بيكر ـ هاملتون أو كاغان ـ كايان؟ / جوزف سماحة

من المقرّر أن يكون الرئيس جورج بوش قد ألقى خطابه عن العراق. كان الخطاب منتظراً. تطورات كثيرة أميركية وعراقية وإقليمية جعلته كذلك. سبقته حملة ترويج مفادها «انتظروا جديداً». تسرّبت معطيات عما ينوي إعلانه، فإذا بها توحي أن «الجديد» صفة تطلق على الاستراتيجية المعتمدة تشبه تلك التي تطلق على أي مسحوق غسيل يشبه سابقه في كل شيء إلا في ما هو مسبغ عليه من توصيف.
الجديد الفعلي، هذه المرة، قد لا يكمن في متن الخطاب. إنه في الواقع العراقي نفسه حيث التعثّر الأميركي خارج النقاش. ولكنه، أساساً، في الواقع الأميركي حيث إن الرئيس، لأول مرة منذ سنوات، يواجه تحدياً داخلياً أنتجته الانتخابات النصفية واتخذ شكل كونغرس يريد أن يمارس دوره وأن يتدخل ويسائل ويحاسب ويضع معايير.
اللوحة الداخلية الأميركية شديدة التعقيد. لكن في الإمكان، تسهيلاً للنقاش، الإشارة إلى أنها، في ما يخص العراق، تتكون حول مشروعين بارزين سيكون متاحاً لنا، بفضلهما، التعرّف إلى المزاج المتحكّم بالبيت الأبيض، علماً بأنه مزاج يستطيع، برغم وجود معارضة، تقرير الوجهة الأميركية في المستقبل القريب.
المشروع الأول بات غنيّاً عن التعريف لكثرة ما تناوله الإعلام. إنه المعروف باسم بيكر ــــــ هاملتون، ويمثّل خلاصة ما توصّل إليه التيار التدخلي الواقعي الذي يخترق الحزبين الجمهوري والديموقراطي. المشروع الثاني بقي في الظل، وإن جرى تسليط الضوء عليه في الأيام الأخيرة. إنه المشروع المعروف باسم الثنائي فريدريك كاغان وجاك كايان الذي شارك في صياغته عدد من أقطاب «المحافظين الجدد»: دانيال بليتكا، مايكل إيزنشتاد، مايكل روبين، رويل غيريشت، غاري شميت، إلخ...
أهمية المشروعين أن أصحاب كل منهما كانوا منتقدين لسياسة الإدارة في العراق. يضاف إلى ذلك أن الفريقين ينتميان إلى مدرستين متعارضتين تماماً، منذ عقود، في ما يخص الدور الخارجي للولايات المتحدة، وهو تعارض يتناول الوسيلة الفضلى لحماية المصالح الوطنية. ويدل حضور المشروعين في الحياة العامة، بهذه القوة، على الارتباك في تفسير موقف الرأي العام. فهذا الأخير لا يحبّذ الإقرار بالهزيمة والانسحاب هرولة، ولا يرغب في بقاء مديد، ولا يعجبه الوضع القائم. يقود ذلك إلى الاستنتاج أن تغييراً ما بات مطلوباً، وهذا ما أقرّ به، أخيراً، جورج بوش. لكن ما الوجهة الجديدة؟
من المفترض أن يكون الخطاب الرئاسي قد قدّم جواباً يتيح لنا معرفة الخيار الإجمالي الذي ستعتمده الولايات المتحدة في المنطقة. لا يمنع أن يقدم الرئيس على قدر من الانتقائية لكن يبقى أنه سيكون ممكناً، بدءاً من اليوم، معرفة اتجاه الريح. هذه أبرز المقاييس التي نستطيع من خلالها إدراك معنى التحكيم الذي سيلجأ إليه بوش بين ما هو مقترح عليه.
أولاً ــــــ إذا رأى بوش أن وضع الاحتلال الأميركي للعراق «كارثي ومعتدل» يكون قد غلّب منطق بيكر ــــــ هاملتون على منطق كاغان ــــــ كايان. أما إذا رأى أن «الوضع حرج» فيعني ذلك أنه ميّال إلى المنطق الثاني. لذلك علاقة قوية بتعريف ما هو جارٍ في العراق. هل هو مزيج من تمرّد وحرب أهلية، أم هو نتيجة الحرب على الإرهاب في جبهتها المركزية الكونية؟ لكل تعريف استنتاج يخص المساهمة الأميركية.
