لبنان – المشروع التحريري مقابل المشروع الأمريكي / خالد خليل

توصيف الحالة اللبنانية على أنها انقسام بين معسكرين مواليين لأمريكا من جهة، وإيران وسوريا من الجهة الأخرى، وان كلا من المعسكرين تحركه هذه الموالاة، هو بالمحصلة اختزال للنموذج العظيم الذي طورته المقاومة اللبنانية في أعقاب صمودها ونصرها الأسطوريين أمام إسرائيل في حرب تموز الأخيرة.

قبل تحقيق هذا النصر ومنذ الساعات الأولى للحرب أعلنت المقاومة أن النجاح أو الفشل هما نجاح الأمة أو فشلها في حرب تدور رحاها بين مشروعين وليس بين حلفين. من الطبيعي أن ترتسم الأحلاف في ظل المواجهات الكبيرة، حيث يسعى كل فريق لتحقيق وتعزيز مصادر الدعم وتجنيد أصحاب المصالح، وهكذا انقسمت الساحة بين حلفين الأول أمريكا وإسرائيل وكل من يدور في فلكهما من أنظمة عربية وحكومات، بما في ذلك الحكومة اللبنانية، والثاني المقاومة وكل الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، إضافة إلى حكومتي سوريا وإيران، مسنودة من حركات التحرر في العالم.

لم تخرج المقاومة في لبنان من الحرب منتصرة معنويا فقط، حيث لأول مرة في التاريخ تقوم حركة تحرر غير نظامية بتحمل أعباء الدمار المادية التي ولدتها الحرب وتنجح بامتياز في السيطرة على وضع تعجز الحكومات عن تحمله، والاهم من ذلك، ورغم استشهاد 1300 لبنانيا، اشتد عود المقاومة وارتفعت شعبيتها في الشارع اللبناني بشكل لم يسبق له مثيل، حيث بمجرد دعوة من سماحة السيد حسن نصر الله يخرج أكثر من مليون لبناني للتظاهر، أي ثلث المجتمع اللبناني عددا، يمثلون أكثر من ثلثي المجتمع اللبناني فعلا.

ورغم امتلاكها القوة والإمكانيات تأبى هذه المقاومة تفعيلها في حسم الصراع السياسي مع فريق السلطة إلا بوسائل ديمقراطية سلمية هي الأخرى فريدة من نوعها، وتعتبر نموذجا مميزا من حيث الشكل والمضمون. فالاعتصام الكبير والمتواصل شكل بلا شك خطوة على طريق عصيان مدني لم تعرفه حركة التحرر العربية في منطقتنا، وهو درس آخر جديد في المقاومة وإحداث التغيير المستند أساسا للجماهير، وبذلك تكون المقاومة اللبنانية ليس فقط نموذجا للصمود العسكري وإنما أيضا تتصدر بامتياز حركة التحرر الوطني العربية وتقودها نحو تغيير لا بد آت في عواصم ودول عربية أخرى.

وبغض النظر عن خلفية حزب الله التاريخية كونه شكل في الماضي تياراً مذهبياً مقاوماً للاحتلال، إلا انه ليس مثاراً للخلاف اليوم تجاوز الحزب للمذهبية والتحول الفعلي إلى قائد الحركة القومية الديمقراطية في الوطن العربي بجدارة، إن كان من حيث الخطاب أم من حيث الممارسة الفعلية لأساليب النضال العنيفة والسلمية على حد سواء، ومن خلال سعيه الحالي لتجاوز الصيغ التوافقية المتقادمة بين الطوائف والأحزاب في لبنان، عبر إفشال محاولات فريق السلطة لتأجيج الفتنة الطائفية تمشياً مع المشروع الأمريكي التقسيمي.

يرى المراقب لتطورات الأمور على الساحة اللبنانية بوضوح أن إستراتيجية التقسيم الطائفي، التي شكلت حتى الآن ركنا أساسيا في إستراتيجية الأمن والاستقرار الأمريكية، في طريقها إلى الفشل رغم المحاولات الحثيثة لفريق السلطة لتأجيجه وتغليبه على الطابع السياسي للصراع، خاصة بعد السقطات المتتالية التي وقع فيها هذا الفريق نتيجة الدقة والحكمة اللتين تتمتع بهما المعارضة اللبنانية، النابعة أصلا من معرفتها لدورها كمتصدرة للصراع في مواجهة المشروع الأمريكي.

إنه لمن السذاجة بمكان الاعتقاد أن لا تصب أمريكا جام جهدها في ساحة لبنان لنصرة حلفائها وحسم المعركة لصالح الفريق الحاكم، فهي تعرف أن هزيمة هذا الفريق تشكل ضربة قوية لمشروعها في الشرق الأوسط تكون مقدمة لتغيرات حاسمة في المنطقة برمتها.

وهذا الجهد الأمريكي يشمل كل الساحات والجبهات السياسية، الإعلامية، الثقافية تحديداً، خاصة بعد فشل الخيار العسكري وانتصار المقاومة بامتياز أمام اكبر قوة عسكرية في المنطقة، وتأجيل أو تعطيل ممارسة النفوذ الاقتصادي من خلال الركوب على موجة الدمار الذي خلفته الحرب، فلا المعارضة ولا الناس بحاجة إلى الدعم الاقتصادي بعد ما وفرت المقاومة ذلك، في حين أغرقت الحكومة اللبنانية البلد بأوحال الديون المتراكمة، فأدخلتها هي نفسها بأزمة يتعسر حلها، علاوة على كونه غير ذي فائدة في المدى المنظور.

أما على الصعيد السياسي فان حشد جميع حلفاء أمريكا العرب لم يؤت أكله حتى الآن، لتغيير مسار الإطاحة بالحكومة اللبنانية عبر الشارع، من خلال طرح مبادرات وخدع سياسية جندت لها حتى الجامعة العربية. ومن المؤسف أن أمريكا التي لم تنجح حتى الآن بتأجيج الاقتتال الداخلي اللبناني، نجحت بإشعال فتيل الفتنة والاقتتال الداخلي الفلسطيني من خلال حلفائها في السلطة الفلسطينية الذين اختاروا هذه المرحلة بالذات لتصعيد الخلاف مع حماس وجرها إلى آتون الحرب الأهلية أو تحييدها من السلطة بشتى الطرق والوسائل. قد تكون هذه محاولة أمريكية لحجب الأنظار عن الساحة اللبنانية، وقد تنم أيضا عن إصابة عصفورين بحجر واحد كما يقول مثلنا الشعبي. فهل تتعظ حركة حماس وتحتوي محاولة جرها إلى الاقتتال الداخلي.

ثقافياً وإعلاميا، لا تنفك الإدارة الأمريكية عن تجنيد مثقفي وإعلاميي الأنظمة المتهرئة في الشرق الأوسط وزجهم في معركة سرقة الانتصار من المقاومة والتنظير للمغامرة والمخاطرة والحرب الطائفية.....الخ. ومثل هؤلاء المثقفين لا توجد عثرات أمام تجنيدهم، بل إنهم أصبحوا خبراء بلغة الإشارة، وسرعان ما يتحركون بكل قواهم لخدمة المشروع الأمريكي ولي نعمتهم.

الأخطر من هؤلاء أولئك المثقفون والإعلاميون الذين صنفوا إلى حد قريب داخل الحركات الوطنية في بلدانهم، فجندتهم أمريكا مباشرة أو من خلال وسطاء يبدون على الحياد أو يفتعلونه.
ولا تخلو ساحتنا نحن عرب الداخل ممن تجندوا أو جندوا للهجوم على إيران حتى قبل العدوان الأخير على لبنان، وكل ذلك باسم العروبة أو الحرص على حماية الوطن من الفرس والعجم، والانكى من ذلك الهجوم على المقاومة بالضبط مثلما تفعل أمريكا وإسرائيل، مع فرق واحد هو أن هذا الهجوم آت من داخل الحركة الوطنية، الأمر الذي لا يبقي أمامنا مجال سوى تصنيف كتاب وأدباء من هذا القبيل إلا ضمن دائرة المأجورين أو الطائفيين، أو كما قال المناضل نجاح واكيم مؤخراً في مقابلة تلفزيونية: من ليس مع المقاومة هو إما عميل أو عميل، واحد يجهل عمالته والآخر يمارسها مع سبق الإصرار والترصد، والنتيجة واحدة.

لم يعد خافيا اليوم أن المشروع القومي الديمقراطي على امتداد الوطن العربي بات مستهدفاً أكثر من أي وقت مضى، مما يستدعي ويفرض على الحركات الوطنية الديمقراطية استثمار نصر المقاومة في لبنان والإقتداء بالنموذج الراقي الذي وفرته، بهدف تعزيز العداء للمشروع الأمريكي وإسقاطه، وتعظيم نفوذ الحركات الوطنية في شارعها حتى النهوض بديلا للخمول الذي ميزها إلى أمد طويل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018