تداعيات كورونا: الاقتصاد في المجتمع العربي رهينة للسوق السوداء

تداعيات كورونا: الاقتصاد في المجتمع العربي رهينة للسوق السوداء
أزمة سير بالشارع التجاري في باقة تعكس الأزمة الاقتصادية (عرب 48)

وَسَط سيناريوهات مبهمة وضبابية حيال حجم الخسائر وماهية التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لأزمة كورونا على المجتمع العربي في البلاد، يواجه قطاع الأعمال وأصحاب المحال التجارية والعائلات العربية أزمات اقتصادية في ظل مضاعفة معدلات البطالة، وانعدام السيولة، والتشديدات بالإجراءات والمعاملات البنكية، وهي الحالة التي غذت ونمت القروض من السوق السوداء والشركات المصرفية الخاصة.

ومع دخول أزمة كورونا شهرها السابع في البلاد ومواصلة العمل بالتقييدات والإجراءات المشددة بعد أسابيع من الإغلاق الشامل، تكشف حجم الخسائر للاقتصاد داخل الأُسري والمجتمع في البلاد عموما وفي المجتمع العربي خصوصا الذي سجل معدلا قياسيا بالبطالة وصل إلى 32% وَسَط استمرار خروج القِوَى العاملة العربية لإجازة غير مدفوعة الثمن، علما أن هناك نحو مليون عاطل من العمل في البلاد.

شروط تعجيزية تحول دون حصول المصالح التجارية على قروض (عرب 48)

وتواجه 70 ألف مصلحة تجارية صغيرة ومتوسطة في المجتمع العربي خطر الإغلاق، مع شح الدعم الحكومي والقروض بضمان الدولة وامتناع البنوك التجارية عن دعمها ومنحها القروض، بحجة المخاطر الاقتصادية وكونها تصنف ضمن مصالح لديها خطورة اقتصادية وصعوبة بتوفير السيولة واسترجاع القروض.

وبات المجتمع العربي من أكثر المتضررين من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لأزمة كورونا، إذ إن مختلف مشروعات الدعم والتمويل الحكومية لدعم المصالح التجارية في البلاد استثنت العرب بسبب الشروط والمعايير التي حددت سلفا، ثم أن البنوك التجارية علقت ظاهرة التسهيلات بمنح القروض للزبائن العرب، مع غياب مشروعات وصناديق تمويل بملكية عربية وشح الموارد للسلطات المحلية العربية.

محال تجارية عربية تواجه تداعيات أزمة كورونا (عرب 48)

تغلغل السوق السوداء

وبسبب السياسات التي حددها مَصْرِف إسرائيل لشركات الائتمان المصرفية والبنوك التجارية ومنحها كل الصلاحيات بمنح القروض لأصحاب المصالح التجارية ورجال الأعمال والمستقلين، وهي الشروط والإجراءات التي عمقت من معاناة الاقتصاد العربي وحالت دون استيفاء الشروط وعدم حصوله على القروض والائتمان، فتحت هذه السياسات الأبواب على مصرعيها لدخول السوق السوداء والشركات المصرفية الخاصة إلى البلدات العربية، التي باتت ملاذا للخروج من مستنقع الأزمة المالية في ظل كورونا.

70 ألف مصلحة تجارية عربية دون دعم حكومي (عرب 48)

وأضحى النشاط الخفي للسوق السوداء في المجتمع العربي الحديث المتداول بين المواطنين في كل قرية ومدينة عربية، إذ يتم سرد تجارِب هذا الشخص أو تلك العائلة أو ذاك صاحب المصلحة التجارية أو الشاب أو الشابة ممن حصلوا على دعم أو قروض من السوق السوداء أو الشركات المصرفية الخاصة، بعد أن تعمقت أزمتهم الاقتصادية وأوصدت المصارف التجارية أبوابها أمامهم.

ولم يكن الملاذ آمنا وفيها الكفاية على المستقبل، بل كان مؤقتا، فبعد أشهر من التجربة وتنفس الصعداء لربما لأسابيع بعد الحصول على القروض من السوق السوداء بنسب فوائد وربا مضاعفة وعالية، كثيرون فقدوا قدرتهم على جدولة ديونهم وباتوا رهينة لمضايقات وملاحقات السوق السوداء التي باتت أشبه بمحاكم التفتيش ومحاكمات ميدانية في كلّما يتعلق باسترجاع أموال مضاعفة عن القروض التي دفعتها لبعض المواطنين والتجار وأصحاب المحال التجارية.

تأثيرات أزمة كورونا على الاقتصاد العربي

ذات المشهد الضبابي بشأن تأثيرات وأثرات أزمة كورونا على الاقتصاد العربي يسرده مدير فرع وكالة المصالح الصغيرة والمتوسطة التابع لوزارة الاقتصاد والصناعة (معوف) في شفاعمرو، د. نايف خالدي، الذي أكد بأن الغالبية العظمى من الفروع التجارية والاقتصادية العربية تضررت وتواجه أزمة مستفحلة، باستثناء قطاعات الغذاء وشبكات التسوق، والنظافة ومواد التنظيف، والبناء.

