العراق- فيتنام: بعض عناصر الوصل والفصل/ د.يحيى اليحياوي*

في الثامن عشر من أكتوبر الماضي، سأل صحفي بمحطة "إي.بي.سي" الأمريكية الرئيس بوش عن رأيه في تشبيه توماس فريدمان (من جريدة نيويورك تايمز) للحرب الدائرة بالعراق بالحرب الفيتنامية، أجاب الرئيس الأمريكي بنبرة ملؤها الحسرة المشارفة على الندم: " قد يكون معه حق".

هو اعتراف متأخر، لطالما تهرب الرئيس الأمريكي منه حتى بإضماره لحقيقته وتبرم عن البوح به أو اقتصر على مجاهرة بعض من مقربيه بشأنه، لكن اشتداد ضربات المقاومة العراقية بشهر أكتوبر (قتلها خلاله فقط لأكثر من مائة جندي أمريكي) أثناه عن المكابرة في استحضار ذلك اليوم "الأسود" (يوم الفاتح من يناير من العام 1968) عندما شنت قوات الفيتكونغ أكبر حملة عسكرية على القوات الأمريكية والفيتنامية الجنوبية، عجلت وأشرت من حينه للعد التنازلي العكسي للانسحاب الأمريكي من هناك.

ليست الغاية هنا الاتكاء على هذا الاعتراف الصريح بتشابه الحالتين للتوكيد على ذات التشابه، فهو كان قائما ومؤكدا لدينا منذ اليوم الأول. الغرض هنا إنما تبيان بعض من عناصر الوصل والفصل التي تجعل الحالتين إياهما شبيهتين ومختلفتين في الآن معا، على مستوى المظهر كما بالعديد من معطيات الجوهر.

هو ليس ترفا فكريا من لدننا على الإطلاق، بقدر ما هو تذكير بعبر حرب دارت رحاها من حوالي أربعة عقود من الزمن، لم تستفد منها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل ولم تستحصرها عندما عزمت غزو العراق واحتلاله... و لا يبدو لنا أنها ستسفيد من الحالتين معا فيما تعتزم شنه من غزوات و"فتوحات" قادمة.

وإذا لم يكن بالإمكان، منهجيا على الأقل، التجاوز على تباين السياق أو القفز على اختلاف المرجعيات الناظمة للمقاومة العراقية كما التي ثوت خلف اندلاع المقاومة الفيتنامية، فإنهما يعبران معا عن حالة رفض جماعية لإنزال عسكري ضخم بشرا وعتادا، لم يكن ثمة من سبيل أنجع لمواجهته غير سبيل حرب العصابات كأداة للاستنزاف الطويل المدى، ثم للتحرر والاستقلال بحتمية الأمور.

ثمة بين المقاومة الفيتنامية، التي اندلعت من العام 1968 إلى العام 1975، والمقاومة العراقية التي اندلعت مباشرة بعد سقوط بغداد في التاسع من أبريل من العام 2003، ثمة بينهما أكثر من نقطة وصل تجعل جانب المقارنة واردا وموضوعيا إلى حد بعيد:

* فغزو العراق، كما غزو فيتنام، تم في ظل نفس الحزب (الحزب الجمهوري) على خلفية من وجود أسلحة دمار شامل بالعراق، وعلى أساس من "تواجد شيوعي" بشمال فيتنام يهدد مصالح أمريكا بجنوبه، ويقدم الولاء لغريم سوفياتي تتقدم منظومته بالمنطقة كالنار في الهشيم.

لا تتشابه المسوغات المقدمة هنا في المدخل فحسب (مدخل الخطر الوارد الذي يحتاج إلى رد استباقي عاجل)، بل وأيضا في مسوغات المخرج: فالرئيس نيكسون كان يقول في حينه "ستكون كارثة كبرى إذا سحبنا قواتنا من فيتنام. لن تكون كارثة فقط بالنسبة لفيتنام، ولكن بالنسبة للولايات المتحدة وبالنسبة لبقية السلام في كل العالم... سيكرر الشيوعيون إذا انسحبنا المذابح ذاتها التي ارتكبوها في الماضي"... ويقول الرئيس بوش "ستنهزم أمريكا وسينتصر الإرهابيون إذا سحبنا الأبناء من العراق دون إكمال المهمة التي من أجلها دفعنا بهم" ( بالأولاد يقصد).

وبقدر تشابه مدخلات المسوغات ومخرجاتها، تتشابه أيضا الحرب الكلامية التي تراشق الحزبان في خضمها على خلفية "من ورط الآخر": فالجمهوريون اليوم يتهمون الديموقراطيين بالتقصير، عندما يشيرون إلى تقاعس الرئيس كلينتون في ضرب القاعدة وتحييد الرئيس العراقي في حينه، تماما كما حملوا (أثناء اشتداد الحرب بفيتنام) الرئيسين جونسون وكنيدي المسؤولية في قرارهما إرسال "الأولاد" إلى هناك دونما استشراف قبلي للتبعات.

يبدو بالحالتين معا، أن الإدارة الأمريكية ديموقراطية كانت أم جمهورية، لم تكن تقدر العواقب والتبعات والتداعيات بدقة، فدفعت بالآلاف من الضباط والجنود دونما علم من لدنها بأنها تدفع بهم حتما لخط النار القاتل حتى وإن دججتهم بالسلاح والتكنولوجيا.

لم يكن مبالغا حقا ذاك الذي قال ب"أن نيكسون كان ذكيا ومتعجرفا، وكان ريغان جاهلا ومتواضعا، لكن بوش الإبن جاهلا ومتعجرفا" في الآن معا.

* أما نقطة الوصل الثانية بين الحالتين، فتكمن في الضغط النفسي القوي الذي مارسه الناخب الأمريكي على الرئيس نيكسون في انتخابات الكونغرس للعام 1972، و مورس بالقدر ذاته وأكثر على الرئيس بوش في الانتخابات النصفية التي تمت أواسط شهر نوفمبر... ونظر إلى العمليتين معا من زاوية قياس مدى رضى الناخب إياه على سياسة الرئيسين بإزاء توجيههما وتسييرهما لمجريات الحربين.

وإذا كان دهاء الرئيس نيكسون (الملوح في حينه، على الرغم من عجرفته، بإمكانية "سحب الأولاد") قد مكنه من الاحتفاظ بالأغلبية في الكونغرس بغرفتيه مع إعادة انتخابه لدورة رئاسية ثانية، فإن جهل بوش وعجرفته جعلاه يفقد حزبه الأغلبية بالغرفتين، ويدفعه مكرها للتعايش القسري مع الديموقراطيين.

والدليل على ذلك أن ضغط الناخب الأمريكي لقي تجاوبا من لدن نيكسون الذكي، الذي سحب 50 ألف جندي سنة قبل الانتخابات (على الرغم من موازاته لذلك وحصاره لفيتنام الشمالية قاعدة المقاومة الخلفية)، في حين أن بوش الجاهل والمتعجرف رفض ذلك جملة وبالتفصيل (سيما بجانب جدولة الانسحاب من العراق)، فتجرع مرارة خسارة الغرفتين تماما كما جر على حزبه ويلات التعايش وعلى قاعدته الانتخابية الحسرة والتذمر.

وعلى هذا الأساس، فإن استقالة روبيرت مكنمارا إنما جاءت تمشيا مع "الرغبة في الانسحاب" من الفيتنام (على الرغم من أن الحرب استمرت هناك لسبع سنوات أخرى بعد ذهابه)، في حين أن إقالة دونالد رامسفيلد أتت كتعبير عن "الحاجة إلى تغيير الأسلوب"، وإرضاء لحزب ديموقراطي ليس من الوارد لديه بالوقت الراهن وبكل الأحوال، سحب الجيش الأمريكي بأكمله من العراق دونما ترتيبات بأرض الواقع هناك، أو جدولة زمنية طويلة لذلك... على الأقل في استحالة "النصر السريع" الذي تبجح به الرئيس.

يبدو بهذه النقطة، أنه في حين عمد نيكسون إلى ذكائه في فتح مسالك المفاوضات مع المقاومة الفيتنامية، لا يزال بوش بجهله متعنتا بإزاء مقاومة لا يتوانى في نعت أعضائها بالإرهابيين وفي أحسن الأحوال بالمتمردين... إنه يريد "عودة الأولاد"، ويريد في الآن ذاته "تحقيق النصر".

وإذا بات من الثابت في حينه أن ذهاب مكنمارا لم يوقف الحرب، فإن ذهاب رامسفيلد اليوم لا يؤشر على إيقاف رحاها بالعراق، سيما وقد طلع قائد الجيوش الأمريكية بالمنطقة (جون أبي زيد) بمقولة أن الانسحاب من هناك سيقوي من شوكة "التشدد الإسلامي"، الذي من شأنه إفراز حرب عالمية تماما كما أفرزتها الفاشية بعشرينات القرن الماضي. الورطة كبرى إذن، ومسالك الخروج متعذرة عمليا وعلى المستوى الرمزي، مستوى حفظ ماء الوجه.

* أما نقطة الوصل الثالثة بين الحالتين، فتكمن في تساؤل الأمريكيين اليوم كما البارحة (والفيتناميين والعراقيين معهم) عن الغاية من استمرار الحرب، بعدما تأكد بهتان مسوغات شنها، وبدت علامات الهزيمة على الطرف المعتدي واقعا قائما لا غبار عليه.

بهذه النقطة أيضا، تم التجاوز من لدن نيكسون كما من لدن جونسون كما من لدن بوش الإبن عن التبريرات الممهدة للحرب، ليستقر الأمر لديهم بالمحصلة النهائية على المبرر الأسمى: مبرر "الدفع بالديموقراطية" و"خلق حكومة منتخبة، غير فاسدة ومسؤولة".

قد يجد ذات المسوغ بعضا من الوجاهة لدى المواطن الأمريكي المتوسط المعرفة والمجند إعلاميا، والمطالب فضلا عن ذلك بالثبات خلف الرئيس، لكنه (المسوغ أعني) سرعان ما انهار بفيتنام وينهار اليوم بالعراق في ظل مجريات حرب كانت تحصد يوميا من 25 إلى 30 أمريكي بفيتنام، وتحصد اليوم ببلاد الرافدين من 5 إلى 10 كعدد متوسط للقتلى.

معنى هذا أنه من الغباء حقا أن يصدق المرء دفع الإدارة الأمريكية ب 600 ألف جندي مجند بفيتنام، وما يناهز ال 150 ألف بالعراق (جلهم متطوعون) دفاعا عن الديموقراطية أو جريا وراء إقامتها ...من الغباء حقا أن يصدق المرء ذلك وذات المسوغ لم يأت إلا بعدما تعاظمت الورطة وتراجعت كفة "النصر السريع" أمام التكلفة البشرية والمادية المتزايدة ناهيك عن انسداد أفق الحل العسكري بتضارب التكتيكات والاستراتيجيات وما سواها.

بهذه النقطة كذلك، يبدو أن سبل التجنيد المعتمدة لم تعد كافية لتسويغ حجم الخسائر.

وبناء على ذلك، فإن ما يصل المقاومة الفيتنامية بالمقاومة العراقية، إنما تشابه المبررات التي كانت مدعاة قيامهما وكذا خاصية الرؤساء الأمريكان المكابرين بالبداية، المراوغين بنصف الطريق والمجبرين بالمحصلة على الاغتراف بضخامة الورطة واستحالة كسر شوكة المقاومة.

أما عناصر الفصل بين المقاومتين، فتبدو لنا من أربعة مكونات كبرى هي إلى الموضوعية أقرب منها إلى المكونات الذاتية:

* الأول ويتمثل تحديدا في تباين السياق والظرف التاريخي الذي كون الخيط الناظم لكليهما. فالمقاومة الفيتنامية أتت في ظرف من التوازن الجيوستراتيجي ضمن الاتحاد السوفياتي والصين في ظله العدة والعتاد للمقاومة الفيتنامية (بل لربما عمدت الدولتان معا إلى توريط الأمريكان لإلهائهم لتصرف عنهما النظر)، ومنحتها فيتنام الشمالية الحضانة المادية وأرضية الانطلاق وزودتها، فضلا عن ذلك، بالمتطوعين... في حين أن شرارة المقاومة العراقية أنطلقت في ظل ظرف زمني ميزته الأساس أحادية القطبية، وقدرة الخصم الأمريكي على مراقبة وتجفيف منابع المعونة المتأتية للمقاومة من هذا الحليف أو ذاك، اللهم إلا ما توفر لها من عتاد تقليدي، أو ما تسنى لها تصنيعه بطرق بدائية، أو تم لها تحصيله من هذه المافيا أو تلك، أو حصلت عليه كغنيمة حرب.

ولعل ما يزيد من حجم التضييق على المقاومة العراقية أنها تواجه الاحتلال وحكومة الاحتلال، وتواجه أيضا الميليشيات (المنتشرة كالفطير) ذات الأجندة "الشاذة" والمحتمية بهذا البلد الجار أو ذاك، أو المتطلعة للتحول إلى جيش لخدمة مشروع فيديرالي ترفضه المقاومة في مضمونه كما بالشكل.

هي نقطة فصل كبرى فيما نتصور، ليس فقط لأن السياق الدولي (والداخلي أيضا) خدم المقاومة الفيتنامية وسهل عليها استهداف العدو، ولكن أيضا لأن تبدل ذات السياق دفع المقاومة العراقية للمقاتلة على أكثر من جبهة: مقاتلة الغريب وحليفه المباشر، ومقاتلة من له أجندة لا تتساوق لا مع الاحتلال ولا مع المقاومة، بقدر ما تتساوق مع مشاريع خارجية أخرى.

