حلقة الخلاص الوطني المركزية../ علي جرادات

بحدث غزة، عاش الفلسطينيون، وما زالوا يعيشون، وسيعيشون لمدة طويلة كما أظن، أفراداً ومجتمع، وضعاً معنويا وأخلاقياً ونفسياً صعباً، ولكن هذا على خطورته التي لا يقدرها بعض القادة السياسيين عند إتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية، يبقى ليس المظهر الأهم لمخاطر حدث غزة، بل يعكس خطره الأكبر على القضية الوطنية. فهذا الناشيء النوعي بكل معنى الكلمة، وإن توقف كحدث على الأرض، فإن تداعياته قد بدأت، ليس لجهة تأثيراتها السلبية والخطيرة على اللحمة الوطنية الفلسطينية وشرطها الديموقراطي ونسيجها المجتمعي فقط، بل أيضاً لجهة مخاطرها الكارثية على مستقبل القضية الفلسطينية وإرتباطاتها القومية وتداخلاتها الإقليمية والدولية وعلاقتها بالصراع مع الاحتلال ومقاومته.

ربما ظن البعض أن مِن شأن حسم إزدواجية السلطة بالحسم العسكري، أن يضع حداً للإقتتال الداخلي، لكنه لم يدرِ أنه إنما شحنه بعوامل تحويله إلى حرب أهلية، لأن الشرخ الفلسطيني بهذا الحسم لم يعد مجرد إنقسام بين خطين أو إجتهادين سياسيين وفكريَّين، بل أصبح إنقساما جغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا في الوطن الواحد وبين أبناء هذا الوطن الواحد، الأمر الذي يزيد نوعياً إنهاك الطاقة والإمكانيات الوطنية، المنهكة أصلاً، ما وضع المشروع الوطني والديموقراطي التحرري في العودة والحرية والإستقلال، أمام منعطف خطير وتحديات إضافية كبيرة، وعلى مفارق خطرة، وأعاده سنين طويلة للوراء، وأدخله في دوامة تداعيات لن تتوقف بالسرعة التي ظنها البعض، وسيكون لها نتائج متعددة ومآلات مفتوحة على كل الاحتمالات.

ذلك لأن القضية الفلسطينية كانت وما زالت وستبقى مِن أكثر القضايا التي يتداخل فيها الوطني بالقومي والإقليمي والدولي. وبالتالي، فإن مِن السذاجة الفصل بين ناشيء غزة، مِن حيث الأسباب والتداعيات والمآلات والنتائج، وبين مخططات السياسة الأمريكية الإسرائيلية، وعجز النظام الرسمي العربي عن التصدي لها. فإستراتيجية "الفوضى الخلاقة" للسياسة الأمريكية، هي إستراتيجية خلاقة فعلا، إنما للحروب والفتن، ووجدت في الشرخ الداخلي أرضية لها في فلسطين، بلغت ذروتها في جموح الحسم العسكري كخيار غير ديموقراطي على المستوى الوطني الداخلي، ومغامرة غير محسوبة النتائج على مستوى تداخل القضية الوطنية مع المحيط الخارجي.

لقد خططت السياسة الإسرائيلية المستبيحة لكل ما هو فلسطيني، بدعم أمريكي، عبر العزل السياسي والحصار الإقتصادي والذبح العسكري المبرمج لإيصال الفلسطينيين إلى ما وصلوا إليه، وذلك تمهيدا للتقدم بخطوات نوعية في مخطط فرض الإستسلام السياسي عليهم، عبر تمرير الرؤية الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية، بل وبَعْث الروح في البائد مِن خيارت الوصاية والإلحاق التي ثاروا عليها، ودفنوها بنضالهم الوطني المديد وتضحياتهم الجسيمة. لقد أدخل حدث غزة النوعي القضية الفلسطينية في اللعبة الإقليمية والدولية، دون حساب أن الفلسطينيين ما زالوا يخوضون غمار النضال الوطني والديموقراطي التحرري.

وعلى الأقل، ستحاول القيادة الإسرائيلية بدعم أمريكي، وفي ظل عجز عربي رسمي، إستثمار الحدث بوسائل سياسية وعسكرية واقتصادية، لإحراز خطوات نوعية ملموسة على طريق تكريس الفصل السياسي والجغرافي بين غزة والضفة كمقدمة للتثبيت السياسي لوقائع: كانتونات الضفة وجدار الفصل، ووضع اليد على الأغوار وضم مساحات الكتل الإستيطانية الكبرى ومواقع المصادر المائية، علاوة على التكريس السياسي لضم القدس وسلخها وشطب حق العودة للاجئين. والغريب أن يستغرب بعض قادة خيار الحسم العسكري دخول واشنطن وتل أبيب على الخط، وكأنهم كانوا يظنون أن النتائج العملية لهذا الحسم ستهبط على فراغ، وليس في حضن أطراف مختلفة، لكل طرف منها مشروعه الذي سيستثمر ناشيء غزة النوعي على ضوئه، وبما يحقق له تكريس خطوات سياسية نوعية على الأرض، اللهم إذا كان هناك مَن ظنَّ، بفعل الإنفعال، أن رد فعل تل أبيب وواشنطن على حدث غزة لن يكون استثمارياً.