د. نايف خالدي

وأمام هذا الواقع، بقيت الخِطَّة الاقتصادية الحكومية بالنسبة للبلدات العربية مجرد حبر على ورق، ولم يتم تنفيذها بحذافيرها ولم تطبق بتوسع على أرض ألواقع، حسب خالدي الذي أكد لـ"عرب 48" بوجود 650 ألف مصلحة تجارية صغيرة ومتوسطة في البلاد منها 70 ألف مصلحة صغيرة في المجتمع العربي جميعها تضرر من أزمة كورونا.

وأوضح خالدي أنه منذ بَدْء أزمة كورونا في آذار/ مارس الماضي ولغاية الآن أغلقت 80 ألف مصلحة تجارية كليا، علما أنه قبل أزمة كورونا فإن المعدل السنوي لإغلاق المصالح التجارية في البلاد وقف عند 45 ألف مصلحة كانت تغلق أبوابها سنويا، وبالمقابل كانت تفتح 56 ألف مصلحة جديدة.

عشرات آلاف المصالح تضررت

لا يبشر التحول الاقتصادي بإمكانية الانتعاش أو النهوض من انتكاسة كورونا في الأقل في الحِقْبَة القريبة.

وأوضح خالدي في حديثه لـ"عرب 48" أن "هناك عشرات آلاف المصالح تضررت وهي مهددة بالإغلاق، غالبيتها في قطاع المطاعم والترفيه والمقاهي والمرافق السياحة الداخلية، وقد تغلق أبوابها مستقبلا إذا ما حصلت على قروض بضمان الدولة، ودعم وضخ سيولة نقدية، ومنح القروض من البنوك التجارية".

وعزا مدير فرع وكالة المصالح الصغيرة والمتوسطة، الأضرار التي كبدتها أزمة كورونا للاقتصاد العربي إلى عدم حصول المصالح التجارية على دعم حكومي وقروض بنوك رسمية، وكذلك عدم توفير المدخرات أو رأس مال خاص ترتكز عليه في الأزمات التي تواجهها.

ولفت إلى أن الغالبية العظمى من المصالح التجارية العربية لم تستوف الشروط التي حددتها الحكومة والبنوك للحصول على قروض، إذ إن المصارف عملت بصورة انتقائية في كلّما يتعلق بالموافقة على طلبات الحصول على القروض بدعم الدولة، أي أنها تحكمت في سياسة الإقراض للمصالح التجارية والمساعدات في ظل أزمة كورونا، لكن مع أنّ هذه الشروط التعجيزية، أوضح أنه في "معوف" في شفاعمرو تمكن من مساعدة مصالح تجارية عربية من منطقة شفاعمرو والجليل بالحصول على قروض بضمان الدولة بقيمة 35 مليون شيكل، مبينا بأن 90% من الطلبات التي رفضت تعود لأصحاب المقاهي والمطاعم وأماكن الترفيه ذات الربح المحدود بحجة المخاطرة التجارية بمنح القروض والصعوبة في تسديد الأقساط.

السوق السوداء تشغل مئات ملايين الشواقل في المجتمع العربي

هذا الواقع والسياسيات المصرفية الرسمية والخطط الاقتصادية الحكومية التي أهملت المجتمع العربي ساهمت، إلى حد ما، بانتعاش السوق السوداء ودخول الشركات المصرفية الرسمية إلى الاقتصاد والتجارة العربية.

وقال خالدي، إن "الاقتراض من السوق السوداء، بمنزلة دمار للفرد والمجتمع وليس فقط لقطاع التجارة، فمثل هذه القروض تعني أن صاحب المصلحة أوصدت أمامه كل أبواب البنوك والدعم الحكومي، ثَمّ إغلاق المصلحة والتقشف على مستوى العائلة هو الحل الأمثل والأجدر لمواجهة الأزمة".

وأوضح أن أزمة كورونا وتداعيات حفزت وعززت نشاط السوق السوداء والقروض السوداء والشركات المصرفية، إذ أشارت التقديرات إلى أنها تشغل وتضخ إلى سوق الاقتصاد والتجارة في المجتمع العربي مئات ملايين الشواقل، مبينا أن "المصلحة التجارية التي يقترض صاحبها من السوق السوداء لن تنجو من أن تغلق أبوابها أو تنتقل ملكيتها للسوق السوداء والشركات المصرفية الخاصة".

وأكد أن لجوء الفرد أو العائلة أو صاحب المصلحة التجارية للاقتراض من السوق السوداء بمنزلة انتحار بطيء ودمار اقتصادي وتجاري ومجتمعي، لذا على رجل الأعمال إغلاق المصلحة التجارية إذ لم يكن هناك جدوى اقتصادية وأرباح، ثم أن العائلة مطالبة بالعيش حسب ظروفها ومقدرتها ومدخولاتها وعدم تحميل ذاتها ما لا تطيقه بكل ما يتعلق بعلمها المسبق عدم قدرتها على جدولة الديون بحال حصلت على أي قروض حتى لو كان من المصرف التجاري.

