رثاء شاعر العرب محمد مهدي الجواهري لجمال عبد الناصر

رثاء شاعر العرب محمد مهدي الجواهري لجمال عبد الناصر

في ذكراك الأولى يا ناصر


شاعر العرب محمد مهدي الجواهري


 



أكبرتُ يومَكَ أن يكون رثاء


الخالدون عهدتُهم أحياءَ


أَوَ يرزقون ؟ أجلْ ، وهذا رزقهم


صنو الخلود وجاهةً وثراءَ


قالوا الحياة فقلت دينُ ُ يُقتضَى


والموتُ قيلَ فقلتُ كان وفاءَ


يا قائد الجيش الشهيد أمضَّه


شوقُ ُفزار جنودَه الشهداءَ


أكبرت يومك أن يكون رثاءَ


أجعلت منه موعداً ولقاءَ ؟


أبرفرف الخلد استفزك طائفُ ُ


لتسامر الخلصانَ والخلطاءَ ؟


أم رمتَ جمعَ الشمل بعد تفرق ؟


أم أن تثيرَ كعهدِكَ الشعراءَ


يا أيها «النسر» المحلق يتقي


فيما يميل عواصفاً هوجاءَ


ينقض عجلاناً فيفلت صيده


ويصيده إذ يحسنُ الإبطاءَ


أَثنى عليك.. وما الثناء عبادة


كم أفسد المتعبدون ثناء


ديةُ الرجالِ إساءتان... مقلل


وأساءَ ، جنب مكثر وأساء


لا يعصم المجدُ الرجالَ ، وإنما


كان العظيم المجد والأخطاءَ


وإذا النفوس ترفعت لم تفتكرْ


لا الا نتقاصَ بها ، ولا الإطراءَ


لا يأبه البحرُ الخضمُّ روافداً


يلقي ، ولا زبداً يطير غثاءَ


لم يَخْلُ غابُ ُلم يحاسب عنده


أسد ، بما يأتي صباح مساء


تُحْصَى عليه العاثرات ، وحسبه


ما فات من وثباته الإحصاء


قد كنتَ شاخصَ أمةٍ ، نسماتها


وهجيرها ، والصبح ، والإمساءَ


ألقتْ عليك غياضَها ، ومروجَها


واستودعتْكَ الرملَ ، والصحراء


كنتَ ابنَ أرضكَ من صميم ترابها


تُعطي الثمارَ ، ولم تكن عنقاءَ


تتحضن السراء من أطباعها


وتلمُّ رغم طباعك الضَّراءَ


قالوا : أبُ ُبر فكانت أمة


ألفاً ، ووحدك كنت فيها الباءَ


خبطت كعشواء عصوراً ، وانثنت


مهزومة ، فأثرتها شعواءَ


وأنرتَ درب الجيل شاءت دربه


حيل الطغاة عميةً تيهاءَ


وعرفتَ إيماناً بشائر وعيه


إذ كان يعرف قبلها إغراءَ


وانصعتَ في سودِ الخطوب لئيمةً


تسدي طلائعه يداً بيضاء


وبرمتَ بالطبقات يحلب بعضُهَا


بعضاً ، كما حلب الرعاةُ الشاءَ


ووددتَ لو لم تعترف شريهما


لا الأغنياءَ بها ولا الفقراءَ


وجهدت أن تمضي قضاءك فيهما


لتشيد مجتمعاً يفيض هناءَ


أسفاً عليك ، فلا الفقير كفيتَه


بؤساً ، ولا طلت الغنيَّ كفاءَ


قد كان حولك ألفُ جار يبتغي


هدماً ، ووحدَكَ مَنْ يريد بناء 


لله صدرك ما أشدَّ ضلوعه


في شدة ، وأرقهن رخاءَ


تَلِجُ السياسة في تناقض حالها


فتطابقُ العزمات والآراءَ


كراً وإحجاماً ، ورقةَ جانب


وصلابةً ، وسلاسةً ودهاءَ


وأريت في « أسوانَ » قدرةَ ساحرٍ


يسعى ليوسع ميتاً أحياءَ


وبعثته حياً. ودست مشككاً


وصفعتَ همازاً به مشَّاءَ


وقمرت شر مقامر وكسبته


وسلبته أوراقه السوداءَ


 


ورددت كيد مكايد في نحره


واصطدته بشباكه إغراءَ


ولففتَ رأس «الأفعوان» بذيله


وقطعتَه ، وخطبتَها بتراء


وصنعت معجزة «القناة» ورعتهم


وسقيتهم حمم الجحيم الماءَ


وعصرتَ طاقات الجموع ، ورزتها


فوجدتها ولاَّدةً عشراء


وجسستَ أوتار النفوس فوقعت


لك طوعاً أنغاَمها السمراءَ


ألقتْ إليك قلوبها وعروقها


سمحاءَ ما شاء الندى معطاء


فإذا نطقتَ ملكتَ مهجةَ سامع


وخشوعها ، والسمعَ والإصغاءَ


وإذا سكتَّ أشاع صمتُكَ رهبةً


حتى يُخال كتيبةً خرساءَ


أثني عليك.. على الجموع يصوغها


الزعماء ، إذ هي تخلق الزعماءَ


ورؤى «حزيران» وحسبك أنه


يُحيي لنا برؤاه « عاشوراء »


ناهضتَ فانتهضتْ تجر وراءها


شمم الجبال عزيمة ومضاءَ


واقتدتها فمشتْ يُسَدِّدُ خطوها


أن كنت أنت دليلها الحداءَ


ونُكسْتْ فانتكستْ. وكنتَ لواءها


يهوي ، فما رضيتْ سواك لواء َ


ثقة يحار بها النهى ، ومعزة


تاهت على هام السهى خيلاءَ


قالوا عمى في العاطفات وندرة


بعث الزعيم عواطفاً عمياءَ


كانوا وعاةً يأخذون طريقهم


للموت ، لا غفلاً ، ولا أجراءَ


خار الضعاف دروبهم ، وتخيرت


همم الرجال مشقة وعناءَ


ما كان ذنبك أن يطول على السرى


ليل يطيل صباحُه الظلماءَ


 


يطوي عليه الناكصون جناحهم


ويضم تحت جناحه العملاءَ


كَلاَّ ، ولا ذنب الجموع بريئة


عذراء من غصب العفاف براءَ


ما كان ذنب كليكما عدد الحصى


أمم تهين بوطئها الحصباء


يا مصر ، نحن الحالمونَ كما ادعوا


حاشا ، وبئستْ نزعة تتراءى


إنَّا رئات في حنايا أمةٍ


راحت بنا تتنفس الصعداءَ


لم نأتِ بدعاً في البيان وإنما


كنا لما حلمتَ به أصداءَ


لسنا ملائكةً ولكنْ حسبنا


إغراؤها ، لنقاوم الإغراءَ


نلقى بما وهبتْ لنا من وحيها


عن كل ما تهبُ الحياةُ عزاءَ


لا هُمَّ عفوك إننا من قلة


خُلقتْ لتعطي حقها الأشياءَ


خلقت لتدرك ما يخامر نملةً


في زحفها ، وحمامةً ورقاءَ


لتعيش مأساة الخليقة كلها


ولتستبين دواءها والداءَ


وارحمنا للمبصرينَ تكلفوا


أن يسدلوا عما يسرون غشاءَ


دوتْ حماسات الرجال ، وأرزمت


حتى لتستبق الجمال رغاءَ


ما أشجع «الآساد» تعجز كلها


عن أن تنازلَ حية رقطاء


خمس مئوون.. ملة وعروبة


تعطي الصغار ثلاثة لقطاءَ


تلهو و«ثاني القبلتين» مباحة


وتعيِّيدُ «المعراجَ والإسراء»


وتزخرف الحلقاتِ كل عشية


لتقيم «زاراً» أو تشن دعاءَ


وتكدس الذهبَ الحرام كأهله


تجد الحياة مذلة وثراء


 


 


وتطارد الفكر الشريف كأنها


منه تطارد « هيضةً » ووباءَ


ويشارك «الدستور» وعي مناضل


بالمجرمين عقوبةً وجزاءَ


وتفلسف الجور العسيف وتجلد


الدين الحنيف ليستحيل غطاءَ


من فوق أعناق المشانق تدلى


خير الرءوس شهامة ووفاءَ


وتكاد أقبية السجون غضاضة


وأسى تصيح لترحم السجناءَ


وتعود تعجب كيف كان مكانها


من حيث تنطلق الحياة وراءَ


فيم التعجب ؟ لا نُحمِّل وزرنا


قدراً ، ولا ما نحن فيه قضاءَ


رحنا نقص من الجناح قوادماً


وخوافياً قَصَّ الغرير رداءَ


ونزف لا الأرض الوطيئة نرتضي


وكراً ولا يرقى الجناحُ سماءَ


ساءلتُ نفسي لا أريد جوابها


أنا أمقت الضراع والبكاءَ


أترى صلاح الدين كان محمقاً


أن يستشيط حمية وإباء


أم عادت « القدسُ » الهوان بعينه ؟


أم عاد دينُ المسلمين رياءَ


يا ابن «الكنانة» وابن كل عظيمة


دهياء تحسن في البلاء بلاءَ


أعززْ علينا أن تساء منبئاً


ما كنت تكرع ، مثلها أنباء


ذُبِحَ «الفداة» ورحتَ أنت ضحية


عنهم ، وما أغنى الفداءُ فداءَ


ذبح «الفداة» وليت ألفي ذابح


عن أصبع منهم يروح وقاءَ


واخزية «الأردن» صبغ ماؤه


من خير أعراق لديه دماء 


لا طاولتْ شمس النهار ضفافَه


وتساقطت رجماً عليه مساءَ


نذروا لأشلاء الغزاة بغربه