على ذلك، وبسببه، ولأن تل أبيب ومِن خلفها واشنطن، ليست هيئة صليب أحمر، ولأنها اللاعب الحاسم في لعبة غزة، ولأن "العبرة في النتائج"، ولأن "النوايا الطيبة محفوفة ببلاط جهنم وكثيرا ما تقود إليها"، ولأن النتيجة العملية كانت "قسمة" الوطن كنتيجة مؤقتة مفتوحة على كل الإحتمالات، يلعب فيها ميزان القوى بالمعنى الشامل، والمائل بثقل لصالح السياسة الأمريكية الإسرائيلية، الدور الحاسم، ولأنه هكذا يتوجب قراءة المآلات المحتملة لحدث غزة، ولأنه ليس حدثاً عابراً أو محدود التأثير والتداعيات والنتائج، بل هو منعطف خطير سيكون ما بعده غير ما قبله في حياة الفلسطينيين سياسيا وأمنيا واجتماعيا واقتصاديا وديموقراطيا، ولأن تداعياته تهدد وحدة الشعب الفلسطيني ومصيره ووحدة أرضه، ولأن الإمساك بالحلقة المركزية، هو ما يعطي فرصة القبض على باقي حلقات السلسلة، فإن السؤال الفلسطيني المفصلي والمفتاحي اليوم هو: ما هي الحلقة المركزية لحفظ المشروع الوطني وصونه وحمايته، وتخليصه مِن مأزقه الداخلي، الذي بات يعرِّض تضحياته ومنجزاته ومكتسباته للتبديد والضياع؟!!!

بعد ضرورة إقلاع قيادة "حماس" عن إعتبار ما وقع في غزة "نصرا"، وبعد ضرورة تحسسها لمخاطر نتائجه العملية بالمعنيين الديموقراطي الداخلي والوطني الخارجي، وبعد ضرورة مبادرتها إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل وقوعه، وبعد ضرورة أن يدرك الجميع أن مخاطر حدث غزة على القضية الوطنية هي مخاطر إستراتيجية بعيدة المدى، وليست كمترتبات جولة عابرة مِن الإقتتال الداخلي؛ أقول بعد كل هذا، ورغم كل ما خلقه الحدث مِن مرارة وغضب وحسرة وألم ووجع داخلي جارح، فإن الحلقة المركزية في سلسلة الخلاص الوطني مِن مأزق شرخه الداخلي، وذروته حدث غزة، تكمن في التجرؤ على تسمية الأمور بمسمياتها، والتغميس في صحنها بدل مواصلة الدوران حوله، أي الإعتراف: أن الشرخ الفلسطيني الداخلي، وإن إتخذ منحىً خطيراً بعد نتائج الإنتخابات التشريعية الأخيرة، ببلوغه طور الإحتراب المسلح، الذي بلغ ذروته في الحسم العسكري لإزدواجية السلطة في غزة، إلا أن هذا الشرخ لم يبدأ بعد الإنتخابات التشريعية ونتائجها، بل بدأ جدياً منذ تأسيس "حماس"، وبقائها بموازاة منظمة التحرير الفلسطينية كإطار جبهوي وممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.

هنا بدأ الشرخ، الذي، وإن لم تنفجر تداعياته في حينه، وتمت السيطرة عليها، عبر التوحد الميداني في معمعان الإنتفاضة الأولى، وعبر التنسيق والتوافق على نقاط فعالياتها في بيانين وخطابين سياسيين منفصلين، إلا أن إنفجارها كان كامناً ومتوقعاً، وزادت مؤشراته بعد ذبول الإنتفاضة ونشوء السلطة الفلسطينية، وخلال الإنتفاضة الثانية، ما استدعى حوار القاهرة وإعلانه، الذي أعتقد أنه عالج بالمسكنات ما كان يستدعي عملية جراحية، حيث تم وضع العربة، أي التوافق على التهدئة الأمنية مع الاحتلال، وعقد إنتخابات "التشريعي"، قبل الحصان، أي قبل الإتفاق على برنامج القواسم السياسية المشتركة، وإنضمام "حماس" و"الجهاد" إلى إطار منظمة التحرير، كإطار جبهوي للفلسطينيين في الوطن والشتات في مرحلة تحرر وطني.

واليوم، ولأن الخطر الداهم يهدد وحدة الوطن والشعب ومصيره وقضيته الوطنية، ولأنه خطر إستراتيجي، ولأن نشوء منظمة التحرير كان هو الرد السياسي القومي والوطني الإستراتيجي، والحافظ لوحدة الشعب والأرض والكينونة الوطنية والقومية، ولأنها هي المُعتمدة قومياً وإقليمياً ودولياً، فإن مهمة إعادة الإعتبار لها وإعادة بنائها، وضم مَن هو خارجها إليها، هي الحلقة المركزية التي لو جرى إنجازها لأمكن تلافي ما وقع.

وهي المهمة التي بدون إنجازها يبقى الحديث عن خلاص الشعب الفلسطيني مِن مأزقه الداخلي حديثاً بدون رصيد حقيقي. ولعل الشرط الأهم لإنجاز هذه المهمة المصيرية، يكمن في إقتناع الجميع بضرورة تجنيب القضية الوطنية ما لا تحتمله كقضية تحرر وطني: التضخيم الأيدولوجي لحواملها الحزبية على حسابها، وزجها في أتون صراعات محيطها القومي والإقليمي والدولي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018