المبالغة برؤية تأثير بيكر ـ هاملتون علي مستقبل العراق والمنطقة../ د. بشير نافع

ثمة مبالغة تلاحظ هنا وهناك في تقدير الأثر الذي يحتمل ان تتركه توصيات مجموعة دراسة العراق ، المعروف الآن بتقرير بيكر ـ هاملتون، علي سياسة الإدارة الامريكية تجاه العراق والمنطقة العربية. برزت هذه المبالغة في الدوائر الرسمية البريطانية، في تصريحات المسؤولين الإيرانيين والسوريين، في دوائر الحزب الديمقراطي الامريكي، وفي بعض الأوساط الإعلامية العربية. ولكل من هؤلاء أسبابه.

علي نحو ما، تدرك حكومة بلير ان تأثير لندن علي إدارة بوش طوال السنوات الخمس الماضية كان ضئيلاً، أو حتي معدوماً، بالرغم من ان فكرة التأثير كانت المسوغ الرئيسي للتماهي غير المسبوق بين السياسة الخارجية البريطانية وسياسة إدارة الرئيس بوش. لهذا السبب، يبدو تقرير بيكر ـ هاملتون، الذي وصفه بلير بالتطابق مع الرؤية البريطانية للأمور، كأمل أخير في إعادة بناء سياسة امريكية تجاه العراق تستطيع لندن ان تتبناها بثقة وتدافع عنها أمام الرأي العام البريطاني. أما الحزب الديمقراطي، فقد سيطر أخيراً علي مجلسي الكونغرس الامريكي بدون أن تكون لديه سياسة واضحة وموحدة تجاه العراق، بالرغم من ان إخفاق إدارة بوش في العراق كان أحد الأسباب الرئيسة لخسارة الجمهوريين مجلسي الكونغرس. كل ما كان علي الديمقراطيين القيام به خلال الحملة الانتخابية كان توجيه النقد لسياسة بوش وتسليط الضوء علي الكارثة التي انتهي إليها العراق. لم يكن عليهم تقديم استراتيجية بديلة ومتماسكة، لأنهم في الحقيقة افتقدوا مثل هذه السياسة. ما يوفره تقرير بيكر ـ هاملتون للديمقراطيين هو هذه الاستراتيجية، هذا البديل الشرعي لسياسة إدارة بوش، الذي يمكن ان تتوحد صفوفهم عليه وان يتمتع بمصداقية لدي الرأي العام الامريكي. موقف سورية وإيران مختلف قليلاً. كلا البلدين، ولأسباب عديدة، وجد نفسه في صراع محتدم مع إدارة بوش.

وقد قدم لهم تقرير بيكر ـ هاملتون أملاً كبيراً في كسر الحصار والضغوط الامريكية، وتحقيق بعض من المكاسب الاستراتيجية. رأت طهران في التقرير فرصة لقبول دولي ضمني بالبرنامج النووي الإيراني؛ بينما تري فيه دمشق بداية عودة الدور السوري الكبير في المنطقة، في لبنان، في مجريات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفي المشرق العربي ككل.

وحتي بالنسبة للرأي العام العربي، الذي يعكسه عدد ملحوظ من مقالات الرأي وتعليقات الصحف العربية، أطلق تقرير بيكر ـ هاملتون بصيص أمل، ليس فقط لوضع نهاية للماساة الدائرة في العراق، بل أيضاً لحالة الجمود الثقيل التي دخلتها القضية الفلسطينية منذ سنوات. وليس هناك شك في ان بعضاً من توصيات التقرير قد أوحت بمثل هذا الأمل. ففي مقدمة التقرير يقر معدوه العشرة، بخلاف وجهة نظر إدارة بوش، ان الإخفاق في العراق طال كل جوانب المشروع الامريكي، وان الشعب الامريكي منقسم حول العراق انقساماً عميقاً، وان لابد بالتالي من تغيير جوهري في السياسة. أحد أهم توصيات التقرير تدعو إلي انسحاب القوة الامريكية المقاتلة من العراق مع حلول 2008، علي ان يقتصر الوجود الامريكي العسكري بعد ذلك علي قوة تدريب ومساعدة للجيش العراقي من عشرين ألفاً من الجنود الامريكيين. كما يؤكد التقرير علي ضرورة تجنب اعتماد سياسة لتقسيم العراق، ويشير إلي ضرورة وجود مركز قوي للدولة العراقية. وفي مفاجأة للمراقبين الامريكيين والعرب علي السواء، يربط التقرير بين المسألة العراقية والصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويدعو إلي تنشيط مسارات التفاوض جميعها (فلسطين، سورية ولبنان) من أجل إيجاد تسوية. وفيما يتعلق بالمسار الفلسطيني علي وجه الخصوص، لا يتردد التقرير في الإشارة إلي ضرورة التفاوض حتي علي حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. هذه جميعها توجهات تجد ترحيباً في الساحة العربية، سواء في أوساط خصوم الولايات المتحدة والمعارضين لسياساتها الحالية أو في أوساط حلفائها الذين يرون أنفسهم والمنطقة ككل في مواجهة مخاطر كبري لم تكن في الحسبان عندما انطلق مشروع غزو العراق واحتلاله.

