التعليم في زمن كورونا: كيف نتجنب مخاطر الفراغ على الطلاب؟

التعليم في زمن كورونا: كيف نتجنب مخاطر الفراغ على الطلاب؟
(صورة توضيحية)

تلقي جائحة كورونا بظلالها على مختلف مناحي الحياة، ولعلّ أهمها التأثير على المؤسسات التعليمية وجيل الشباب والطلاب الذين عاشوا حالة فراغ بعد إغلاق المؤسسات التعليمية وكذلك المؤسسات التربوية اللا منهجية.

وهناك من يرى أن هذه التأثيرات تحمل مخاطرا على سلوك ونفسية الطلاب، عشية افتتاح السنة الدراسية الجديدة 2020-2021.

فجوات تعليمية وآثار نفسية وتربوية

وحول ذلك، استهلت المحاضرة والباحثة في مجال التربية والتعليم، د. ديانا دعبول، من الناصرة حديثها لـ"عرب 48"، بالقول "بالنسبة لجميع الطلاب فإن المدرسة أو الإطار التعليمي بمثابة البيت الثاني لهم، من حيث عدد الساعات التي يقضوها داخل المدرسة والفعاليات التي يشاركون بها والعلاقات الاجتماعية التي تربط فيما بينهم، كل ذلك يجعل الطلاب يشعرون بكيانهم ووجودهم وأهميتهم في الحياة".

وأشارت إلى أنه "في ظل كورونا غابت العديد من الأمور التي ذكرتها ليتم استبدالها ببعض الفعاليات الفردية داخل المنزل أو الجماعية بواسطة الكمبيوتر، وهذا ما سيؤدي لشعور الطلاب بالاغتراب والبعد والخسارة ويقلل من معنوياتهم للتعلم، إلى جانب ازدياد الفجوة التعليمية بين طالب وآخر، وباعتقادي ذلك يعكس صورة خطيرة لطلابنا وطالباتنا في الفترة الحالية والسابقة في ظل كورونا، بسبب تأثيرها على مناحي حياتهم وتطورهم تعليميا وشخصيا".

د. ديانا دعبول

وتطرقت دعبول إلى الآثار النفسية والتربوية والعلاقات على الطلاب في ظل أوقات الفراغ، بالقول إن "ما حدث بدون سابق إنذار جعل طرق وسبل التواصل التعليمية حتى لو غطت جزءًا من الفراغ، غير ملائمة لاحتياجات الفرد فعلى سبيل المثال عانى بعض الطلاب من عدم توفر أجهزة كمبيوتر لديهم ما أجبرهم على حضور الحصص وإرسال الوظائف عبر الهاتف النقال، وهذه الشريحة من الطلاب استقبلت المواد بشكل أقل من غيرهم وبحجم غير واضح للخط والصورة وتعابير المعلمين، ما أدى إلى إحباطهم وعدم استيعابهم وفهمهم للمواد بالشكل الكافي، ناهيك عن شريحة أخرى عانت من عدم القدرة على التركيز من خلال الشاشات ما أدى إلى فجوة تعليمية إضافية، وهذا كله يزيد في ظل وجود عائلات لا تملك المهارات والأدوات لمساندة أبنائها وبناتها في تقليل الفجوة والدعم التعليمي في البيت".

وتابعت "هناك قسم آخر لم يستطع التواصل عن بعد بسبب عدم توفر جهاز للتواصل، ما أدى إلى فقدانهم المواد وازدياد الإحباط لديهم ما دفعهم للبحث عن طرق وفعاليات لملء أوقات الفراغ من خلال اللعب في الحارات أو اللهو أو البقاء في البيت وقضاء أوقاتهم بأمور غير مجدية، وبالتالي فإن الخطورة تكمن بالتغيرات في سلوكيات الطلاب واعتيادهم على روتين آخر للحياة والتعليم قد يكون أقل نجاعة، وعلى المستوى البعيد تتحول هذه الخطورة إلى تطور سلبي وغير سليم للمهارات المطلوبة لكل جيل، بالإضافة إلى فجوة تعليمية يصعب التقليل منها بعد انتهاء أزمة كورونا".

نصائح وإرشادات

وعن النصائح والإرشادات المطلوبة لمواجهة تأثيرات كورونا، ذكرت أنه "في البداية يجب أن يتذكر الأهالي أن الأطفال والمراهقين بحاجة لدعم وانتباه في هذه الفترة، باعتبار أنها أثرت على مجريات حياتهم وفي فترة مبكرة جدا، علمًا أنهم لا يتمتعون بالمهارات الكافية لمواجهة هذه التأثيرات والتغييرات الحاصلة، ومن هنا فإن دورهم (الأهالي) مهم جدا ويجب أن يتحملوا المسؤولية الكاملة في مساعدة ودعم أبنائهم وبناتهم من اجل إيجاد طرق إيجابية بعيدا عن المخاوف والتساؤلات والقلق بما يخص سيرورة تعليمهم".

ورأت "من المهم ترتيب برنامج روتيني للطلاب خلال النهار حتى لا يشعروا بالملل والخوف، باعتبار أن البرنامج الثابت يجعلهم يشعرون بحياة منظمة وخالية من التغيرات التي قد تؤدي إلى حالة من القلق والضغط النفسي، كما هناك أهمية بالاستعانة بالمدرسة من أجل خلق جو دراسي وتعليمي يساهم في الأساس بالتقليل من فجوات الطلاب التعليمية، فهذا هو الوقت المناسب للتفكير خارج الصندوق والعودة لفعاليات لا منهجية عائلية بأدوات بسيطة وطرق سلسة لتعبئة أوقات الفراغ".

الفراغ يحمل مخاطر تربوية ونفسية

ومن جانبه، استعرض الأخصائي النفسي ومدير مركز الخدمات النفسية في مدينة طمرة، د. شادي صوفي، تداعيات الفراغ النفسية والتربوية على الطلاب، في حديث لـ"عرب 48"، بالقول "الحياة في فترة كورونا صعبة جدا، يصاحبها شعور بأنك ملزم بالتخلي طوعا عن حريتك وبرنامجك اليومي الروتيني وهذا طبعا في معظم المجالات، ولعل أبرزها المجال التعليمي والدراسي في ظل غياب الأطر، الأمر الذي أدى إلى وجود أوقات فراغ لدى الطلاب بعكس ما كان متبعا قبل فترة كورونا".

د. شادي صوفي

وأشار إلى أن "الفراغ قد يخلق نوعا من السخط والغضب الداخلي لدى الطلاب، ما يؤدي إلى تفريغ هذا الغضب بالعصبية المفرطة والتمرد على الأهل، سيما وأن عدم وجود عدد ساعات تعليم بشكل كبير يؤثر سلبا على الأطفال الصغار الذين لا يزالون في طور تعلم القراءة والكتابة خلال الفترة العمرية من 7 إلى 8 أعوام، فهذه المرحلة تشكل نقلة نوعية كبيرة للأطفال لتنمية العمليات المعرفية والحركية والتنفيذية للدعم المستمر لإنشاء مهارات الكتابة والقراءة، أما بالنسبة لباقي الأجيال فهناك مضامين لن يتعلموها ومواضيع ستظل عالقة وكفاءات لن تستقر وتجارب فريدة من نوعها لا يعيشها الطلاب سوى في الفصل الدراسي، كما أن عدم الذهاب إلى الفصل بشكل يومي يعتبر بمثابة عطلة بالنسبة للعديد من الطلاب، وهناك جانب يحن إليه معظم الطلاب وهو التنشئة الاجتماعية إلى جانب روتين الفصل الدراسي والأصدقاء ومشاعر أخرى من أجلها أن تعزز التطور الاجتماعي والعاطفي، فبالنسبة لعدد كبير من الطلاب تعتبر المدارس مراكز لممارسة النشاطات الاجتماعية والتفاعل الإنساني، فعندما لا يتواجد الطلاب يوميا في المدرسة أو في أطر بعد الظهر، يفقد الكثير منهم علاقاتهم الاجتماعية التي لها دور أساسي في التعلم والتطور من ناحية نفسية، وبسبب تكرار الأيام على نفس الوتيرة الثابتة قد تخلق لدى الطلاب نوعا من التعود والتكيف مع الوضع، وتلك الحالة ليست مثالية على الإطلاق بل تتنبأ بمشاكل نفسية قد يتعرضوا لها بعد عودة الحياة لطبيعتها مرة أخرى".

مخاطر الاكتئاب

ونوه صوفي أنه "من الممكن أن يتعرض الطلاب للاكتئاب بدرجاته المختلفة، وذلك لأنهم طوال مدة زمنية لم يعرفوا كيفية التكيف مع الوضع بطريقة مناسبة لأجيالهم وخبراتهم المحدودة في الحياة، فضلا عن وصول معاني كثيرة خاطئة في نفوسهم عن فكرة المرض والموت وعدم جدوى الحياة نتيجة الفزع ومعرفة الكثير من الأخبار السيئة والمحبطة وتعامل الأهل معها، وأيضًا سيُلاحظ تبني بعض الأطفال سلوك أكثر عدوانية وشراسة وقد يكون لذلك انعكاسا لما عاشوه مع الأهل خلال تلك الفترة الصعبة، وبسبب الضغط النفسي الواقع على الكبار قد يتعاملون مع الأطفال بإهمال أو عنف".

وشدد على أهمية "تنظيم جدول يومي بمهام محددة ومتغيرة مثل دراسة وتعليم عن بعد ودورات لاكتساب مهارات جديدة وغيرها، بشرط أن لا يكون الجدول كآلة تتحدى توقف الزمن، لأن هذا آخر ما نحتاجه اليوم، ولعل أجمل ما في أوقات الفراغ هو المطالعة وإن كنتم من الذين لا يفضلون القراءة فهناك تطبيقات تقرأ لكم الكتاب بأصوات مريحة، كذلك بإمكان الأهل قراءة القصص والروايات على أطفالهم".

وختم صوفي بالقول إننا "كأهل علينا أن نمارس الرياضة بشكل يومي ومتفرق مع الأولاد، ومن الممكن أيضًا القيام بعادة إيجابية على أن نقوم باختيارها لأنفسنا وأولادنا من خلالها نساهم يوميا في تغيير شيء بحياتنا، مثل كتابة يوميات أو أبرز ما يحدث معنا أو تطوير المهارات الإبداعية كالرسم والخط والطبخ والابتكار، كما تحديد بعض الوقت للشبكة العنكبوتية من أجل الحفاظ على الترابط الاجتماعي قدر الإمكان".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص