القيادة والمسؤولية التاريخية../ طلال عوكل



بالرغم من اللقاء اليتيم الذي جرى في غزة بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة اسماعيل هنية، على خلفية الاحداث الدامية يومي الثالث والرابع من اول اشهر السنة الجديدة، وبالرغم من البيان الذي صدر عنهما يدعو للتهدئة الداخلية، فضلاً عن بعض الاجراءات والآليات الاخرى، فإن مؤشرات القلق الشعبي وانعدام الثقة، واليأس، لا تزال هي التي تستحكم في مشاعر وسلوك الشارع الفلسطيني.
اللقاء ذاته جاء نتيجة وساطة قام بها الوفد الامني المصري، وبعض فصائل المقاومة، وتحت ضغط الحاجة لوقف التدهور الخطير الذي نشأ إثر قيام القوة التنفيذية التابعة لوزير الداخلية، باغتيال العقيد في الأمن الوقائي محمد غريب، وعدد من المواطنين، والذي رفع درجة الاحتقان الى حدود صعبة، ونتائجه جاءت مكرورة، الى درجة لفتت نظر وسائل الرعلام، التي اشارت الى ان بيانات واتفاقيات سابقة، مشابهة لم تؤد الى وقف الاشتباكات.
الأغلب اننا فقط أمام جولة اخرى في سياق مستمر يزداد تصاعداً واتساعاً طالما يصر البعض، او يعتقد بأن توقف الاشتباكات، ينبغي ان يسبق حواراً وطنياً ينادي به الجميع، ذلك ان جذر هذا الصراع سياسي، وصراع على السلطة كما يتضح يوماً بعد آخر، وبالتالي، ما لم يتم التوافق على حل سياسي، فإن أية اجراءات لن تفيد الا بالقدر الذي يطفئ ناراً هنا، وأخرى هناك.
من يتتبع مؤشر تطور الاشتباكات، سيصل الى نتيجة سريعة مؤداها، ان الاحداث تتخذ طابعاً تصاعدياً ونوعياً، فلقد جاءت أحداث يومي الثالث والرابع من هذا الشهر، اصعب بكثير وأوسع من سابقتها التي كانت بدورها اصعب وأوسع من سابقتها.
في التاسع من الشهر الماضي، اجتمعت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورفعت توصيتها للرئيس محمود عباس بإجراء انتخابات مبكرة، تلا ذلك على الفور، قتل أطفال المقدم في المخابرات بهاء بعلوشة بالإضافة الى المرافق، أما بعد خطاب الرئيس يوم السادس عشر من الشهر ذاته، فقد اندلعت أحداث واسعة استمرت ثلاثة أيام وحصدت نحو عشر ارواح، قبل أن تتوقف إثر خطاب رئيس الحكومة اسماعيل هنية.
أما في الجولة الاخيرة، فقد سقط خلال يومين عشر ضحايا بالإضافة الى عدد كبير من الجرحى، تخللتها عملية اغتيال للعقيد محمد غريب، ما ادى الى ان تصدر للمرة الاولى لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والإسلامية بياناً أدانت فيه الجريمة وحملت القوة التنفيذية المسؤولية عنها.
ومثلما شكل إعدام غريب تطوراً نوعياً في سياق الاشتباكات، فضلاً عن اتساع نطاق عمليات الخطف، وإحراق المؤسسات والممتلكات بما شمل مدناً في الضفة الغربية، فإن بيان لجنة المتابعة الذي تحفظت عليه حركة الجهاد الإسلامي، وما تلا ذلك من ردود فعل عليه من قبل حركة حماس، انما يعيدنا الى جذور المشكلة حيث التناقض بين منظمة التحرير بفصائلها وهويتها وما تمثل وبين الحركة الإسلامية، حين نشأت حماس كبديل عن المنظمة في حينه.
والواقع ان لجنة المتابعة التي تملك الكثير من المعطيات، سواء بسبب اهتمامها ودورها، او بما لفصائلها من عناصر تنتشر في مختلف المناطق، امتنعت سابقاً وفي كل المرات عن تحميل المسؤولية لهذا الطرف او ذاك، لكنها اضطرت أمام فشلها في تشكيل لجنة تحقيق متفق عليها، وأمام خطورة الحدث الى ان تخرج عن صمتها فتجازف هذه المرة في الدخول بمناكفة مع حركة حماس التي اعتبرت بيان لجنة المتابعة منحازاً لحركة فتح، ويكيل بمكيالين.
لجنة المتابعة لم تكتف بتحميل القوة التنفيذية المسؤولية عن اغتيال العقيد محمد غريب وسبعة آخرين سقطوا في الاشتباكات وإنما طالبت بحل القوة التنفيذية ودمجها في الأجهزة الأمنية، ما شكل مقدمة لإعلان الرئيس عباس بأن هذه القوة لا تتمتع بشرعية طالما بقيت مستقلة، ولم يتم دمجها في الاجهزة الأمنية والشرطية. بدورها حركة حماس رفضت اعلان الرئيس عباس، ورداً عليه اعلنت على الفور رفع عدد اعضاء القوة التنفيذية الى اثني عشر ألفاً، بعد أن كانت بدأت بنحو ثلاثة آلاف، ثم ارتفعت الى نحو ستة آلاف قبل الاعلان الاخير عن رفع العدد مرة اخرى. في وقت سابق خصوصاً بعد اعلان الرئيس عباس قراره بالذهاب الى انتخابات مبكرة في حال فشل الحوار في التوصل الى حكومة وحدة وطنية من الكفاءات، جاءت بعض ردود الفعل، مشككة بصلاحيات الرئيس، والتشكيك لم يتوقف عند حقه في الدعوة لانتخابات مبكرة لا ينص عليها صراحة النظام الاساسي، وانما طالت صلاحيات اخرى يتمتع بها الرئيس فعلياً.
الآن يأتي اعلان الرئيس بشأن القوة التنفيذية والرد النظري والعملي عليه ليعطي بعداً آخر للصراع على السلطة، وصراع الشرعية، يمكن ان يتدحرج شيئاً فشيئاً نحو نيل كل منهما بشرعية الآخر وصلاحياته وحدود فعله وهو ما قد يضعنا أمام سلطتين بوادر الفصل والانفصال ببينهما ظاهرة في جسم المؤسسة السلطوية.
لدينا الآن مؤسستان تعملان بشكل منفصل، ومتناقض في كثير من الاحيان وهما مؤسستا الرئاسة والحكومة، فيما المجلس التشريعي غائب عن الساحة وغائب ايضاً جهاز القضاء. ولدينا الآن مؤسستان أمنيتان تعملان بشكل منفصل ومتناقض الى حد الاشتباك وهما القوة التنفيذية من ناحية وبقية الاجهزة الامنية من ناحية اخرى. ولدينا علاقات سياسية وخارجية لكل من وزارة الخارجية، والرئاسة ومنظمة التحرير، تعمل كل منهما وفق سياسة وأجندات، وأدوات مختلفة ودون تنسيق. ولدينا ايضاً مؤسسة مدنية من وزارات وغير ذلك، تعمل كل منها بشكل منفصل تقريباً بين التعيينات والوظائف الجديدة، وتلك القديمة التي توضع على الرف في معظم الاحيان. ويمتد خط الانقسام الى المجتمع والمواطن الفلسطيني الذي يطحنه الجوع، والبرد، وانقطاع الرواتب، والتيار الكهربائي وعدم توفر الغاز، وفي ظل توفر الخوف والقلق على المصير الجماعي والفردي، ماذا بقي حتى يقع الانفصال في السلطة والمجتمع، وما الأسس والأشكال التي يمكن أن تحكم وتتحكم بهذه القسمة.
واذا حاولنا ان نمد الخيط على آخره، ونواجه واقعنا بجرأة وصراحة ودون انتظار التهم، فإننا يمكن أن نتحدث طويلاً عن الانفصال بين الضفة وغزة حيث ينشأ واقع هنا يختلف في كثير من الجوانب عنه هناك، وبما يمكن ان يؤدي وفقاً لتنبؤ أحد الكتّاب الإسرائيليين الذي قال في وقت سابق على الانتخابات التشريعية أن تنشأ في قطاع غزة سلطة حماسستان فيما تنشأ في الضفة سلطة فتحستان.
ومع أننا لا ينبغي أن نخضع لهذا المنطق المتشائم جداً، ومهما كلف الأمر من تضحيات، فإن ما يجري يضاعف الخطر أمام المصير الفلسطيني خصوصاً مع تفاقم بعض الظواهر الخطيرة جداً، مثل ازدياد الهجرة، وهي ظاهرة لا تقتصر على الشباب او على الكفاءات وانما تشمل أجيالاً أخرى، وهروب رأس المال الوطني الى الخارج، فضلاً عن تراجع الحريات، والقدرة على التعبير الحر، وكل ذلك تحت طائلة الخوف من المجهول المعلوم الذي يخيم يوماً بعد الآخر على أهل الرأي والفكر حتى طال الإنسان العادي.
إن المواطن الفلسطيني بات يعرف بحكم التجربة إن لم يكن بحكم الوعي والإحساس السياسي، أن الاشتباكات تهدأ وتثور بقرارات من القيادات العليا، ولتحقيق أهداف وأجندات معينة. في هذا المجال يخطئ من يعتقد أن التوسطات هي التي تؤدي الى التهدئة في كل مرة تثور فيها الاشتباكات، فالأساس أن الحدث المعين يكون قد استنفد الاهداف المطلوبة منه. إزاء هذه المخاطر المصيرية لم تعد المناشدات تنفع، ولا الخطابات الاخلاقية التي استهلكت معاني الكلمات بشأن حرمة الدم الفلسطيني وحرمة دم المسلم على المسلم وما الى ذلك من عبارات تحولت الى شعارات ممجوجة والمطلوب خطوة عملية جريئة، تعكس ارادة قوية بالذهاب نحو التوافق الوطني، وإلا فإن التاريخ لن يرحم المسؤولين عن الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة المصيرية.





"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018