون أي مكانة من ناحية المواطنة، وهن ضحايا للسياسية وللقضايا الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية".

الاتجار الجسدي

وشددت أبو رحمون بأن "الحديث يدور عن قضية وطنية من الدرجة الأولى، إذ تهدد ظاهرة الاتجار الجسدي وما يتبعها من ظواهر سلبية أخرى تفتك بأبناء الشبيبة المجتمع العربي"، مؤكدة أنه من خلال متابعتها للملف أمام الدوائر الحكومية خلال فترة وجودها في الكنيست تكشّفت صورة قاتمة ومعطيات خطيرة يتم التكتم عليها، لذا ترى ضرورة أن يتم متابعة هذه الملف من قبل النواب العرب في المشتركة من خلال الكنيست ومختلف اللجان البرلمانية والمكاتب الحكومية والسلطات المحلية.

نيفين أبو رحمون

وإلى جانب طرح القضية برلمانيا، تعتقد أبو رحمون، أنه لا بد من معالجة قضية فتيان وفتيات في ضائقة وما يترتب عنها من مظاهر سلبية بالاتجار الجسدي والجنسي، وذلك من خلال معالجتها عبر المستوى الاجتماعي الاقتصادي وإيجاد حلول عملية وجذرية، وكذلك معالجتها على المستوى المجتمعي، لتكون قضية رأي عام تحركها الأحزاب والحركات السياسية وجمعيات العمل المدني، ومختلف المؤسسات التربوية والتعليمية والسلطات المحلية، ورجال الدين.

العالم الافتراضي

ساحة مهمة أخرى تعتبر فخًا وتساعد على الإيقاع ببنات وأبناء هي شبكة الإنترنت والعالم الافتراضي، إذ نشهد زيادة حقيقية لهذه الظاهرة، سواء كان ذلك في المواقع الإباحية أو الإيقاع وحتى الاتجار الجنسي عبر الشبكات الاجتماعية وفي المنتديات وغرف الدردشة.

كما أن ظاهرة الاستغلال والابتزاز الجنسي والضغط على الفتيات والفتيان والشريحة المجتمعية التي تعيش في ضائقة للعمل في الدعارة، تتم من خلال الدعوات الخاصة أو حتى عبر شبكات وعن طريق سماسرة ينشطون بالمتاجرة بالشبان والفتيات لأغراض الجنس.

يقع الكثير من الفتيان والفتيات في ضائقة، وتحديدا ممن يعيشون دون مأوى وخارج إطار منزل العائلة في فخ تعاطي المخدرات وحتى بيعها، وكذلك الخمور، والكثير منهم يلجأون لارتكاب مخالفات جنائية كالدعارة والسرقة من أجل البقاء والبحث عن الأمان الجسدي والعاطفي، والحصول على المساعدة الإنسانية، والاحتياجات الأساسية التي تشمل الغذاء والملابس والمأوى.

انتقادات شديدة

من جانبها، وجهت مديرة جمعية "نساء ضد العنف" والعاملة الاجتماعية، نائلة عواد، انتقادات شديدة لمختلف المؤسسات الحكومية ذات الصلة، لدورها في إهمال القضايا الاجتماعية، وعدم رصد الميزانيات وتخصيص ملاكات العمل في البلدات العربية من أجل معالجة الظواهر السلبية والتثقيف وتعميق الوعي لمخاطر وتداعيات مثل هذه الظواهر وانعكاسها على المجتمع وأبناء الشبيبة وفتيات في ضائقة، على وجه الخصوص.

وتقول عواد لـ"عرب 48" إن "الحديث يدور، للأسف الشديد، عن ظاهرة تهدد النسيج المجتمعي، ويتم التكتم والتغاضي عنها وعدم إدراجها على أجندة وسلم أولويات المجتمع العربي".

وتعتقد مديرة جمعية "نساء ضد العنف" أن معالجة القضية يكون من خلال نشر الوعي والتثقيف لمختلف شرائح المجتمع والأجيال الشابة، وتحديدا لمخاطر هذه الظاهرة، والتحصن من المخاطر وتوفير المعلومات والمعلومات التي تجنب الشرائح المجتمعية الضعيفة من أن تكون ضحية للاتجار بالأجساد أو الاستغلال.

استغلال الفتيات

وثمة تقارير وإحصائيات يتم التكتم عليها وعدم مناقشتها بعمق، تقول عواد: "هي تقارير تشمل معطيات خطيرة حول انتهاك حقوق الإنسان والنساء والأطفال، والاتجار بالأجساد، في ظل الصمت تجاه هذه الجرائم وتفاقم معاناة أبناء الشبيبة في المجتمع العربي".

وعن ظاهرة الإتجار بالأجساد، تشير عواد إلى أنه يتم استغلال النساء والشباب، وخصوصا شريحة الشباب والصبايا في ضائقة، إذ يتم استغلالهم للعمل بالدعارة وبيع أجسادهم مقابل المال أو توفير المأوى ومتطلبات حياتية أساسية كالطعام والشراب، والتي تعجز هذه الشريحة عن توفيرها لذاتها، بسبب الضائقة التي تعيشها.

وأمام تفشي هذه الظاهرة الخطيرة في أوساط أبناء الشبيبة في ضائقة تكاد تكون الأطر العلاجية والإرشادية معدومة في البلدات العربية، إذ اكتفت الوزارات الحكومية ذات الصلة باستحداث "سيارة علاجية" متنقلة في منطقة حيفا و"الكريوت" بحثًا عن النساء والفتيات ممن جرى الإيقاع بهن ويتاجرن بأجسادهن مقابل المال، بغرض تقديم الإرشاد والدعم لإخراجهن من دائرة العمل بالدعارة أو تقديم العلاج والفحوصات للوقاية من الأمراض.

