كورونا والجريمة: امرأة تواجه هدم منزل أسرتها بعد قتل زوجها

كورونا والجريمة: امرأة تواجه هدم منزل أسرتها بعد قتل زوجها
مسرح الجريمة (أرشيف عرب 48)

ثُكلت نساء في جرائم قتل أزواجهن بالمجتمع العربي في البلاد، وتحوّلن في ليلةٍ وضحاها إلى معيل وحيد للأسرة.

وسط هذه الظروف المأساوية، اقتحمت جائحة كورونا حياتهن لتعمق أزمتهنّ، فتحوّلن إلى خوض مواجهة يومية مع أوضاع الحياة القاسية.

شكّلت جائحة كورونا عبئا اقتصاديا واجتماعيا على العائلات العربية، وساءت أوضاعها يوما بعد الآخر، إلا أن حياة النساء اللواتي فقدن أزواجهن في جرائم القتل هي الأسوأ والأصعب، إذ تحوّلت حياة عائلات بأسرها إلى عذابات متراكمة، في هذه الأيام.

انقلبت حياة شيرين عازم نصر الله من الطيبة، يوم 30 كانون الأول/ ديسمبر عام 2018، رأسا على عقب بعد أن قُتل زوجها محيي الدين نصر الله في جريمة غيّرت كل حياتها. لم تكن هذه المأساة الأخيرة التي تواجهها، فبعد وفاة زوجها بأشهر تسلمت أمر هدم لبيتها الجديد في المنطقة الشمالية لمدينة قلنسوة، ثم اقتحمت عدوى كورونا حياتها لتعمق الأزمات المتتالية.

المرحوم محيي الدين نصر الله

من راهن على قدرة المرأة بتحمل ضنك الحياة؟ إنها نموذج لتحدي المصاعب وتجاوزها. شيرين عازم نصر الله أم لصبيين تحوّلت في لحظةٍ فارقة إلى معيل وحيد وصاحبة المسؤولية الأولى للأسرة.

وعلى الرغم مما تعرضت له المرأة في الأعوام الأخيرة، من مواجهةٍ حتمية مع الحياة، تبدو معنوياتها عالية وقوية وصلبة، مدفوعة بالطموح من أجل مستقبل أولادها.

في هذا التقرير، سلط "عرب 48" الضوء على تفاصيل ما تعيشه امرأة عصامية في الحياة اليومية، بعدما عاشت مأساتين مركزيتين يعاني منهما مجتمع بأسره، جرائم القتل وهدم المنازل.

"عرب 48": كيف أثرت عليك جائحة كورونا؟

نصر الله: اضطررت إلى مضاعفة ساعات عملي، إذ أعمل سكرتيرة في مكتبين. أريد إعالة ولديّ، الأول في المرحلة الإعدادية والثاني في المرحلة الثانوية. كورونا شكلت تحدٍ آخر بالنسبة لي، وخاصة فيما يتعلق بالتعليم عن بعد لولديّ، وكنت أخشى عليهما ألا يندمجا مع منظومة التعليم عن بعد، لأن طبيعة الجلوس مقابل شاشة الهاتف أو الحاسوب طيلة اليوم تشتت التركيز، وبذلك اضطررت للحفاظ على تواصل معهما خلال العمل، فعقلي كان هنا وهناك. أثرت عليّ فترة كورونا في الجانب النفسي أكثر. حقيقة، الوضع النفسي في انهيار ما قبل انتشار كورونا، إذ تنعدم المساعدات وأنا بطبيعتي لا أقبل المساعدة، مع أن عائلتي لم تقصر بتقديم المساعدة، ولكن في هذه الظروف كلٌ لديه همومه واحتياجاته.

"عرب 48": الأعوام الأخيرة شكلت مأساة تطلبت منك تحديها وتجاوزها، كيف واجهتها؟

نصر الله: كل شيء حدث ويحدث معي شكل تحديا كبيرا لي. وفاة زوجي هو تحدٍ بالنسبة لي، تحديت نفسي أولا، حتى بدأت أتحدى في تربية ولديّ، وفي قضية بيتي المهدد بالهدم وفي عملي وفي كل تفاصيل الحياة، كل هذه المآسي جاءت في فترة قصيرة وغيّرت كل الموازين، ولكن عزمت وقبضت على الجمر لأكمل المشوار من أجل ولديّ، وفي الحقيقة لم أتوقع يوما أن أخرج من هذه الأزمة. أتخوف من هذه القضية، كل الأموال التي وضعناها للمحامين من أجل الحصول على تراخيص لا تطمئنني بتفادي الهدم، هذه الدوامة لم أكن أعلم بتفاصيلها البتة، ولكن حين توفي زوجي تُركت وحيدة في هذه المعركة، لأنه الوحيد الذي كان مطلعا على التفاصيل وهو الذي كان يهتم بها.

"عرب 48": كيف تصفين فراق زوجك في جريمة قتل؟

نصر الله: قضينا سوية 20 عاما مليئة بالذكريات التي لا تنسى أبدا، بحلوِها ومُرها. فراقه كان كفيلا بنسف كل الأحلام والآمال، لأنه كان قريبا جدا مني، وعلى قدر القُربة يأتي الألم، ولم أتوقع أنني سأعيش هذه التفاصيل يوما ما. كان في الأمس معنا، وفجأة ذهب ولم يعد، هل يمكن لأحد تخيل هذه الصدمة التي تلازمني إلى الأبد، وكأن شيئا جاثما على صدري؟

"عرب 48": ماذا حصل بعد مقتل زوجك؟

نصر الله: بعد وفاة زوجي محيي الدين تضاعفت المسؤولية علي، لأن الأولاد في هذا الجيل يحتاجون إلى أب يساندهم. وفوق كل ذلك، ظهرت لي قضية أمر هدم بيتنا الذي نعيش به، لتثقل على كاهلي وكأن مقتل زوجي لا يكفيني. حين نسمع عن جريمة نعود إلى التفاصيل القاسية التي عشناها عند تلقينا خبر وفاة زوجي، وحين نسمع أي طلقة رصاصة نستذكر تلك التفاصيل المؤلمة، وكأننا نعيشها اليوم، وكأننا نموت مع كل جريمة نسمع عنها. لم أخرج من مصيبة القتل والفراق بعد لتداهمني مصيبة أمر هدم البيت. هذه المصائب وضعتني لوحدي في المواجهة. عندما نسمع عن جريمة قتل أو نسمع صراخا نعود إلى التفاصيل الصعبة، لحظة تلقي خبر مقتل زوجي، وكأننا نعيش اللحظة اليوم، وكأننا نموت في كل جريمة تقترف في مجتمعنا العربي.

المنزل المهدد بالهدم (عرب 48)

"عرب 48": الفقدان كأنه نهاية العالم؟ كيف صمدت أمام ذلك؟

نصر الله: مرّت عليّ فترات كنت لا أحتمل أي شيء. أصابني اليأس كثيرا، كنت أغضب على أتفه الأمور حتى أصل مرحلة الانهيار، أخرج من البيت إلى لا مكان، أتجول بواسطة السيارة وأحاول أن أتغلب على ظروفي القاهرة، لأنه لا يوجد أصعب من الفراق. ما لم أتوقع مواجهته يوما واجهته، وكأني ألقيت وسط حقل مليء بالذئاب، ماذا ستفعل؟ بالطبع ستحارب من أجل البقاء، وهذا ما حصل معي، كان لا مفر من المواجهة.

"عرب 48": هل تعتقدين أن الجريمة لها حل؟ ومن المسؤول عنها؟

نصر الله: بالنسبة للجريمة أعتقد أنه لا حل لها في وسط مجتمع مسلح. نرى الأبرياء يُقتلون لأن الدولة مهّدت لهذا، لأنها لا تريد المواجهة، وغير معنية بمحاربة الجريمة، الحل بيدها فقط إذا أرادت فهي من يستطع القضاء على عصابات الإجرام.

"عرب 48": هل تعتبرين أنك اجتزت المراحل الصعبة؟

نصر الله: في الظاهر دائما أبدي أنني قوية، ولكن يوجد الكثير من لحظات الانكسار في حياتي. علينا أن نتظاهر بأننا أكبر من المآسي التي أصابتنا من أجل الذين نحبهم، وضعفنا ينعكس على أولادنا، ولذا علي أن أتحمل الصعاب. هذا يثبت مدى قدرة المرأة على تحمل المسؤولية والوقوف بكل التزاماتها.

"عرب 48": ماذا عن الأولاد والمستقل؟

نصر الله: استمد القوة من ولدي، هما فخري الذي أعتز به أمام الناس، ووالدهما سيفتخر بهما، لأن ما أراده من تربية صالحة وتعليم وتثقيف قد حصل، وذلك يمنحني القوة لقطع كل شيء ولأوفر لهما ما يحتاجانه ليستمرا بهذا المستوى. لا أحد يشعر بالألم الحقيقي إلا صاحبه، وليس كل فقدان هو فقدان وهذا يختلف بدرجة الحب للفقيد. لم أشعر بالخوف سابقا، ليس الخوف من البشر إنما الخوف من المستقبل المجهول، فنحن لا نعلم ما يخبئ لنا، فجأة ودون سابق إنذار يمكن لحياتك أن تتحول إلى جحيم.

"عرب 48": ما الذي تطمحين إليه في هذه الأيام؟

نصر الله: أتمنى أن يبقى البيت كما هو وألا يُهدم، لأنه مكان يجمعني بذكرياتٍ جميلة مع المرحوم زوجي. لا أريد أن يُهدم لهذا السبب فقط. وأتمنى أن تعود الحياة كما كانت حيث أمان وراحة نفسية مع أنني أشك بذلك، وألا نعيش بخوف وقلق بعد الآن.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص