روسيا والعودة إلى الشرق الأوسط؟../ ليلى نقولا الرحباني*

بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، تقلّصت رقعة هذا الأخير ليصبح روسيا الاتحاديّة، وترافق ذلك مع انهيار اقتصادي وضعف سياسي وفوضى كبيرة في الفترة الانتقالية التي عاشتها روسيا الاتحاديّة خلال تحوّلها من الشيوعيّة إلى الليبيراليّة، ومنذ ذلك الحين تواجه وريثة الاتحاد السوفياتي مآزق استراتيجية مسّت دورها الدولي والإقليمي وفرضت تحدّيات جمّة على أمنها المباشر، ولا سيما في ضوء التطوّرات العسكرية التي أخذت تحيط بها من كل جانب، وهي تطورات تجسّد حالة اندفاع أميركي عسكري غير مسبوق من حيث الأهداف ولا من حيث الآليات ولا من حيث مواقع الوجود العسكري نفسه. وبدا العجز الروسي على أشده إذ كان على موسكو طوال هذه الفترة مراعاة التحوّلات الجيوسياسية الإقليميّة والدولية، وتجنّب أيّ مواجهات خارجيّة تعوق نهوضها وترسيخ سلطتها المركزيّة التي ستوفّر لها في ما بعد قوّة سياسية واقتصاديّة مهمّة.

لكن الوضع الروسي اختلف إثر مجيء الرئيس بوتين إلى الحكم عام 2000، وظهر ذلك بشكل خاص في السياسة الخارجيّة، إذ بدأ الروس يسعون إلى استعادة مجد الاتحاد السوفياتي الضائع من خلال محاولة تحقيق توازن بين المعارضة التدريجيّة الليّنة للتوسّع الظاهر لحلف شمال الأطلسي في مناطق نفوذهم السابقة، والمحافظة على علاقاتهم الحسنة بالولايات المتّحدة وأوروبا، والسعي إلى إقامة تحالفات إقليمية ومحاور جماعية وفردية. وعلى الرغم من التقارب الروسي الأميركي بعد أحداث 11 أيلول، والتعاون في مجال الحرب على الإرهاب، والتنسيق التام خلال غزو أفغانستان، إلا أن العلاقات الروسية الأميركية ما لبثت أن عادت لتتّسم بالبرود على أثر الاجتياح الاميركي للعراق حين عارضت روسيا هذه الحرب بشدّة لدرجة أنّها هدّدت بداية باستخدام الفيتو في مجلس الأمن إذا ما لجأت أميركا إلى الأمم المتّحدة لشنّ حربها على العراق. وترافق ذلك مع بروز سياسة روسيّة خارجيّة واضحة المعالم تقوم على تفعيل دور روسيا على الصعيد الإقليمي والدولي بحيث لا تخضع لأي هيمنة أو ابتزاز، وتدعو إلى عالم متعدّد الأقطاب يسمح بجانب من المناورة والتأثير في مجريات الأحداث الدوليّة ويرفض سيطرة الولايات المتّحدة المنفردة على النظام العالمي. وقد ذكر المستشار السياسي لمجلس الشيوخ الروسي فلاديمير شوبين آنذاك «أنّ الاقتراب الروسي من الولايات المتّحدة بعد 11 أيلول لا يعني تخلّي روسيا عن إقامة عالم متعدد الأقطاب ولا عن سياسة متشعّبة المهمات، ولا عن الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجيّة».

من هنا يُفهم سعي بوتين الى التحالف مع المتضررين من السياسة الأميركية مثل الصين وكوريا الشمالية في الشرق الأقصى، أو ايران وسوريا في الشرق الأوسط. فمن وجهة نظر الثوابت الجيوبوليتيكية، تتمتع إيران من دون شك بأهمية كبرى، فهي دولة قارية كبرى ترتبط ارتباطاً شديداً بآسيا الصغرى، ولها نفوذها المتعاظم في الشرق الأوسط، والذي ازداد إثر سقوط نظام صدام حسين في العراق وهيمنة الشيعة المدعومين منها فيه، زد على ذلك الانتصار التاريخي لحليفها اللبناني حزب الله على اسرائيل. وعلى الأرض، تحتل إيران ذلك الموقع الذي يجعل من محور موسكو­ ــ طهران قادراً على أن يحلّ عدداً ضخماً من المشاكل، لذلك فإنّ روسيا تسعى دائماً إلى توثيق علاقاتها بإيران على الصّعد كافّة، وذلك على الرغم من تصويت روسيا لمصلحة القرار 1737 القاضي بفرض عقوبات على طهران، إذ إن هذا التصويت يعكس موقفاً روسياً تكتيكياً ولا يضر بالعلاقات الروسية الإيرانية.

أما بالنسبة إلى السوريين، فقد شهدت العلاقة بين موسكو ودمشق مراحل متفاوتة التقارب تراوحت بين الشراكة الاستراتيجية والفتور، حيث يصفها سفير روسيا السابق في سوريا فيكتور غوغيتيدزه، بقوله «قضايا استراتيجية كانت تحكم العلاقات بين البلدين، فالاتحاد السوفياتي كان يسعى دائماً الى توسيع نفوذه في الشرق الأوسط ودول العالم الثالث، بينما كانت سوريا تريد تحرير الأراضي المحتلة في حرب 1967، ومن هذا المنطلق رأت فيه القوة العالمية التي يمكن أن تساعدها على تحقيق هذا الهدف». لكن ما إن هبت رياح التغيير وانشغل الاتحاد السوفياتي بالبريسترويكا والغلاسنوست، حتى اقتنص الرئيس السوري حافظ الأسد فرصة سعي الأميركيين الى قيام تحالف واسع لإخراج صدام حسين من الكويت، فساومهم، واستطاع إنجاز صفقة معهم على حساب لبنان لطالما حلم السوريون بها منذ أيام الملك فيصل في عشرينيات القرن الماضي، وهذا ما خلق فتوراً في العلاقة بين الروس والسوريين.

وقد تزامن وصول بوتين الى الحكم مع خلافة بشار الأسد لأبيه في سوريا، حيث انهمك الاثنان في ترتيب البيت الداخلي وحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الهائلة التي ورثاها، الى أن أتت زيارة الرئيس بشار الأسد الأولى الى موسكو أوائل عام 2005، على أثر تعرض سوريا لضغوط شديدة من المجتمع الدولي يطلب منها تنفيذ القرار 1559 وسحب قواتها من لبنان، لتفتح صفحة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتعطي دعماً معنوياً وسياسياً واقتصادياً للسوريين، وتُدخل الروس مجدداً الى صلب المعادلات في الشرق الأوسط. حينها طلب الرئيس الروسي من الأسد سحب قواته، إذ كان الروس يريدون انسحاباً سورياً لا هروباً من لبنان، لذلك مهدت المباحثات التي أجراها الأسد مع بوتين الطريق لأن تتخذ القيادة السورية القرار الحكيم بالانسحاب، وساعدت روسيا على إمهال السوريين بما يمكّنهم من الحفاظ على ماء الوجه خلال الانسحاب.

أما زيارة الأسد الثانية في هذه الفترة التي تعقب زيارة السنيورة الى موسكو، فتأتي لتعطي الروس زخماً إضافياً وتدعم دخولهم طرفاً أساسياً في الصراع في الشرق الأوسط، فقد أتت في وقت يعاني فيه الاميركيون فشل سياساتهم في فلسطين وأفغانستان والعراق الذي تحول قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الإقليمي برمته، بالإضافة الى الخسارة السياسية التي مني بها الاميركيون في لبنان على أثر فشل هجوم اسرائيل العسكري، ووقوع السلطة المدعومة منهم في ضعف شديد، بحيث بات حلفاؤهم في الموالاة والرئيس السنيورة بالتحديد، يضعفون موقعهم في المنطقة، ويشكلون عبئاً إضافياً عليهم. على العموم، تأتي الوساطات الروسية والمحادثات التي يقومون بها مع الأطراف الإقليميين والمحليين اللبنانيين في ظروف إقليمية ودولية مغايرة لتلك التي كانت سائدة. وقد يكون الأمر مشجعاً، ففي تدخّل الروس في القضية اللبنانية السنة الفائتة، ساهموا الى حد بعيد في إنجاح «انتفاضة الاستقلال» وتنفيذ أحد أهم أهدافها وهو خروج الجيش السوري من لبنان بطريقة سلمية من خلال النصيحة التي أسدوها للأسد، فهل يؤدي تدخّلهم اليوم الى نجاح «انتفاضة الشراكة والتغيير» بالوصول الى أهدافها، وهل يمكن أن يكون الروس قد أسدوا السنيورة نصيحة كالتي نصحوها لبشار الأسد أوائل عام 2005؟ هل يمكن أن يكون بوتين قد نصح السنيورة بالتخلي عن تشبّثه الأعمى بالسلطة والانسحاب بطريقة سلمية تسمح له بالحفاظ على ماء الوجه كما نصح السوريين من قبل؟

"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018