الجهد المطلوب لإعادة اختراع الإجماع الوطني الفلسطيني.. / صالح بشير

قد يبقى السعي إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أسلم الخيارت المتاحة، في الظرف الراهن، أمام الفلسطينيين، على قلة تلك الخيارات وضمورها. الفارق بينها وبين الانتخابات المبكرة أن الأولى تفترض الوفاق وتنشده مهما كان عسيرا، وأن الثانية، إن تقررت وخيضت، ستفتح معركة، ستكون ضارية، وإن لم يتخللها السلاح، قوامها تأكيد الاصطفاف والالحاح على تمايز المواقع، وإبراز الخلاف والاختلاف وحشد الأنصار على أساسهما حصرا، واحتداد الانقسام الفلسطيني، وقد بلغ شفير الحرب الأهلية أو ولغ فيها، عوض تذليله.

ليس القول بذلك انتصارا لموقف حركة حماس وحكومتها، اللتين قابلتا دعوة الرئيس محمود عباس إجراء الانتخابات المبكرة باتهامات لا تترفع عن التخوين ولا تتورع عنه، إذ وصمت الرجل بأنه أداة تنفذ إرادة أميركية أو إسرائيلية ونسبت إليه نوايا «انقلابية»، فوضعتا غليظ القول والتحليل موضع المقاربة المتعقلة والمسؤولة. بل إن ما يدعو إلى استبعاد ذلك الاقتراع عوامل أخرى لعل أبرزها وأكثرها بداهة (قبل الخوض في سواه) أن مناخ الحرب الأهلية ليس الظرف المناسب، علما بأن المناخ الفلسطيني الراهن من تلك الطينة وفي ذلك العِداد، لإجراء الاستشارات الانتخابية، إذ بين الأمرين، التنازع الأهلي وفعل الاقتراع، تناقض مبدئي وجوهري وعلاقة إلغاء متبادل، ويُخشى أن يكون الإلغاء ذاك، في مثل هذه الحالات، لفائدة الاحتمال الأنكى والأفدح.

من زاوية النظر هذه، يبدو قرار الرئيس الفلسطيني غير واقعي، مع أنه يتوخى الصواب من الناحية النظرية أو المبدئية... فهاجس الرجل جلي ومشروع، والهاجس ذاك لا يتمثل بطبيعة الحال في الخيانة أو الانقلاب على ما زعمت حماس. فهو من ناحية يسعى إلى تحكيم الناخب الفلسطيني لحل أزمة تفاقمت واستعصت حتى تردّت مواجهات في الشوارع واغتيالا واغتيالا مضادا، وهو من ناحية أخرى، إذ دعا إلى انتخابات مبكرة رئاسية وتشريعية، إنما ينشد إحلال الانسجام بين الرئاستين، رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة، ينهي تنافرهما وتناشزهما الحاليين والمتأزميْن والبالغي التكلفة. إذ يُستبعد، مع أن ذلك ليس بالأمر المؤكد، في حال إجراء الاقتراعين متزامنيْن أو متقاربيْن أن يتوزع ولاء الناخب الفلسطيني على نحو لا عقلاني، فيمحض كلاّ من الطرفين أغلبية نقيضا للآخر، فيعيد بذلك إنتاج الاستعصاء الراهن. من هذه الناحية إذاً، لا غبار على مقاربة الرئيس الفلسطيني، ولو تعلق الأمر بمجرد فرض مدرسي، لحصل بالتأكيد على علامة جيدة... وفي هذه الدعوة من قبل أبي مازن إلى إجراء الاقتراعين ما يدحض، بالمناسبة، ما ذهبت إليه حركة حماس من أنه يبيت نية انقلابية، فهو لو أراد انقلابا لاكتفى بقرار بحل البرلمان وبالدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة دون أن يخاطر برئاسته للسلطة.

عاهة المقاربة التي توخاها محمود عباس لا تقع بالتالي على ذلك الصعيد. ليست النوايا الكامنة وراءها هي التي تُبطلها ولا مدى التزامها المعايير الديموقراطية. مشكلتها، على ما سبقت الإشارة، أنها تريد إحلال التنافس الانتخابي، الذي يفترص فيه تعريفا أن يكون سلميا، في مناخ من الاحتراب والعنف الأهليين، وأنها بذلك تجازف بإلحاق هذا بذاك، في حين أن وازعها استبدال هذا بذاك... لا يمكن للانتخاب أن يستوي بديلا عن التنازع إلا بعد استتباب السلم الأهلي. فهو نتاج للسلام الأهلي ووظيفته، من هذه الناحية، في الحفاظ عليه أقرب إلى الإجرائية، أي أنه ليس قابلته أو أداة اجتراحه. مثل تلك القابلة ومثل تلك الأداة تتمثلان في الاهتداء إلى قاعدة إجماعية أو وفاقية، طوعية أو يستقر عليها ميزان القوة الداخلي، تتيح التعبير عن التباين والاختلاف بقدر ما تضبطهما وتحول دون بلوغهما مبلغ الحرب المفتوحة.

والحال أن الفلسطيننيين باتوا يفتقدون تلك القاعدة الإجماعية التي يمكنها أن توفر الأساس لتنافس انتخابي، ويحول دون تردي هذا الأخير إلى بعد من أبعاد نزاع أهلي أضحى ماثلا دمويا، وإلى ساحة من ساحات خوضه. فالمواقف بين الطرفين الفلسطينيين الأكبر متناقضة حول كل ما هو جوهري تقريبا، من تعريف الوطنية الفلسطينية ذاتها إلى شؤون الحرب والسلم (التسوية أو الامتناع عنها في الحالة الفلسطينية)، إلى النظرة إلى التحالفات الخارجية، إلى طبيعة المجتمع، إلى ما يلوح من نذر اصطفاف سكاني-جغرافي، بين قطاعِ غزة، والغلبة فيه لحماس، وبين ضفةٍ غربية أضحت، بقوة الأشياء وبفعل فرز مستجدّ، معقلا لحركة فتح، هذا ناهيك عما يلوح من توزع المنظمتين الفلسطينيتين بين محوري الانقسام الإقليمي: حماس المندرجة في معسكر إيران-سورية-حزب الله، وفتح المنسجمة مع معسكر «الاعتدال» العربي... وبديهي أن لكل تلك التباينات الأساسية امتداداتها داخل الجهمور الفلسطيني وناخبيه.

لكل ذلك، ربما تعين أن ينصرف الجهد إلى إعادة اختراع الإجماع الوطني الفلسطيني، وهو ما لا يمكن للانتخابات المبكرة، للأسباب التي سبقت الإشارة إليها وهي غير أسباب حركة حماس في رفضها، أن تكون فاعلة في تحقيقه، بل ربما كان مفعولها في ذلك الصدد عكسيا. صحيح أن المهمة تلك تبدو شاقة تكاد تكون متعذرة في الظرف الراهن، لكن حكومة الوحدة الوطنية، على تواضع ذلك المطلب وضآلته وصعوبة تحقيقه، تبقى أحد المداخل القليلة، وإن غير المرجحة، للإبقاء على بصيص من تفاوض بين الأطراف الفلسطينية، وعلى إمكانية تطوير ذلك البصيص إلى نصاب توافقي مستجدّ، قد يكون عقد مؤتمر وطني، يضم كافة مكونات الشعب الفلسطيني، أجدى في بلوغه من انتخابات سابقة لأوانها تجري في هذه الظروف.


"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018