بيد ان من الضروري قبل الذهاب طويلاً في طريق التفاؤل ملاحظة الأمور التالية. أولاً، انه بالرغم من ان واضعي التقرير يعتبرون من كبار الشخصيات السياسية وشخصيات العمل العام في الولايات المتحدة، وان هذه المجموعة لدراسة المسألة العراقية قد شكلت بدعم من كتلتي الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس، فإن الإدارة غير ملزمة دستورياً بالتقرير ولا بتوصياته. ثانياً، ان التقرير في النهاية يتبني المقاربة نفسها التي تتبناها الإدارة الامريكية، من ناحية السعي إلي تأمين الفضاء الاستراتيجي المجاور والمحيط بالعراق من أجل انقاذ ما يمكن انقاذه من المشروع الامريكي.

لا يوصي واضعو التقرير بانشاء قواعد عسكرية دائمة في العراق، ولكنهم يفترضون ان عراق المستقبل سيظل يدور في الفلك الامريكي، لاسيما انهم لا يترددون في الموافقة علي التزام امريكي طويل تجاه النظام العراقي الجديد، حتي إن لم يكن هذا الالتزام عسكرياً واسعاً وكبيراً. ثالثاً، ولكن التقرير بالرغم من ذلك تعرض لانتقادات لاذعة بل ولهجوم مباشر من قبل الدوائر المحافظة المرتبطة بالإدارة، التي لم تتردد في نعته بتقرير الهزيمة والتخلي عن هدف الرئيس المعلن في تحقيق النصر. كما ان الرئيس بوش لم يخف فتوره تجاه توصيات التقرير وتقديره للموقف في العراق. الأسباب وراء هذه الانتقادات وهذا الفتور عديدة.

أنصار الدولة العبرية والمدافعون عن مصالحها في واشنطن لا يقبلون، بأي حال من الأحوال، الربط بين المأزق الامريكي في العراق والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهم يرفضون بالتالي انطلاق التفاوض بين الدولة العبرية وأعدائها الفلسطينيين والعرب في ظل ضغوط المأزق العراقي. وإضافة إلي هؤلاء، ثمة من يري في إدارة بوش ان النصر الكامل في العراق لم يزل ممكناً، وأن الثمن الذي سيترتب علي الولايات المتحدة دفعه، استراتيجياً ونفوذاً ودوراً عالمياً، في حال القبول بالهزيمة أو نصف الهزيمة أكبر بكثير من الثمن الذي بات من الضروري دفعه للحصول علي نصر حاسم. السبب الآخر الهام يتعلق بالرئيس نفسه؛ إذ لم يحدث من قبل ان قاد رئيس امريكي بلاده إلي تورط عسكري رئيسي وكان هو شخصياً من وضع نهاية لهذا التورط. لأسباب تتعلق بالسياسة، بسيكولوجيا القيادة، وبمحاولة تخفيف وقع الهزيمة، ستترك إدارة بوش الملف العراقي لمن يخلفها بعد سنتين من الآن، بغض النظر عن الوضع الامريكي في العراق آنذاك. كان ليندون جونسون يدرك عمق الأزمة وحجم الخسائر في فيتنام، ولكنه ترك القرار النهائي للإدارة التالية. ونيكسون، الذي فاز علي أساس تخليص الولايات المتحدة من فيتنام، أمضي أكثر من أربع سنوات في محاولة تطبيق سياسة الفتنمة، أي نقل العبء العسكري إلي الجيش الفيتنامي الجنوبي، قبل ان يأخذ قرار الانسحاب العسكري الكامل.

سيعلن الرئيس الامريكي ملامح استراتيجيته الجديدة في العراق قبل عطلة نهاية العام علي الأرجح. وستحمل هذه الاستراتيجية بالتأكيد تغييراً في السياسة الامريكية. ولكن هذا التغيير سيستند في معظمه إلي مراجعات ثلاث يجري اعدادها داخل الإدارة نفسها منذ شهور: وزارة الدفاع، وزارة الخارجية، ومجلس الأمن القومي. ومن العبث محاولة التنبؤ بما ستنتهي إليه السياسة الجديدة، وبحجم ما سيتبناه الرئيس من توصيات بيكر ـ هاملتون وما سيتجاهله. ولكن هناك عدداً من القضايا التي ستلعب دوراً رئيســاً في تحديد السياسة الامريكية تجاه العراق والمنطقــة ككل:

أولي هذه المسائل هي بنية الدولة العراقية الجديدة. ففي المرحلة الممتدة من لحظة الغرور والصلف التي رافقت احتلال العراق وإسقاط نظامه، إلي لحظة التعجل والارتباك التي صاحبت تصاعد المقاومة، ساهمت إدارة الاحتلال في أو قبلت بإقامة دولة عراقية علي أساس طائفي وعرقي، سلمت مقاليدها في شكل كلي تقريباً للأحزاب الكردية والشيعية.
هذا الأساس للدولة العراقية ما كان له إلا ان يطلق العنف الأهلي الذي نراه، والذي يتوقع له في أي لحظة ان يصبح عنفاً داخل الطائفة الشيعية أيضاً. ما قد يستدعي الحلقة الأخيرة من العنف هو بالتأكيد الأساس التفجيري الآخر للدولة الجديدة، أي الفيدرالية. ثمة نقد امريكي متزايد لأسس الدولة العراقية التي ولدت من رحم الاحتلال، وتدرك الدوائر الامريكية المختلفة ذات الصلة عمق واتساع الرفض العراقي الوطني (العربي السني، قطاعات شيعية واسعة، أغلب أبناء الأقليات المسيحية، وكل العراقيين العلمانيين تقريباً) لبنية الدولة الجديدة ودستورها. وقد تضمن تقرير بيكر ما يوحي بضرورة إعادة النظر في الدستور وبنية الدولة. فإلي أي حد ستتعامل الاستراتيجية الامريكية الجديدة مع هذه المسألة؟ الإجابة علي هذا السؤال ستساهم مساهمة مباشرة في تحديد الاتجاه العام للسياسة الامريكية في كل القضايا الهامة الأخري.

تتعلق المسألة الثانية بالوجود العسكري الامريكي في العراق، ما يخص إقامة قواعد دائمة أو لا، وما يخص بدء انسحاب تدريجي أو زيادة تعداد قوات الاحتلال الحالية. يمثل إعلان جدول انسحاب للقوات الامريكية وغير الامريكية المحتلة للبلاد المطلب الرئيسي للقوي العراقية الوطنية؛ بينما تطالب القوي المتحالفة مع الاحتلال جميعها تقريباً ببقاء القوات الأجنبية. وهناك في الدوائر العسكرية والسياسية الامريكية من يري ضرورة رفد القوات المتواجدة في العراق الآن بثلاثين ألف جندي امريكي آخر، بهدف تأمين بغداد ومن ثم الانطلاق لتأمين مناطق العراق الأخري تدريجياً. دعاة هذا الخيار هم أولئك الذين يعتقدون أن تحقيق نصر امريكي كامل في العراق مازال ممكناً، ويجدون بالطبع تأييداً من سياسيي المنطقة الخضراء العراقيين. سيكون علي الرئيس الامريكي التعامل مع هذه المسألة، لاسيما بعد ان طرح تقرير بيكر ـ هاملتون توصية بانسحاب عسكري كبير خلال عام من الآن.

المسألة الثالثة والأهم علي الإطلاق تتعلق بالموقف الامريكي من الصراع ذي الطابع الطائفي الذي يعصف بالبلاد. فهناك داخل الإدارة الامريكية من يتصور انه بعد ان تورطت الولايات المتحدة في إقامة نظام طائفي، فإن الطريق لتحقيق نصر امريكي هو في في الانحياز للجانب الشيعي وإطلاق يد القوي الشيعية الطائفية لإيقاع هزيمة ولو دموية بالسنة العرب، شعباً ومقاومة، علي ان تقدم القوي الشيعية لواشنطن ما يؤكد استقلالها عن إيران وما يؤكد بقاء العراق في الفلك الامريكي. القرار الامريكي حول هذه المسألة هو واحد من أكثر القرارات حساسية، ليس فقط لعلاقته بالمجزرة التي أوصل الاحتلال العراق إليها، بل أيضاً بالدول العربية المعنية بالشأن العراقي، بما في ذلك أصدقاء واشنطن في المنطقة. بل ان هناك من يقول ان إدارة الاحتلال في بغداد قد بدأت فعلاً في اتباع هذه السياسة.

ما فاقم من تعقيد الوضع العراقي ان المهمة الوطنية لم تعد تقتصر علي هزيمة مشروع الاحتلال (الذي هزم بالفعل)، بل وهزيمة المشروع الطائفي والتقسيمي أيضاً. المراجعة الامريكية المرتقبة لن تأتي للاحتلال بالنصر علي أي حال من الأحوال؛ ولكنها ستؤشر إلي المدي الذي ستطوله آلام العراق وآلام العرب من حوله.


"القدس العربي"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018