عن خيارات الفلسطينيين وفرضية الدولة المستقلة/ ماجد كيالي

شكّلت التداعيات الناجمة عن حرب اوكتوبر 1973 نقطة تحول في الفكر السياسي الفلسطيني، من هدف التحرير إلى هدف الاستقلال، في دولة مستقلة. وقد عكس هذا التحول، في حينه، تماثل النظام الفلسطيني مع النظام العربي، الذي تبنّى هذه الفكرة في وقت مبكر، أي بعد حرب يونيو 1967، ضمن الشعار المعروف: "إزالة آثار العدوان".

لكن التحول نحو تبني هدف الدولة الفلسطينية عبّر أيضا عن انتقال الفلسطينيين من التفكير بالرغبات والعواطف إلى التفكير بموازين القوى والوقائع، ومن التفكير بالماضي إلى التفكير بالحاضر والمستقبل، وكانت هذه نقلة على غاية الأهمية، نسبة لشعب يغلّب العواطف والرموز في النظرية والممارسة السياسيين.

معلوم أن الفلسطينيين أطلقوا كفاحهم المعاصر، في منتصف الستينيات من القرن الماضي، تحت راية التحرير، أي تحرير فلسطين وإنهاء الوجود الصهيوني في المنطقة، بالكفاح المسلح.

وبغض النظر عن شرعية وعدالة هذا الهدف، فإن انتقال الحركة الوطنية الفلسطينية إلى هدف الاستقلال الوطني في دولة مستقلة، وجد شرعيته، هو الآخر، في مجالات عدة، لعل أهمها يكمن في التالي: أولاً، اقتناع الفلسطينيين باستحالة جسر الفجوة في موازين القوى، في ظل اختلال القوى لصالح إسرائيل؛ ثانياً، إدراك الفلسطينيين أن الواقع الدولي والإقليمي يشكل ضمانة لأمن إسرائيل واستمرار وجودها، فالصراع هنا ليس له علاقة بالفلسطينيين لوحدهم، لاسيما أن إسرائيل تتمتع بقوة مضافة بالنظر لانتمائها للغرب وعلاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ ثالثاً، سعي الفلسطينيين للتحايل على العاملين السابقين، أي على موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية المواتية لإسرائيل، والتعويض عنهما؛ وفي هذا الإطار شكّل هدف الدولة الفلسطينية مدخلا لإحراج إسرائيل، سياسيا وأخلاقيا، ولكسب تعاطف الرأي العام الدولي، كما لوضع الفلسطينيين على سكّة تمكنهم من ترميم أوضاعهم وبناء كيانهم السياسي.

بهذا المعنى فإن النقلة السياسية الفلسطينية الحاصلة، التي تتضمن التنازل عن جزء من الوطن التاريخي، كانت مجرد نقلة اضطرارية، وهذا هو معنى الجدل بشأن التمييز بين الاعتراف بوجود إسرائيل وبين الاعتراف بحقها في الوجود. وبمعنى أخر فإن اختلاف موازين القوى والظروف ما كان سيضطر الفلسطينيون إلى هذه النقلة، برغم من حاجتهم إلى بلورة مفهوم التحرير في علاقته بالآخر.

على أية حال فإن انتقال الفلسطينيين إلى حل الدولة المستقلة على 22 بالمئة من أرض وطنهم التاريخي، والذي جرى إقراره بصورته الأولية في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974، لم يسهّل عليهم، فإسرائيل بدت غير مستعدة وغير ناضجة بعد للتعامل مع هذه المبادرة التاريخية الفلسطينية.

والواقع فإن هذه المبادرة ساهمت فقط في تعزيز التعاطف مع الفلسطينيين على الصعيد الدولي، الرسمي والشعبي، وأسهمت في إبراز وتشريع كيانهم السياسي، المتمثل بمنظمة التحرير، كما لعبت دورا كبيرا في إثارة الجدل الداخلي في إسرائيل بشأن موضوعات التسوية.

المهم أن حل الدولة الفلسطينية، برغم كل التنازلات المتضمنة فيه، لم يوضع عمليا على رأس الأجندة السياسية: الإسرائيلية والدولية والإقليمية، إلا مع انطلاق عملية التسوية من مؤتمر مدريد (أواخر العام 1991)، وعلى خلفية التداعيات المحلية والإقليمية والدولية، المتمثلة في الجوانب التالية:

أولاً، الانتفاضة الفلسطينية الكبرى (1987ـ1993) وحالة الجدل التي خلقتها في المجتمع الإسرائيلي بشأن مستقبل الأراضي المحتلة وجدوى السيطرة على شعب أخر، وعلاقة ذلك بضمان الحفاظ على الطبيعة اليهودية لدولة إسرائيل ونظامها الديمقراطي وصورتها الدولية.

ثانياً، حال التفكك التي دبّت في النظام العربي، على خلفية التداعيات الناجمة عن حرب الخليج الثانية (1990ـ1991)، والتي أسهمت في انكفاء البعد العربي في الصراع ضد إسرائيل.

ثالثاً، هيمنة الولايات المتحدة كقطب أوحد على النظام الدولي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق)، وهي التي سعت إلى ترسيخ مكانتها هذه عبر محاولتها السيطرة على التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط، الأمر الذي دفعها لإطلاق عملية التسوية. وهكذا باتت هذه العملية جزءا من محاولات الولايات المتحدة إعادة هيكلة المنطقة الشرق أوسطية.

بعد ذلك جاءت اتفاقية أوسلو (1993) لتنقل الصراع على الدولة الفلسطينية إلى حيز الصراع على ماهية هذه الدولة، حدودها طبيعتها علاقاتها الثمن المطلوب مقابل موافقة إسرائيل على قيامها. وقد شغلت هذه العملية الصراعية الحقبة من العام 1993 حتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في أواخر العام 2000.

وقد بينت هذه الحقبة أن إسرائيل لن تسلم بسهولة بإقامة دولة للفلسطينيين لأسباب عدة، منها: 1) عدم وجود إجماع إسرائيلي على هذه القضية بين الأطياف السياسية الإسرائيلية. 2) غياب أو ضعف الضغط الدولي والإقليمي المناسب على إسرائيل، الذي لم يصل، ولا مرة، إلى الحد الذي يضطرها للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. 3) سعي إسرائيل للتملص من استحقاقات عملية التسوية مع محاولاتها الدؤوبة لفرض الاحتلال كأمر واقع، عبر تعزيز الأنشطة الاستيطانية وبناء الجدار الفاصل وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية وتوثيق ارتباطاتها واعتماديتها على إسرائيل. 4) ممانعة الفلسطينيين لإبداء أي استعداد للتجاوب مع المطالب الإسرائيلية المتعلقة بإبداء تنازلات في مواضيع أخرى مثل القدس واللاجئين، مقابل الدولة؛ وهو ما وضح في رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات للإملاءات الإسرائيلية في مفاوضات كامب ديفيد2 (يوليو 2000).

لكن الأوضاع خلال السنوات الماضية فرضت على إسرائيل تغيير شكل تكيفها مع عملية التسوية، ومع مطلب الدولة الفلسطينية، بدفع من التطورات التي خلقتها الانتفاضة في المجتمع الإسرائيلي (أمنيا وسياسيا وأخلاقيا وديمغرافيا)، ناهيك عن تأثيرات الانتفاضة على الصعيد الدولي، التي أظهرت إسرائيل على حقيقتها كدولة عنصرية استعمارية تسيطر على شعب أخر بالقوة، هذا أولا، وثانيا، بدفع من المتغيرات الدولية الحاصلة (بعد حدث 11 سبتمبر 2001)، لاسيما لجهة سعي الولايات المتحدة لتغيير صورتها في المنطقة وتعزيز مكانتها فيها، في إطار الحرب الدولية على الإرهاب وادعائها السعي لنشر الديمقراطية. وفي هذا الإطار أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1397 (مارس2002) ورؤية الرئيس بوش بشأن الدولة الفلسطينية (يونيو 2002)، ثم خطة خريطة الطريق (أواخر العام 2003).

هكذا سعت إسرائيل، في ظل حكومة شارون اليمينية المتطرفة للالتفاف على الدولة الفلسطينية (وعلى خريطة الطريق) بطرح مشروع الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة (2004)، بحجة عدم وجود شريك فلسطيني للتسوية (!) في محاولة منها لتجنب الضغط الدولي، والالتفاف على استحقاق الدولة الفلسطينية وتحجيمه وتبهيته، وأيضا لتحسين صورتها على الصعيد الدولي.

مشكلة الفلسطينيين هنا أنهم برغم قوتهم، بمعنى قوة الإرادة والحق والعدالة، إلا أنهم الطرف الأضعف في المعادلة السياسية القائمة، في مواجهة الفاعلين الآخرين: إسرائيل والولايات المتحدة والنظام الإقليمي.

هكذا فإن فكرة الدولة الفلسطينية (رغم بعض المآخذ عليها)، تواجه إشكاليات وتحويرات وتحديات كبيرة، إذ ربما يجد الفلسطينيون أنفسهم، عاجلا أم آجلا، أمام واقع دويلة فلسطينية في قطاع غزة مع شكل من أشكال الإدارة الفلسطينية في الضفة الغربية، أو ربما أمام حالة من فرض الأمر الواقع، الذي يعني تأبيد الاحتلال والاستيطان، مع أشكال من الحكم الذاتي.

وإزاء هذا الوضع فإن الفلسطينيين معنيون بمراجعة فكرة الدولة الفلسطينية، من أساسها، طالما أنها باتت متعذرة وطالما أن إسرائيل تعمل على تحجيمها وتبهيتها، ما يضعهم في مواجهة واحد من خيارين استراتيجيين، أولهما يتمثل بالتركيز في هدف الدولة الفلسطينية، باعتباره مشروعا نضاليا مستمرا، وثانيهما، يتمثل بالإقلاع عن هذه الفكرة لصالح خيارات سياسية أخرى، من مثل التحول من هدف الانفصال والاستقلال في دولة مستقلة، نحو هدف التعايش والاندماج والمساواة في دولة ثنائية القومية، أو دولة لمواطنيها.

وعلى كل فإن الأشهر القليلة القادمة ربما تشهد تجاذبات وتحولات سياسية عميقة على خلفية الانسحاب الإسرائيلي المزمع من قطاع غزة، والتوجهات الأمريكية الجديدة في المنطقة، والتحولات الإقليمية، وأيضا على خلفية التغيرات في النظام السياسي الفلسطيني.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019