المسار الأخضر: مقترح لتحصين الاقتصاد العربي ومحاصرة السوق السوداء

المسار الأخضر: مقترح لتحصين الاقتصاد العربي ومحاصرة السوق السوداء
فرض الإغلاق تسبب بشلل تجاري في البلدات العربية ("عرب ٤٨")

تتجه البلاد نحو أكبر أزمة اقتصادية في تاريخها، مع فرض الإغلاق الثاني ومواصلة فرض التقييدات والإجراءات المشددة على سوق العمل ضمن الإستراتيجية الإسرائيلية المتخبطة في مواجهة جائحة كورونا، وفي ظل تسجيل أكثر من مليون عاطل عن العمل، فيما تواجهه قرابة 250 ألف مصلحة تجارية صغيرة ومتوسطة منها 70 ألف في البلدات العربية، خطر الانهيار والإغلاق.

ومن المتوقع أن يؤثر الإغلاق الذي دخل إلى حيّز التنفيذ ظهر يوم الجمعة الماضي، على مختلف القطاعات المجتمعية، ومن ضمنها المجتمع العربي، الذي يعتبر الحلقة الأضعف كونه يعاني من التمييز المتواصل بالميزانيات وانعدام مشاريع البنى التحتية والمناطق الصناعية، والتجارة التقليدية، والاقتصاد الهش المرتهن لسياسات الحكومات المتعاقبة التي تمادت بالتمييز الأمر الذي انعكس سلبا على تطور المجتمع اقتصاديا وتجاريا.

ومن المرجح أن تستمر الأزمة المالية الخانقة التي تلقي بظلالها على المصالح التجارية، حيث تُقدر خسائر الاقتصاد في البلاد جراء الإغلاق الذي يستمر لثلاثة أسابيع، أكثر من 6.5 مليار شيكل، فيما سينضم نحو 200 ألف من القوى العاملة إلى البطالة، الأمر الذي ينذر بتفاقم العجز بموازنة العائلات العربية على وجه الخصوص، التي باتت عاجزة عن جدولة ديونها، الأمر الذي دفع الكثير من الأفراد وأرباب الأسر والتجار للاقتراض من السوق السوداء، ظنا منهم أنها الحل في الأزمة المالية الراهنة.

اقتراض وإفلاس

ويرى مختصون أن الاقتراض من السوق السوداء لتجاوز أزمة مالية، بمثابة كارثة اقتصادية وتدمير للمجتمع، حيث لا خروج من النفق المظلم الذي تمثله القروض من السوق السوداء. وأجمع المختصون على أن التقشف وترشيد الاستهلاك وحتى الإعلان رسميا عن الإفلاس بمثابة الحل الأفضل منعا للغرق بالسوق السوداء، مؤكدين على أنه لا يمكن لأي مصلحة تجارية ولا لرب أسرة تسديد قروض للسوق السوداء بفائدة شهرية تصل إلى 15%.

مجمع تسوق في باقة الغربية. استقدام شبكات إسرائيلية لمنافسة المصالح المحلية الصغيرة ("عرب ٤٨")

تقليصات وتحديات

ومع انتشار ظاهرة الاقتراض من السوق السوداء، قدم الخبير بالاقتصاد الدولي، الدكتور وائل كريم، مقترحا للحكومة أطلق عليه تسمية "المسار الأخضر"، ويقضي المقترح بتشريع قانون يجيز لكل من لديه أموالا نقدية، بإيداعها بالبنوك التجارية دون أي مساءلة عن مصدرها، على أن يُعمل بهذا الإجراء لمدة عام، علما بأن التقديرات الأولية لسلطة الضرائب تشير إلى وجود أكثر من 10 مليار شيكل نقدي مُخزّنة لدى المواطنين.

الدكتور وائل كريم

وفي حديث لـ"عرب 48"، أوضح كريم أن تداعيات أزمة كورونا الاقتصادية فاقمت الأوضاع لدى رجال الأعمال والشركات والمحلات التجارية الصغيرة التي تواجه تحديات وخطر الانهيار في ظل تقليص الميزانيات وغياب خطة الدعم الحكومي للاقتصاد العربي، كما أن ضعف سوق العمل في البلدات العربية وضعف القوة الشرائية بالأسواق المحلية والأضرار التي تكبدتها السياحة الداخلية - مدينة الناصرة على سبيل المثال لا الحصر، حيث وصلت نسبة البطالة إلى حوالي 56% - زادت المشهد التجاري والاقتصادي تعقيدا.

وفي ظل هذه المتغيرات والأزمات بمختلف قطاعات العمل لدى المواطنين العرب، يقول الخبير الاقتصادي: "يبقى قطاع التربية والتعليم الوحيد الذي لم تعصف به الأزمات، وهو القطاع الذي لا يعتبر الأساس أو المصدر المعيشي الأكبر في المجتمع العربي".

فوائد تعجيزية

وأوضح أن المجتمع العربي ما زال يعيش تداعيات الإغلاق الأول وما ترتب عليه من تكدس ديون وبدء ظاهرة القروض من السوق السوداء بفائدة شهرية تصل إلى 15%، التي يصعب على أي شخص الالتزام بالدفعات والأقساط الشهرية لسدادها، ناهيك عن خروج القوة الشرائية خلال شهر رمضان إلى الأسواق اليهودية بدلا من ضخها واستثمارها في البلدات العربية بسبب الإغلاق (الليلي اليومي الذي فرضته الحكومة)، إذ خسر صاحب المصلحة التجارية العربية، السيولة والدخل وبات عاجزا عن شراء البضائع لمتجره.

تشديدات البنوك حفز نشاط السوق السوداء في البلدات العربية ("عرب ٤٨")

ورأى الخبير الاقتصادي أن كل هذه الظروف، إلى جانب تشديد المعاملات لدى البنوك التجارية وامتناعها عن منح القروض سواء الشخصية أو التجارية، كانت بمثابة بيئة حاضنة لاتساع ظاهرة السوق السوداء في البلدات العربية، كما أن غياب خطة حكومية وعدم تيسير القروض لدعم الاقتصاد العربي، ساهم بتوسع الظاهرة ودفع التاجر وأرباب الأسر للإقبال على القروض السوداء.

وعزا كريم تذرع الحكومة والبنوك التجارية بعدم استحقاق العرب للقروض الداعمة للمصالح التجارية، بأن هذه المصالح اعتادت أن تتعامل بمعاملاتها المالية نقدا، وليس لديها تصاريح وكشوفات رسمية حول مدخولاتها، ويُنظر إليها على أنها مصالح تجارية مصنفة كـ"خطيرة" من ناحية تسديد القروض والالتزام بالأقساط الشهرية، وبالتالي هذه الشرائح والقطاعات توجهت إلى السوق السوداء التي باتت أشبه بقنبلة موقوتة تهدد العرب اقتصاديا ومجتمعيا.

تحصين وحصار

وعن الحلول لتدعيم الاقتصاد العربي وتحصينه من الانهيار وسبل محاصرة نشاط السوق السواء، قال كريم: "قدمت مقترح المسار الأخضر الذي يهدف إلى تحصين الاقتصاد العربي على مستوى الأفراد والعائلة والمصالح التجارية بضخ الأموال إليها ومنع انهيارها، بإيداع المبالغ النقدية بدون مساءلة ودون فرض ضريبة بقيمة 10 إلى 15% على الإيداعات، وهو مسار مهم لمحاصرة السوق السوداء والتقليل من ظاهرة القروض السوداء وظاهرة الجباية غير القانونية التي تهدد أيضا النسيج الاجتماعي وتسهم بانتشار العنف والجريمة.

وحذر كريم من مغبة استفحال ظاهرة العنف الاقتصادي مع استمرار النشاط الترويجي للاقتراض من السوق السوداء وصرف الشيكات من قبل الجهات الخاصة وشراء الشيكات بدون رصيد، مؤكدا أن آفة كورونا الاقتصادية أخطر بكثير من الأزمة الصحية التي يمكن لأي مجتمع أن يتجنبها وأن يتعافى منها، لكنه سيكون عاجزا عن التعافي اقتصاديا بسبب السوق السوداء.

وشدد كريم على أنه حتى لو تم طي ملف كورونا صحيا والتوصل إلى لقاح خلال الفترة القريبة، إلا أن الأزمة الاقتصادية ستتواصل لعامين على الأقل، حيث يمكن القول بعد ذلك إنه يمكن التعافي والدخول لمرحلة النمو الاقتصادي.

شبكات تسوق إسرائيلية تفتح فروعا لها على حساب المصالح المحلية، باقة الغربية ("عرب ٤٨")

وخلال هذه الفترة على العائلة وصاحب المصلحة التكييف مع الظروف عبر التقشف وتغيير عادت التسوق، وأيضا اعتماد أنماط التسوق والبيع التجاري الإلكتروني إلى جانب البحث عن مستثمر بالمصلحة التجارية وإدخال شريك بالتجارة، وابتكار تطبيقات للتجارة الإلكترونية تساعد على البيع سواء على مستوى البلدة أو المنطقة، بحسب إرشادات كريم.

اقتراض وإفلاس

ومع دخول الإغلاق الشامل حيز التنفيذ، أوضح المختص بالملفات المالية وقضايا دائرة الإجراء والإفلاس، المحامي بلال عاصي، أن ذلك سيعمق من الأزمة الاقتصادية عربيا على مستوى المجتمع والعائلة، وسينتج عن ذلك تداعيات ستهيمن على التجارة ورجال الأعمال وستحدث تغييرات غير محددة، تلزم الجميع باعتماد خطة تقشف لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي ستطول.

المحامي بلال عاص

ولفت عاصي في حديث لـ"عرب 48"، إلى أن المجتمع العربي ورغم مرور أكثر من سبعة أشهر على جائحة كورونا، وما أنتجته من أزمات اقتصادية واجتماعية ومشاكل مالية وقانونية تتعلق بتراجع القدرة على المصاريف وعدم القدرة على جدولة الديون، لم يستوعب حتى الآن حقيقة ما حصل ويحصل، ويواصل اتباع النهج القديم، وكأنه لا يوجد ترسبات وآثار سلبية على الاقتصاد والتجارة على مستوى الفرد والعائلة.

ولتفادي هذه الأزمة وتداعياتها، يرى عاصي ضرورة تحصين المجتمع والأسرة من خلال خطة تقشف سواء على مستوى المصلحة التجارية أو الفرد والعائلة بغية تفادي إمكانية الاضطرار للاقتراض من السوق السوداء، أو تراكم الديون والعجز مستقبلا عن جدولتها، داعيا إلى إحداث تغييرات في أنماط الاستهلاك والمصاريف والتكيف مع الوضع الجديد، عبر تقليص المصاريف الحياتية والاستغناء عن الكماليات.

خسائر وديون

وفي ظل الجائحة، شدد عاصي على أنه "لا بد على العائلة أو صاحب المصلحة التجارية اعتماد خطة طوارئ للتحصين من الانعكاسات والتداعيات، حيث يلاحظ اتساع ظاهرة الشيكات بدون رصيد سواء على مستوى الفرد أو التجار، وهي ظاهرة ناتجة عن الأزمة الاقتصادية، وعدم ترشيد المصروفات والمدفوعات وقلة السيولة لدرجة انعدامها لدى البعض، وذلك مع التراجع في سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة".

ولفت إلى قروض من السوق السوداء بقيمة عشرات آلاف، وصلت إلى 500 ألف شيكل بغضون أشهر. وأوضح أن هناك من خسر عقاره أو بيته أو أرضه أو مصلحته التجارية أو مدخراته من الذهب ومصاغ زوجته لقاء تسديد القرض الأسود، وذلك عدا عن المشاكل الاجتماعية والعائلية والحالات التي وصلت إلى حد الطلاق وتفكيك الأسرة، وهي الظاهرة التي ستفتك بالمتجمع.

وحذر من تداعيات تراجع مستوى دخل العائلات والمصالح التجارية على النسيج المجتمعي، مؤكدا أن التراجع سيتسارع، والفجوات المالية ستتسع من ناحية المدخولات والمصروفات، بحال لم يتم اعتماد أي خطة لتقليص المصروفات أو الاستغناء على الكماليات.

هيمنة ونهج

الواقع ذاته يعيشه قطاع الشركات الصغيرة والمصالح التجارية ورجال الأعمال في السوق العربي الذي يتكبد خسائر ويغرق بديون تراكمية؛ وقال عاصي: " لذا، البلدات العربية تشهد خلال هذه الفترة حركة نشطة للاقتراض من السوق السوداء والشركات المصرفية الخاصة، دون أن يكون هناك أي رقابة قانونية أو مالية على القروض الخاصة من قبل بنك إسرائيل أو سلطات إنفاذ القانون في البلاد".

وفي حقيقة الأمر، أشار المحامي عاصي إلى أن الأبرز في تداعيات كورونا أيضا هو بروز ظاهرة إعلان الإفلاس، إذ قدمت خلال الفترة بين نيسان/ أبريل وآب/ أغسطس الماضيين، عشرات آلاف طلبات الإفلاس صادقت المحاكم ودوائر الإجراء على أكثر من 3 آلاف طلب، معظمها لأفراد، ونسبة لا يستهان بها من المجتمع العربي.

آلاف المصالح التجارية العربية تواجه خطر الانهيار ("عرب ٤٨")

ولفت إلى أن الأشهر المقبلة ستشهد ارتفاعا غير مسبوق في ملفات دائرة الإجراء بالمحاكم لجدولة الديون وأيضا بطلبات وبلاغات إعلان الإفلاس، خاصة وأن البنوك التجارية ستواصل فرض التشديدات والشروط التعجيزية للمصادقة على القروض، وهو النهج المصرفي الذي يدفع الزبائن للاقتراض من السوق السوداء التي تضخ مبالغ مالية خيالية على السوق العربي وتهمين على الكثير من المصالح التجارية والعقارات.

إجراءات وحجوزات

وأضاف المختص بملفات دائرة الإجراء أنه "دون أدنى شك قد يكون إعلان الإفلاس بشكل قانوني أفضل من الاقتراض من السوق السوداء، لكن ولتفادي الوصول لهذه المرحلة، ولتجاوز احتمال الحصول على قروض سواء خاصة أو من البنوك التجارية، لا بد للعائلة والتاجر ورجل الأعمال من تقليص المصروفات وترشيد الاستهلاك لتفادي مثل هذه الأزمات والإشكاليات القانونية".

وأوضح أن المصالح التجارية الصغيرة هي الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية، وأيضا العائلات ذات المعيل الواحد، هي التي تقع ضمن دائرة الحجوزات بسبب الشيكات بدون رصيد، وهي من تتوجه لدائرة الإجراء وتتقدم بطلبات إعلان الإفلاس بعد أن وصلت لطريق مسدود، بسبب تراكم الديون والعجز عن جدولتها، خصوصا خلال تعاملها مع المصارف والبنوك التجارية التي زادت من وتيرة فرض الحجوزات وتحريك دعاوى قضائية ضد الدائنين لاسترداد أثمان القروض من زبائنها.

وعزا المحامي عاصي حالة الإرباك الاقتصادي في المجتمع العربي سواء على مستوى العائلة أو أصحاب المصالح التجارية، إلى عدم الجهوزية لإمكانيات أزمات طويلة المدى، وصعوبة تقبل فكرة وإمكانية التقشف والاستغناء عن الكماليات، وعدم وجود خطط عمل بديلة لتحصين الاقتصاد الشخصي والتجاري، وانعدام السيولة المدخرة والإفراط بالمصاريف التي عادة ما تفوق المدخولات، والارتهان لسنوات طويلة للبنوك والاقتراض منها حتى من أجل الترفيه وتوفير الكماليات على غرار الرزم سياحية لخارج البلاد.