الخدمات الاجتماعية

وتوضح عواد أنه بسبب انهيار وتراجع نظام الخدمات الاجتماعية في البلاد، تقع الكثير من الفتيات في ضائقة بفخ ودائرة ضغوطات وجهات تعمل على استغلال أجسادهن مقابل دفع الأموال، مؤكدة أن هذه الشريحة من الفتيات تتعرض للابتزاز والتهديد والاعتداء، وهي مُعرضة للأمراض الجنسية المعدية.

لا تقتصر ظاهرة الاتجار بالأجساد والخدمات الجنسية على فتيات في ضائقة ولا تتوقف عند أبناء الشبيبة في ضائقة، إذ تقول عواد إن "الكثير من أبناء الشبيبة والفتيان يخرجون من قراهم العربية إلى منطقة حيفا والكريوت للسهر والترفيه وبحثا عن الفتيات في ضائقة للحصول على خدمات جنسية وإقامة علاقات حميمية مقابل مبالغ زهيدة يدفعونها للفتيات".

وحذرت مديرة جمعية "نساء ضد العنف" من انتشار هذه الظاهرة، قائلة إن "الأولاد يخرجون من قراهم للحصول على ’خدمات جنسية’ ومنهم من يتعرض أيضًا لاستغلال وابتزاز يجبرهم على ممارسة الجنس". ودعت كافة الحركات والفعاليات والجمعيات والأحزاب والسلطات المحلية في المجتمع العربي، إلى أن تقوم بدروها من أجل تطوير عمل وأداء أقسام الرفاه الاجتماعي ورصد الميزانيات وزيادة عدد الوظائف.

خطة توعوية

وشددت عواد على "ضرورة تحضير وإنجاز خطة عمل توعوية وتثقيفية تخصص لأبناء الشبيبة، وتكثيف العمل من خلال المحاضرات في المدارس والمؤسسات التربوية والتعليمية، لتحصين الطلاب والطالبات والأجيال الصاعدة بالمعلومات التي تحميهم من الوقوع في الفخ"، مؤكدة أن "كل طفل أو طفلة في ضائقة لا يجد من يسانده أو يدعمه ويحميه كحصانة مجتمعية سيجد ذاته بالمستقبل في دائرة الاستغلال والابتزاز".

وأوضحت أن "قضية أبناء الشبيبة في ضائقة بالمجتمع العربي، تفتح الباب لطرح مجموعة من التساؤلات عن أسرار ظاهرة الاستغلال الجنسي لهذه الشريحة والصفقات المشبوهة والابتزازات، ومن يقف وراءها ومن المستفيد منها، وما خيوط هذه الشبكات التي تشرف على ما يشبه الاتجار بالبشر لأغراض الجنس، إذ يتم إجبار الفتيان والفتيات، في جيل المراهقة، عبر استغلال ظروفهم على ممارسة الجنس بطريقة مؤذية لأجسادهم".

ولمكافحة هذه الظاهرة بشكل جدي، تقول مديرة جمعية "نساء ضد العنف"، إنه "يجب أن تتوافر الإرادة السياسية والتشريعية للاعتراف أولا بوجود وتفشي هذه الظاهرة في عدة صور، ومن ثم البدء بحملة واسعة تهتم برفع الوعي العام لدى المجتمع العربي بهذه الظاهرة ومخاطرها، وفي الوقت نفسه وضع خطط حقيقية بعيدة المدى لاحتواء المشاكل ومعالجتها، إذ لا يعقل أننا ما زلنا نعيش في مجتمع يصر على كبت والتزام الصمت عندما يتم الحديث عن مواضيع الجنس".

محاولات تهميش

وقالت عواد، إنه "يمكن الاستنتاج أنه في المجتمع العربي الذكوري تتواجد كل الممنوعات والمحظورات، إذ يحظر النقاش والحوار مقابل السيطرة والقوة والهيمنة، فيما تشارك المؤسسات الرسمية والوزارات الحكومية بتكريس الظاهرة وتفاقمها بتقاعسها وامتناعها عن توفير المؤسسات والأطر العلاجية الداعمة لهذه الشريحة المستضعفة، وانعدام شبه تام لبرامج التوعية في المدارس".

نائلة عواد

وأشارت إلى أن "اللافت للانتباه أن محاولات تهميش هذه القضايا والفئات عن الحيز العام في المجتمع تسهم في تعزيز وتفشي الظاهرة وتكريس الاستغلال الجنسي وتوسيع دائرة بيع الأجساد، حتى بموافقة وإرادة الشاب أو الفتاة في ضائقة، والذين يقبلون بيع أجسادهم بسبب عدم وجود أطر بديلة لاحتوائهم".

وختمت مديرة جمعية "نساء ضد العنف" بالقول إنه سياسات الوزارات الحكومية أشبه بعملية ‘إطفاء حرائق’ ودون توفير حلول جذرية وعملية، من خلال اعتماد سياسة التهميش والأقصاء والإهمال لهذه القضايا والملفات، وهو النهج الذي يتماشى مع سياسات الإقصاء والكبت السائدة في البلدات العربية، والتي تتجلى أيضا بكل ما يتعلق بملفات العنف ضد النساء، والتكتم من قبل مكاتب الرفاه الاجتماعي على مظاهر وحالات العنف بالمجتمع، والسعي للتغطية وحل هذه القضايا خارج الأطر العلاجية والدوائر القانونية".