تقديـر مـوقـف../ حسن خضر

كتبتُ بعد انتخابات الـمجلس التشريعي، والفوز الساحق لحركة حماس، عن انتهاء النظام الفلسطيني من ناحية عملية، وبداية مرحلة جديدة، لـم تكن ملامحها قد اتضحت في ذلك الوقت. لكن ما يجري في غزة، هذه الأيام، يشير إلى بعض ملامح الـمرحلة الجديدة. فكما فشلت حركة حماس في إدراك معنى انخراطها في العملية السياسية، في ظل اتفاقات أوسلو، والواقع الإقليمي والدولي للـمسألة الفلسطينية، تفشل الآن، وهي بصدد السيطرة على قطاع غزة، في إدراك تداعيات هذا العمل على الصعيد الإقليمي والدولي.

كانت نتيجة الفشل في إدراك معنى الانخراط في العملية السياسية، توريط الشعب الفلسطيني في حصار فرضته الغالبية العظمى من دول الإقليم والعالـم، وتجريد الـمسألة الفلسطينية من مكانة إقليمية ودولية أنفقت أربعة عقود في تحقيقها، وتجويع أعداد يصعب حصرها من الفلسطينيين.
لكن عواقب الفشل الجديد الـمتمثل في إدراك تداعيات محاولة السيطرة على قطاع غزة، لن تضاف إلى النتائج السابقة وحسب، بل ستترك آثاراً بعيدة الـمدى على حاضر ومستقبل الشعب والقضية. وما يمكن أن نقرأ ملامحه في الوقت الحاضر، وفي ظل ما يجري، يتمثل في الآتي: انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية أولاً، وسقوط فكرة الدولة الفلسطينية الـمستقلة ثانياً، وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة بطريقة حاسمة ثالثاً، وتحويل الفلسطينيين في قطاع غزة إلى رهائن لدى حماس رابعاً.

لا يصدر هذا التحليل عن رغبة في الدفاع عن حركة فتح، التي ألحقت بدورها الكثير من الكوارث على الشعب والقضية إلى حـدٍّ لا تستحق معه التعاطف أو الشفقة، بل يصدر عن قراءة باردة للواقع. فعلى مدار الأسابيع والأشهـر القليلة الـماضية تتردد دعوات خلاصتها أن الفلسطينيين أثبتوا عدم القدرة على حكم أنفسهم بأنفسهم، وبالتالي ليس ثمة ما يثبت أن حصولهم على دولة تخصهم سينهي مشكلة العنف الأهلي، والـميل إلى اتباع سياسات انتحارية.

وفي هذا السياق دعا أشخاص ومراقبون لا يمكن التشكيك في وطنيتهم إلى العودة إلى ما كان عليه الحال قبل العام 1967، أي إعادة قطاع غزة إلى الإدارة الـمصرية، والضفة الغربية إلى الأردن. وفي الوقت الحالي تراقب دول في الإقليم والعالـم مخاطر تحويل قطاع غزة إلى إمارة إسلامية، خاصة أن الناطقين باسم حماس لـم يتورّعوا عن تغذية تلك الـمخاوف. يوم أمس تكلـم ناطق باسم حماس عـن قدوم عهد العدالة وحكم الإسلام. وفي اليوم نفسه وعـد آخر بتحويل السرايا الحكومية إلى مسجـد كبير، وقال ثالث إن العلـمانية قد انتهت في قطاع غـزة.

وإذا سلّمنا بنجاح حماس في السيطرة على قطاع غـزة، وعجزها عن إدراك التداعيات الإقليمية والدولية لهذا الحدث، فإن هذه السيطرة لن تحلّ الـمشاكل السابقة الناجمة عن الفشل في إدراك معنى الانخراط في العملية السياسية. وإذا ما استطردنا في التحليل يمكن القول إن رغبة حماس في السيطرة على مقاليد الحكم والسياسة في فلسطين لن تتوقف عند غزة، فالجائزة الكبرى التي ترنو إليها هي منظمة التحرير الفلسطينية، والفوز برئاسة السلطة الفلسطينية، وما يحدث في غزة ليس في حقيقة الأمر سوى وسيلة من وسائل الضغط في هـذا الاتجاه.

من هنا إلى أين؟ لا أحـد يعرف بالضبط، فدول الإقليم، خاصة مصر والأردن، ستفكر ألف مرّة قبل التورّط بصورة مباشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإسرائيل ستفكر ألف مرّة قبل الإقدام على خطوة من نوع احتلال القطاع، والعالـم لن يشعر بشفقة أكبر تجاه الفلسطينيين بعد ما حدث، وبعد سيطرة حماس على غـزة.

مستقبل السلطة الفلسطينية، التي تعض عليها حماس وفتح بالنواجذ، غامض، خاصة أن السلطة نفسها فقدت آخـر ما تبقى من مبررات وجودها، والتفكير بأن ما سيحدث بعد سيطرة حماس على غزة لن يختلف عمّا كان عليه من قبل مجرد وهم، بما في ذلك موضوع الأمن، الذي سيزداد تدهوراً في غـزة نفسها، التي ستشهد تحوّلات طالبانية سريعة ومفزعة، وعمليات انتقام غير مسبوقة. والحقيقة الـمؤكـدة الآن أن مليوناً ونصف الـمليون من الفلسطينيين أصبحوا رهائن بالـمعنى الفعلي للكلمة، وأصبح جوعهم وعذابهم وسيلة للابتزاز، أما الـمشروع الوطني، والدولة الـمستقلة، فقد أصبحا في حكم الماضي.

"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018