* أما نقطة الفصل الثانية، فتكمن في تباين الظروف الجغرافية التي ساعدت المقاومة بالفيتنام على الإيقاع بجنود أمريكان لا معرفة لديهم تذكر بأحراش وغابات وكهوف وأنفاق وتضاريس البلاد الوعرة، وجعلت المقاومة العراقية تفعل في فضاءات جغرافية منبسطة، عارية، سهلة الرصد والاستهداف... لكن ذكاءها واكتناز عناصرها لشحنات وطنية ودينية عالية دفعها للتحايل على ذات المعطى، فاعتمدت أسلوب استهداف الاحتلال بعبوات على الطرقات، وبحرب عصابات بالمدن وبإطلاق الصواريخ على مواقعه من بعيد، حتى بتطور التكنولوجيا لديه، وتوفره على عشرات من الأقمار الصناعية العسكرية المتخصصة في المتابعة والرصد.

صحيح أن المقاومة الفيتنامية أبدعت في تأجيج الفلاحين مثلا على الاحتلال، وتحويلهم إلى حلفاء لها (مقابل حفنة أرز في بعض الأحيان)، لكنها لم تكن تفعل (كما هو حال المقاومة العراقية) بمجال تحالف عليها في خضمه الأغراب وذوي القربى سواء بسواء.

هو معطى نسبي إلى حد بعيد، ليس فقط لأن لكل مقاومة ظروفها وسياقها الخاص، ولكن أيضا لأن لكل منها إبداعاته وسبل تحايله على إكراهات الجغرافيا وتكتيكات الاحتلال ومطاردة العملاء.

* أما عنصر الفصل الثالث، فيتمثل في الرافعة الإعلامية القوية التي موسطت لمجريات الحرب بفيتنتام، وتم توظيفها بامتياز من لدن المقاومة الفيتنامية، بجهة إبراز المجازر التي يرتكبها الجيش الأمريكي هناك، كما بجهة تعاطف كبار الصحفيين (بالواشنطن بوسط وبالنيويورك تايمز تحديدا) مع مطلب "عبثية الحرب هناك"، ناهيك عن التذمر الشعبي العارم الذي ترتب عن الخسائر البشرية في مواجهة "ميؤوس من محصلتها" يقول البعض... في حين أن المقاومة العراقية خضعت منذ اليوم الأول ولا تزال، لحملات واسعة من التعتيم والتضليل وحذر على الإعلام (باسم الأمن القومي) تغطية عملياتها، أو التعامل معها (بأمريكا كما بالعراق) خارج منطق الإرهاب والتمرد.

هو معطى سلبي أيضا وبكل المقاييس، لكن المقاومة العراقية تحايلت عليه عبر تمرير ما يتسنى لها تسجيله من عمليات (وإرساله لوسائل الإعلام) أو عبر توظيفها الذكي لشبكة الإنترنيت وما سواها...لكن ذلك يبقى وإلى حد بعيد دون جماهيرية التلفزيون وقدرته على التأثير في الرأي العام.

* أما عنصر الفصل الرابع، فيكمن في مزاوجة البعدين العسكري والسياسي من لدن المقاومة الفيتنامية، وتشديدها الضربات في البعد الأول كمدخل ضغط لتحصيل مكاسب بالثاني.

وإذا كان قبول الإدارة الأمريكية الجلوس إلى هوشي منه قد أتى كنتيجة لضربات المقاومة الفيتنامية الموجعة، وتأكد الإدارة إياها من ضرورة إيجاد مخرج لحفظ ماء الوجه بعدما تأكدت الهزيمة، فإن إدارة بوش الإبن لا تزال تكابر في القبول بمبدأ الجلوس إلى المقاومة العراقية ومفاوضتها بالمباشر المعلن.

صحيح أن المقاومة العراقية لم يتسن لها بعد تحقيق النصر على القوات الأمريكية (معنويا وبأرض المعركة) كما تسنى للمقاومة الفيتنامية إدراكه قبل إرغامها على محاورتها. وصحيح أن مستوى خسارة الأمريكان بالعراق لم يبلغ بعد مستوى ما بلغته بفيتنام ( 65 ألف أمريكي، مقابل حوالي 3000 بالعراق لحد الساعة)، لكن المؤكد فيما نتصور أن المقاومة العراقية قد باتت قاب قوسين أو أدنى من إجبار الأمريكان للجلوس إليها ومفاوضتها وفق شروطها..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018