الاعــلام... والاعــدام../ مصطفى بشارات

كما توقعت؛ بدأت تتكشف رويدا، رويدا؛ تفاصيل ما جرى في القاعة التي شهدت اعدام الرئيس الشرعي للعراق صدام حسين؛ أقصد هوية الأشخاص الذين رددوا الهتافات الطائفية المقيتة " عاش الصدر..الخ "، ومن قام بالتصوير، ومن نفذ مهمة تسريب الصور الى الاعلام؛ ليكمل الأخير مخطط تأجيج نار الفتنة الطائفية!
أول الغيث بدأ بتصريحات نائب المدعي العام العراقي الذي قال ان اثنين من الوزراء هما، فقط، من حمل الهواتف النقالة التي تم فيها التصوير؛ مشيرا الى أن جميع من حضروا الى غرفة المقصلة منعوا من اصطحاب مثل هذه الهواتف، وأضاف أن من أطلقوا الهتافات الطائفية كانوا من الحرس وقد نهاهم عن ذلك.
بعد ذلك أعلن عن القاء القبض على أحد الأشخاص _ كبش الفداء ربما – قيل انه هو الذي هرب الصور _ في الحقيقة تم ايصالها عن سبق اصرار وترصد، وما أتوقعه؛ بل ومتأكد أنه حصل؛ هو الآتي:
• ستستمر حبات السبحة بالانفراط، وستتكشف الكثير من الأمور حول بعض ملابسات ما جرى؛ لكن الزمن هو الكفيل باماطة اللثام عن جوهر الحقيقة.
• ان عملية التصوير، وغيرها من مجريات عملية الاعدام: توقيت العملية ( صبيحة اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك )، طريقة اقتياد الرئيس صدام، الهيئة التي ظهر بها، مجموعة ( الجلاوزة ) الملثمين الذين أحاطوا به، والعبارات الطائفية التي تم ترديدها ــ كل ذلك كان جزءا لا يتجزأ من عملية ( محبوكة ) و ( مفبركة ) أعدها وخطط لها الأمريكيون، ونفذتها فرق الموت في النظام العراقي الجديد، وأريد من ورائها توجيه رسالة؛ كان على الاعلام نقلها؛ بالأساس، الى عامة الجمهور العربي؛ خاصة من المسلمين أتباع المذهب السني!
• قوات الاحتلال الأمريكي التي قالت انها غير مسؤولة عما جرى، وأن المسؤول هي الحكومة العراقية، وأنها _ هذه القوات _ لو تولت الأمر لتصرفت بطريقة مختلفة ــ ما قالته قوات الاحتلال هو في الحقيقة بمثابة رفع للغطاء عن حكومة المالكي، وتخل عنها في وضح النهار، وهو أيضا؛ اعلان براءة من هذه الأفعال المشينة التي كلفت تلك الحكومة مهمة القيام بها؛ فأسقطت الأخيرة بيدها: أولا_ عندما قبلت أن تقوم بما قامت به؛ فالاعدام يضرب جهود المصالحة التي تقوم بها، وعندما نفذته؛ كانت كمن يحفر قبره بيديه، وثانيا_ عندما اختارت توقيت التنفيذ، وثالثا_ عندما لم تحكم ادارة هذه العملية بطريقة تحترم المشاعر الانسانية التي تأبى فعل الموت؛ فما بالكم ان كان على رؤوس الأشهاد، وبالتداعيات التي رافقته، وأظهرت الحضور، وكأنهم يحتفون بمأدبة؟؟!!
أيا يكن من أمر فان الاعلام تولى القيام بباقي المهمة، وهو ايصال الرسالة المراد ارسالها؛ وهي أن ما جرى كان عملية قصاص قام بها الشيعة من السنة؛ وبالتالي يمكن التعميم استنادا الى ذلك والقول: ان ايران تشكل خطرا على العرب والدول العربية والأمة الاسلامية، وان حزب الله الشيعي ورم في الجسد اللبناني يجب استئصاله، وان الحرب البطولية التي خاضها في وجه اسرائيل لم تكن الا مسرحية، وان التحالف السوري مع ايران هو ارتهان للنظام الايراني ومخططاته ( الجهنمية )...الخ من هذه التأويلات، وقس عليها ما شئت، وبالتالي فان الحل _ حسب ما خطط المخططون _ هو اذكاء الحرب الطائفية؛ كما تحدث عن ذلك قادة جبهة التوافق العراقية التي يرأسها اياد علاوي؟؟!!
بقي جملة أشياء؛ أنا متأكد منها، وأود أن أؤكد عليها لكل من يهمه، حقيقة لا كلاما؛ مصلحة العراق والشعب العراقي، ومصلحة العرب والأمة العربية:
• لا يجب النظر الى ما جرى على أنه يعكس موقف عموم الشيعة كأتباع ومذهب؛ بل هو نهج لفئة تتخذ من التشيع ستارا تخفي وراءه أحقادها؛ أو عمالتها للأجنبي الغازي، والطامع في الأرض العراقية كائنا من كان.
• موقف ايران من اعدام صدام، وهو في الأصل موقف نرفضه؛ قد يكون مفهوما بالنظر الى الحرب التي خاضها ضدها؛ لكن غير المفهوم هو موقف الدول العربية التي لم تعترض على العملية، وانما على توقيتها؛ هذا اذا لم نعد قليلا الى الوراء؛ يوم أن جعلت أرض بلادها منطلقا للطائرات الأمريكية التي كانت تقصف بغداد على رؤوس العراقيين؟؟!!
• اذا أخذنا في الاعتبار موقف الحزب الاسلامي العراقي ( فرع جماعة الاخوان المسلمين في العراق ) من الاعدام، وهو الاعتراض على توقيته؛ يصبح تصوير المسألة على أنها اقتصاص طائفي حرف للأمور عن مسارها رغم سطوع شمس الحقيقة: أوليس الاخوان المسلمون سنة؛ هذا ان لم يعتبروا أنفسهم الممثل الشرعي والوحيد للسنة؟؟؟!!!
• ثم ان آخر من يحق له التحث هي جبهة التوافق العراقية: أوليس رئيسها اياد علاوي هو من رأس أول حكومة للعراق؛ وقد شكلت بمرسوم من الحاكم العسكري الأمريكي بريمر بعد الاحتلال مباشرة؟؟؟!!!
• على مر التاريخ عاش السنة والشيعة، المسلمون والمسيحيون، الأكراد والبربر والمماليك ــ عاشوا في البلدان العربية والاسلامية أخوة ومواطنين؛ لهم ما لهم من حقوق المواطنة، وعليهم ما عليهم من واجباتها، وان العراق هو أسطع مثال على ذلك، وبالتحديد في عهد الرئيس الشهيد صدام حسين؛ حتى لو اختلف البعض منا معه في حياته؟؟؟!!!
• الطوائف، العشائر، الأحزاب، ومختلف الاثنيات ــ كانت ولا تزال أداة يلجأ اليها أصحاب السلطة والمستعمرون من أجل تحقيق مآربهم السياسية والاقتصادية..الخ؛ لكن من يكتوي بنيران الحروب التي باسم كل هذه الفئات؛ هو الشعب مهما كانت انتماءات أبنائه.
• ان أمريكا _ هنا مربط الفرس _ تبحث عن عدو جديد تلهي به العرب والمسلمين لاعادة ترتيب المنطقة، واقامة ما تسميه " الشرق الأوسط الجديد "، وبرأيها فان أنسب عدو لها ولحليفتها اسرائيل: هو ايران؟؟؟!!
• المطلوب أمريكيا، وبالمختصر المفيد، هو عدو جديد؛ فكلما انتهت من عدو لجأت الى صناعة آخر: أسامة بن لادن، طالبان، صدام، عرفات..والآن ـ المطلوب ايران، وكي يتحقق ذلك لا بد من تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي بدعوى حماية دوله من الخطر الايراني؛ وقد أعلن عن ذلك صراحة وزير الدفاع الأمريكي؟؟؟؟؟!!!!!
على كل اعلامي شريف أن يتنبه لذلك؛ فالكلمة مسؤولية يجب أن تقال في موضعها، وهي أيضا سلاح أحد حديه قاتل، ويجب أن نستخدم الحد المفيد؛ لا أن نسهم في اشعال حرب طائفية لن يكون فيها رابح الا اسرائيل؛ أما الخاسرفنحن؛ ثم متى كان المذهب أيا كان _ سنيا أو شيعيا؛ أو حتى بوذيا _ عنوانا لهوية شعب من الشعوب؟.. أوليست الهوية العربية نفسها مهددة في العراق؟.. أوليس الوجود العربي مهددا في فلسطين، جنوب السودان، والصومال؟.. أولا تستحق هذه القضايا المصيرية العمل من أجلها؛ وهي قضايا الصراع الرئيسة؛ بدل حرف الأنظار باتجاه حرائق ستأتي على خيرات الأمة، وستفت من عضدها، وستلهيها عن أهدافها الأساسية: التحرر، الوحدة، الديمقراطية، والتنمية؟؟؟؟؟
وما قائل هذا الكلام بسني؛ أو شيعي؛ بل علماني؛ عربي؛ وحدوي، وأنظر للشيعة والسنة باعتبارهم أبناء لهذه الأرض العربية الطيبة؛ يجمعهم الاسلام بالتوحيد وان اختلفت المذاهب، وهو الدين الذي استوعب أيضا المسيحيين فعاشوا في كنف الدولة الاسلامية معززين مكرمين؛ فهو " روح العرب الفولاذية، ودرعهم السماوية "، وهو تراث لا يجب أن يهمل، وان الدين لله؛ أما الوطن؛ فللجميع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018