ثانياً ــ إذا رأى بوش أن النصر بات مستحيلاً، وأن لا مفتاح سحرياً لحل المشكلات العراقية، فإنه سيدلّ على عارض واقعي أصابه. أما إذا رأى أن النصر ممكن وواجب وأن الحل يكون أمنياً بالدرجة الأولى، فذلك يعني أنه ميّال إلى «المحافظين الجدد». علماً بأن هامش المناورة لديه، هنا، محدّد بفهمه لمعنى النصر، وليس هناك ما يمنع من تقديم تفسير متواضع لذلك والإصرار على التوصّل إليه.
ثالثاً ــ إذا فتح بوش أفقاً أمام بداية الانسحاب فهذه وجهة. وإذا أغفل هذا الموضوع من أجل زيادة التأكيد على التورّط، فهذه وجهة أخرى. فمن المعروف أن توصيات بيكر ــ هاملتون تشير إلى ضرورة الانكفاء العسكري التدريجي (وصولاً إلى مطالع 2008)، وإلى تغيير شكل الوجود، والتركيز على التدريب بدل القتال، وربط أي زيادة غير مستحبة في عدد القوات برأي القادة العسكريين الميدانيين. كما أنه معروف أن كاغان ــــــ كايان يوصيان بزيادة عدد القوات، وتمديد الإقامة في العراق، والإبقاء على الدور القتالي المباشر في بغداد والأنبار، وعلى تولّي المسؤولية عن خفض التوتر الأمني لعلّ ذلك يساعد في نقل تدريجي للمهمات إلى القوات العراقية. ويذكر، في هذا المجال، أن المعلومات المسرّبة عن خطاب بوش تؤكد أنه سيتّجه إلى زيادة محدودة في عدد القوات، مخالفاً بذلك وعداً كان قد قطعه في السابق. كان يزعم أنه، في هذا المجال، سيطيع نصائح القادة العسكريين. غير أن الجديد هو أنه أقدم على تغيير جذري للقيادة.
رابعاً ــــــ لا شك في أن بوش سيضع أي قرار عسكري في سلّة تتضمن إجراءات اقتصادية وسياسية مواكبة. الطرفان ينصحان بذلك. لكن يجب أن نلاحظ الصلة التي يعقدها بين العسكري والسياسي. فـ«الواقعيون» يراهنون على المصالحة العراقية الشاملة (عدا «القاعدة») بصفتها جزءاً من الحل. و«المحافظون الجدد» يرون العمل العسكري مقدمة لأي خطوة سياسية، ويدعون، مثلاً، إلى مواجهة مع «جيش المهدي» الذي يدعو بيكر ــــــ هاملتون، في المقابل، إلى الحوار معه.
خامساً ــــــ الجديد في ما اقترحه بيكر ــــــ هاملتون هو إحاطة الوضع العراقي ببيئة إقليمية مستقرّة عبر إطلاق عملية للتسوية الشاملة في الشرق الأوسط والحوار مع كل من إيران وسوريا. لكن ما يدعو إليه كاغان ــــــ كايان هو التركيز على أولوية الانتصار الأميركي في العراق عبر استمرار الضغط على سوريا وإيران ومن أجل المزيد منه. وهما إذ يرفضان أطروحة التسوية الإقليمية، فإنهما يستندان إلى عدم الترابط بين أزمات المنطقة وإلى فرضية (جديدة) تقول إن دمشق وطهران لا تملكان نفوذاً كبيراً على المجريات الداخلية في العراق.
سنقرأ خطاب بوش اليوم. ويمكننا، استناداً إلى ما تقدّم، معرفة الوجهة التي يريد تغليبها وهو يقدم على محاولته «الإنقاذية» (الأخيرة؟) للسياسة الأميركية في العراق. ولا مجازفة في الادّعاء أن الرئيس الأميركي سيكون ميّالاً إلى كاغان ــــــ كايان أكثر منه إلى بيكر ــــــ هاملتون. ويمكن الرهان، قبل قراءة الخطاب، على أنه سيعتمد قدراً من التعديل على أطروحات «المحافظين الجدد» بما يفيد أن تراجعهم عن مقدمة المشهد السياسي لا يعني تضاؤل نفوذهم، ولو أنه يعني تمكيناً للإدارة من اعتماد جوهر مشروعهم بعد إدخال قدر من التزويق عليه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018