هيمنة السوق السوداء على الاقتصاد العربي

وحذر خالدي من هيمنة وسيطرة السوق السوداء على الاقتصاد العربي والمَحَالّ التجارية في البلدات العربية، مبينا أن السوق السوداء تتوغل بالحكم المحلي العربي، إذ إن العديد من المجالس والبلديات والمؤسسات العربية باتت رهينة في مناقصاتها ومشاريعها لهذه السوق التي تتوغل بأوجه مختلفة في المجتمع العربي.

المنطقة الصناعية بين باقة وجت مستقبل اقتصادي مبهم (عرب 48)

وأشار إلى أن الثمن الذي يدفعه رجل الأعمال أو الفرد أو العائلة بحال عدم القدرة على تسديد القروض وجدولة الديون المتراكمة للسوق السوداء يكون في الغالب التنازل عن ملكية العقارات المنقولة وغير المنقولة، والأراضي إن كانت بملكيته، والمنزل، وأيضا المصلحة التجارية، وتكون السوق السوداء شريكة بها أو يتحول صاحب القرض لموظف ولعامل لديها في مصلحته التجارية التي فقدها بسبب تراكم الديون.

57% من القِوَى العاملة بالقطاعات التقليدية من العرب

ومن جانبه، قال الباحث في مجال الاقتصاد السياسي والمحاضر في جامعة تل أبيب، د. سامي ميعاري، إن "المجتمع العربي من أكثر المتضررين في البلاد من تداعيات جائحة كورونا اقتصاديا واجتماعيا، إذ بلغت نسبة البطالة عند العرب 32% بينما النسبة العامة في البلاد 21%".

د. سامي ميعاري

وأوضح ميعاري في حديثه لـ"عرب 48" أن "المجتمع العربي ما زال يعاني تداعيات وتأثير أزمة كورونا التي ستبقى، على ما يبدو، لزمن طويل، خاصة وأن القِوَى العاملة التي تضررت خرجت لإجازة غير مدفوعة الثمن، علما أن القطاعات الاقتصادية والتجارية المتضررة في البلاد وقطاعات العمل التقليدية تعتمد بالأساس على العمالة العربية، إذ إن 57% من القِوَى العاملة بهذه القطاعات هي من العرب".

ولفت إلى أن "المجتمع العربي وعلى الرغم من تواجده داخل المعادلة الاقتصادية العامة، بيد أنه لا يحظى بالدعم والرعاية والميزانيات الحكومية المرصودة في الخِطَّة الاقتصادية لمواجهة أزمة كورونا ولتدعيم الاقتصاد والمصالح التجارية في البلاد بغية منعها من الانهيار، والمعادلة الحكومية والخطة والميزانيات غير منصفة تجاه العرب، فيما يعاني الحكم المحلي العربي شح الموارد والميزانيات، ثم أن البدائل المتاحة قليلة جدا".

الحاجة لتأسيس صندوق قومي عربي

وأكد الباحث في الاقتصاد السياسي، لـ"عرب 48"، أن "المصالح التجارية في المجتمع العربي بحاجة إلى سيولة وقروض ودعم من صناديق الدولة وتوفير رصيد بنكي".

أزمة سير بالشارع في باقة الغربية تظهر الأزمة الاقتصادية (عرب 48)

وأكد ميعاري أن "الغالبية العظمى من المصالح التجارية لا تحصُل على قروض بكفالة وضمان الدولة، ثم أن البنوك التجارية تتحفظ على منح القروض للعرب ما يعمق أزمة المصالح التجارية التي دخلت بتقشف وتقليص بالقوى العاملة في ظل تراجع المدخولات والارتفاع بتكاليف الإنتاج. إن تفاقم الأزمة الاقتصادية على مستوى الفرد والعائلة والمصالح التجارية دون احتواء تداعياتها، دفع الكثيرين للحصول على قروض من السوق السوداء والشركات ومصارف الشيكات بفائدة عالية جدا التي باتت المسيطر في المجتمع العربي، وبتنا نلمس تأثير قروض السوق السوداء التي ساهمت في تغذية ورفع معدل العنف والجريمة في القرى والمدن العربية".

وأوضح أنه يتم الحديث عن الكثير من الخطط الاقتصادية الحكومية التي تطبق في أحسن الأحوال جزئيا عندما يكون الحديث عن المجتمع العربي، وقال: "نحن، اليوم، بكافة مركبات المجتمع العربي، الحزبية والسياسية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني بأمس الحاجة لتأسيس صندوق قومي للجماهير العربية، وبدون ذلك لن يتم إخراج وإنقاذ المجتمع العربي من الأزمات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص