لسلب الأرض وتهجير العرب.. "كاكال" ينتقم من البيئة في النقب

لسلب الأرض وتهجير العرب.. "كاكال" ينتقم من البيئة في النقب
("عرب ٤٨")

"نحن نجعل الصحراء خضراء"، هكذا يبدأ الصندوق القومي اليهودي (كيرين كاييميت - كاكال) معظم نشراته الهادفة لجمع التبرعات في العالم ولكسب التعاطف العالمي مع اسرائيل، ميزانيات بالمليارات لم يكشف عن حجمها " ككال" حتى اليوم جنتها له هذه الدعاية رغم عدم تزويرها للحقيقة؛ كون الهدف الحقيقي هو تغيير الواقع الديمغرافي عبر سلب العرب أرض وتعزيز الاستيطان اليهودي، ضاربة بسلامة البيئة عرض الحائط.

ويعتمد الصندوق الدائم لإسرائيلي (كاكال)، في تسويق روايته عالميا على الادعاء المتواصل بأنه ينشط لـ" جعل الصحراء خضراء"، لشرعنة عمله في النقب، وبهذه الطريقة سوّق " كاكال" نفسه لعشرات السنوات على أنه في خطوط المواجهة الأمامية في الحرب على الاحتباس الحراري والتغييرات المناخية وما يسميه وظاهرة التصحر العالمية أو تمدد الصحراء .

ويعتبر عنصر الدعاية لـ"كاكال" أحد أهم مركبات استمرار عمله حتى اليوم، الصندوق - الذي سجل حين تأسيسه عام 1901كـ"جمعية عثمانية" ولعب دورًا محوريًا في إقامة دولة اسرائيل ونكبة الشعب الفلسطيني عبر جمع التمويل وشراء الأرض وإقامة المستعمرات – لا يزال يستخدم محاولات التأثير على الرأي العام العالمي، وخلق صورة لـ"استعمار إنساني" أو "استعمار أخضر"، لكسب شرعية الاستيلاء على أراضي العرب حتى اليوم، ولكن هل حقًا يحارب "كاكال" التصحر ويساعد على مقاومة ظاهرة الاحتباس الحراري، إلى جانب إمعانه في استهدافه لهوية الأرض العربية؟

في الأعوام الأخيرة، أثارت هذه الرواية تساؤلات عالمية ليس لأهدافها السياسية فقط ولكن للتأثيرات البيئية لتطبيقها، والتي صنفت فيها ممارسات "كاكال" في العديد من الأوراق البحثية على أنها غير مهنية أو تسبب ضررًا بيئيا أكثر من فائدته؛ إذ لم تساعد ملايين الأشجار التي زرعها "كاكال" في النقب على تبريد المناخ بل زادت الحرارة.

فريد بيرس

في ورقة بحثية نشرتها كلية البيئة في جامعة ييل الأميركية، طرح الباحث والصحافي المتخصص بشؤون البيئة، فريد بيرس، تساؤلات عديدة حول زراعة الأشجار من فصيلة الصنوبريات في جبال النقب. وأوضح بيرس أن 4 ملايين شجرة منتشرة على أكثر من 7,400 أكر (فدان – واحد أكر يشاوي .84046 متر مربع) من الأرض، تثير العديد من المشكلات ويختلف التأثير من تهديد التوازن البيئي وطرد العديد من أنواع الحيوانات من بيئتها الأصلية، كون التأثير المناخي لزراعة هذا النوع من الأشجار الأوروبية والأسترالية الأصل، غير ملائم لبيئة النقب الصحراوية ولا علاقة له بخفض درجات الحرارة أو مقاومة الاحتباس الحراري".

وعرض بيرس في ورقته البحثية نتائج وصل إليها "معهد وايزمان للعلوم" (إسرائيلي) عبر مراقبة طويلة الأمد لعملية تشجير النقب، للباحث في المعهد، دان يكير، وأوضح فيها أن الأشجار المزروعة بواسطة "كاكال" في النقب، لم تساهم في تبريد المناخ أو المساعدة في منع ظاهرة الاحتباس الحراري؛ بل على العكس فالأشجار من فئة الصنوبريات الأوروبية تعمل بشكل مختلف عن تربة النقب الصحراوية في ما يتعلق بدرجات الحرارة، ففي حين تقوم التربة الصحراوية بامتصاص حرارة الشمس وتفريغها في الأرض، تعكس الصنوبريات الحرارة وتعيدها إلى الهواء ما يساهم في زيادة درجات الحرارة العامة وبالتالي تعزيز الظواهر المدمرة للبيئة.

وأوضح البحث أن كل شجرة من أشجار التي زرعها "كاكال"، تخزن قرابة 500 حتى 800 كيلوغرام من غاز الكربون داخلها، ومع عدم ملائمة هذه الأشجار للبيئة الجافة، يُتوقع موت الأشجار وعدم إعادة نموها بشكل ذاتي دون زراعة جديدة، عند موت هذه الأشجار في النهاية ستقوم الأشجار بإطلاق غاز الكربون الحار في الأجواء ما سوف يتسبب بشكل كبير بتقليل منسوب الأمطار في النقب، وستكون النتائج الأكثر كارثية على البيئة النقباوية حسب توقعات البحث، مع حلول العام 2040، في حال نجاة الغابات من الأساس.

شجر غازٍ لقتل التوازن البيئي والتنوع الحيواني

وتشير نفس الدراسة إلى اختفاء عدة أنواع من الطيور والسحالي الأصلية في بيئة النقب، والتي تحتاج إلى التعرض لأشعة الشمس وتساهم في عملية التوازن البيئي، بفعل اختلاف درجات الحرارة وتكاثر أصناف الشجر الغازية، الأمر الذي يؤثر بطبيعة الحال على الكثير من النباتات الأصلية.

عمر عاصي

وفي هذا السياق، أوضح المختص في إدارة الموارد البيئية والباحث عمر عاصي، في حديث لـ"عرب 48": "أعتقد أن المشكلة الأساسية في سياق الأشجار الغازية هي قضية التنوع الحيوية. فعليًا، عند إستيراد إسرائيل أشجار معينة من خارج المنظومة البيئية، وإدخالها إلى البيئة الحالية فهي تمس في وجود أشجار أصلية أو ما يعرف عليه بمصطلح ‘جنس متوطن‘، وهي أشجار أصلية قد تكون ملائمة فقط لبيئة النقب أو لبيئة مماثلة، ينتهي حضورها أو يتعرض للتهديد بسبب الأجناس الغريبة الغازية".

ولفت عاصي إلى أنه "ليس من السهل دراسة التأثيرات الكاملة لعملية إحضار الأجناس الغازية إلى بيئة معينة، ولكن في المحصلة، من المتعارف عليه في الأوساط العلمية أن زراعة أجناس غازية تؤدي إلى نتائج غير مفهومة؛ على سبيل المثال: من النتائج التي توصل إليها الوسط البيئي البحثي في إسرائيل، وتُعرض (النتائج) بشكل خجول، هي أن الأشجار من نوع الصنوبريات التي زرعت في الجليل هي سبب رئيسي في تضخم حرائق الكرمل، وذلك بسبب انفجار حبات الصنوبر وقفزها من الشجرة المحترقة ما تسبب بانتشار الحريق واتساعه بشكل كبير، بالمقابل، أصبح من النادر جدًا في الكرمل رؤية أشجار البلوط أو أشجار محلية أخرى بفعل هذا الجنس الغازي والضار حسب النتائج البحثية".

وشدد عاصي على أن "المشكلة تكمن في رؤية ‘كاكال‘ لعملية زراعة الغابات ككُل، هو بحثهم عن شجرة تستطيع احتلال مساحة واسعة بهدف السيطرة على الأرض، النتائج كما فصلنا سابقًا هي قتل التنوع الحيوي والتأثيرات الكثيرة على البيئة الأصلية، العديد من الأشجار الأصلية بدأت بالاختفاء من أراضينا. مقاومة الشجر المستعمر وحماية التنوع الحيوي واجب، نستطيع فعل هذا بإعادة إحياء مفهوم البستان وهو مفهوم عربي يتميز بالتنوع وتواجد العديد من أنواع الشجر في مكان واحد من التين والزيتون وغيرها ".

مشكلة "كاكال" هي عيش البدو في الصحراء وليس التصحر

تدحض حقائق علمية أخرى رواية "كاكال" بمناقشة أهدافه المعلنة من عملية التشجير، إذ أن فشل التشجير في النقب في تخفيض درجات الحرارة حقيقة العلمية لا يمكن دحضها. وهنا، يطرح السؤال من جديد: هل محاربة التصحر هي ادعاء متين لممارسات "كاكال"؟ هل التصحر مشكلة حقيقية وهل يساعد التشجير (بالأشجار الغازية) حقًا في استصلاح الأراضي الزراعية؟

د. عواد أبو فري

وفي هذا الشأن، قال مدير قسم التكنولوجيا الحيوية (بيو تكنولوجي) في كلية سابير في النقب، د. عواد أبو فريح، في حديث لـ"عرب 48"، إن "الأساس الذي ننطلق منه في فهم وتحليل ممارسات ‘كاكال‘ في النقب هو الأساس المعلن، يعمل الصندوق القومي اليهودي منذ أن سُجل كجمعية عثمانية في فترة الدولة التركية على تسجيل ملكية الأراضي العربية لليهود، هذا هو الهدف المحدد والاختلاف بينه وبين ‘المنهال‘ في ما يسمى بـ‘دائرة أراضي إسرائيل‘، فعلى سبيل المثال يعمل المنهال على كون الملكية على الأرض تتبع للمواطن الإسرائيلي إن كان عربيا أو يهوديا على الأقل، حسب التعريف الرسمي".

وأوضح أبو فريح أنه "في الممارسة يظهر الأمر واضحًا في حال التقاء حدود بلدة عربية مع غابة تابعة لـ‘كاكال‘ وحاجة البلدة للتوسع يرفض الصندوق دخول خريطة القرية في منطقة الغابات بشكل تلقائي، وفي حال التقاء حدود بلدة يهودية مع إحدى الغابات يتم اقتلاع الأشجار بشكل تلقائي والسماح لها بالتوسع. فعليًا وبشكل واضح التشجير هو وسيلة لمنع القرى العربية من التوسع وسلب الأرض".

وعن محاربة التصحر، قال أبو فريح إن "هنالك مفهوما علميا معروفا عالميًا وأجريت عليه الكثير من الدراسات، وهو مفهوم خط التصحر العالمي، والذي يمتد من جبال الأطلس ويمر حتى بلادنا ويلتقي مع ما يسمى في الثقافة العربية بـ‘خط المطر‘، الذي يبدأ من الفلوجة حدود النقب الشمالي".

وتابع أنه "بالرغم من وجود إجماع عالمي على مقاومة التصحر، لكن هل الممارسة الهادفة إلى السيطرة على الأرض عبر تشجير الأراضي الخصبة الزراعية في منطقة شمالي النقب بالأشجار غير المثمرة تعتبر ممارسة خضراء؟ فعليًا زراعة غابات الـ‘كاكال‘ تقلص مساحة الأراضي الزراعية في النقب وتنقص منها لأنها زرعت في مناطق غير صحراوية وقابلة للزراعة، إضافة إلى ذلك فإن التأثير على الحيوانات الصحراوية إلى جانب الأشجار الأصلية ملموس، كما أن ازدياد نسب الرطوبة يعني بروز أنواع جديدة من والنباتات قد تكون سامة للزواحف والحيوانات الصحراوية ولجمالية البيئة".

وأنهى أبو فريح بالتأكيد على أنه "لا إثبات لدى إسرائيل أن هنالك مشكلة تصحر أصلًا في البلاد بشكل عيني، مشكلة المؤسسة الإسرائيلية أن بدو النقب يعيشون في الصحراء، وتريد أن تقضي على الصحراء لتقضي على وجود العرب البدو".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص