فتح الإسلام والثغرات السياسية اللبنانية../ خالد أبو حيط *

منذ ما يزيد عن الشهر، تصدرت الأحداث في مخيم نهر البارد شمال لبنان نشرات الأخبار المحلية وأحياناً كثيرة الدولية. وشيئاً فشيئاً، بدأ الالتباس يزول، ويتضح أكثر فأكثر ارتباط هذه المجموعة أو التنظيم بالقاعدة. ويمكن للمتابع أن يرصد مخططاً مبرمجاً بدأت تتضح معالمه أكثر فأكثر مع تقدم الأيام: الاستيلاء على مخيم نهر البارد كقاعدة عسكرية محصنة، تلفها أسوار من التعقيدات السياسية الفلسطينية واللبنانية والاقليمية بل والدولية نظراً لخصوصية وضع المخيمات الفلسطينية في لبنان. وما يزيد من تعقيد المشهد ويحجب الرؤيا بكثافة هو السجال اللبناني الداخلي الذي حول موضوع فتح الإسلام الى مادة اتهام واتهام مضاد بين الأطراف اللبنانية.

ما اتضح حتى اليوم هو التخطيط المبرمج والامكانات المادية الهائلة والتجهيزات التقنية غير المألوفة لدى الجماعات المحلية. إضافة إلى تخطيط عسكري ميداني يحول دون الاجهاز التام على المجموعة بعد أكثر من شهر على الصدام العسكري معها، ورقعة انتشار الخلايا النائمة في أكثر من محافظة لبنانية، وقدرتها على الضرب في عمق الجنوب بعمليات نوعية، وهو الأمر الذي يرسخ أكثر فأكثر ارتباط جماعة فتح الإسلام بالتنظيم العالمي للقاعدة.

إذا صح ما تقدم، والأرجح أنه صحيح، فإن ذلك سيفرض إعادة قراءة لأحداث كثيرة وقعت في لبنان خلال السنوات القليلة الماضية. وسيفرض بالتالي على القوى والأطراف اللبنانية المختلفة التمهل كثيراً جداً قبل أن تتقاذف التهم ضد بعضها البعض. وفي هذا السياق يمكن تقديم العديد من الملاحظات.

من ناحية أولى، ووفقاً لما تشير إليه جنسيات الموقوفين والقتلى المنتمين الى أفراد هذا التنظيم، لا يمكن بحال من الأحوال اعتبار الظاهرة بأنها وليدة واقع فلسطيني. صحيح أن الأحداث تجري في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين، غير أن المخيم وفقاً لما نشر من التحقيقات عن هويات أفراد التنظيم لم يشكل حاضنة له، بل مجرد ساحة أحداث. لقد تم اختطاف المخيم كرهينة بيد تنظيم بالغ المكر والدهاء، يعرف كيف يستفيد من مزايا المكان والزمان. فللمخيمات الفلسطينية واقع جغرافي وميداني وسياسي بالغ التعقيد يختلف عن جبال الضنية مثلاً.. هذا التعقيد المتداخل هو الذي أعطى لهذه المجموعة قدرة أكبر في المواجهة الميدانية نظراً الى أن الجيش اللبناني مضطر في هذه الحالة الى أخذ مجموعة من التعقيدات بعين الاعتبار: حساسية موضوع المخيمات لدى الفلسطينيين في لبنان والخارج ولدى الدول العربية والإسلامية، ووجود كثافة سكانية هائلة تصل الى ما يزيد عن 30،000 شخص في الكيلومتر المربع الواحد، وأيضاً كثافة الأبنية وكثرة الأزقة. جميع هذه العناصر تم أخذها في الاعتبار، على ما يبدو عندما اتخذت هذه الجماعة قراراً يتعلق بالمكان الذي اختارته كقاعدة لشن عملياتها انطلاقاً منه، ويمثل القلعة الحصينة لقيادتها.

وفي نفس الإطار، يبدو أن جغرافية وديموغرافية المكان كان لهما دور كبير في هذا الإطار. الأخبار المتناقلة تشير الى شيئين هامين؛ الأول: أن أفراداً من هذه المجموعة قد انتقلوا من أماكن مختلفة الى المخيم، والثاني أن هناك العديد من قتلى التنظيم من الذين ينتمون في الأساس الى منطقة عكار الذي يعتبر المخيم بوابتها الجنوبية. ومنطقة عكار بمجملها ذات غالبية سنية من ناحية التوزيع الطائفي والمذهبي الغالب في لبنان، وهي الطائفة التي يدعي هؤلاء أنهم جاؤوا لنصرتها. وبهذا يحمل اختيار المكان دلالات على أكثر من صعيد.

أخذاً في الاعتبار ما تقدم، يمكن الاستنتاج بوضوح أننا أمام مجموعة تدرس خياراتها باستراتيجية عالية، وأنها على دراية دقيقة بتفاصيل وتعقيدات المكان والزمان. على أن يبقى لعلماء الاجتماع تحديد العوامل والأسباب المتعددة وراء استقطاب هذه المجموعة لبعض أبناء هذه المنطقة تحديداً.

من ناحية ثانية، بات واضحاً ومعلوماً أن هناك من سعى وخطط منذ اللحظة الأولى لزج الجيش اللبناني في المعركة بهدف استنزافه في حرب كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أنها ستكون طويلة وقاسية، الأمر الذي قاله صراحة البيان الأول الذي صدر عن حزب الله يوم اندلاع الأحداث. لقد سقط للجيش اللبناني العديد من الشهداء والجرحى، وهو ما يزال في حالة استنزاف لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، ولا سيما بعد اكتشاف إحدى الخلايا في أبي سمراء، واستهداف الدورية الإسبانية في سهل الخيام. وفي هذا الإطار تعاطى الجيش على خطين: الأول أنه منع توسع رقعة القتال الى مخيمات أخرى كان هناك خشية أن تمتد النار إليها، فيتحقق مخطط عصابة فتح الإسلام ويدخل في معركة مع الفلسطينيين. وفي هذه النقطة يسجل للجيش حرصه على إخراج المدنيين من المخيم، وتحييد من تبقى منهم في الداخل رغم الصعوبة الميدانية من الناحية العسكرية. وأما الخط الثاني، فهو قرار قيادة الجيش بأنه لا وقف للعمليات العسكرية قبل إنهاء هذه العصابة والقضاء عليها. وبهذا يكون الجيش أمام مهمات مختلفة متداخلة: الحفاظ على الأمن والقضاء على مجموعة مسلحة على أراضيه، والحفاظ على هيبة المؤسسة العسكرية، وفي نفس الوقت الحفاظ على وحدة وتماسك المؤسسة العسكرية، ولا سيما وأن هناك من يراهن على قوة هذه المؤسسة ويريد إظهار ضعفها لاستقدام قوات خارجية فوق جميع الأراضي اللبنانية.

المشكلة المعقدة في هذا الإطار أن الجيش اللبناني والمدنيين الفلسطينيين كلاهما يدفعان ثمن تراكم الفشل السياسي للسلطتين اللبنانية والفلسطينية على مدى سنوات طويلة. فدخول الجيش الى المخيم يثير في نفوس الفلسطينيين مجموعة من المخاوف التي حملوها معهم عبر تجارب مريرة. السؤال الأول الذي يطرح في أذهان الفلسطينيين اليوم هو مستقبل بقاء ووجود المخيم ذاته. ولذلك سرعان ما أثيرت في الإعلام مسائل تتعلق بالتوطين القسري من جهة، ومستقبل المخيمات الأخرى من جهة ثانية. بيانات الجيش المتلاحقة التي أكدت بين السطور أنه يهدف الى السيطرة المباشرة على المخيم الجديد، وعلى القضاء على فتح الإسلام دون الدخول الى عمق المخيم القديم ربما تكون قد هدأت من بعض المخاوف.

الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني، وكذلك غياب التنسيق بين الفصائل الفلسطينية والدولة اللبنانية حول العديد من القضايا التي تهم اللاجئين الفلسطينيين حال دون قدرة واستطاعة أهالي المخيم التصدي لتغلغل جماعة فتح الإسلام بين ظهرانيهم. ذلك دون إغفال عوامل أخرى تتعلق بالواقع اللبناني أكثر من الواقع الفلسطيني منها ما يتعلق بكيفية وصول أفراد هذه المجموعة وتمويلها وغير ذلك.

من ناحية ثالثة، ساهم المناخ السياسي والإعلامي الذي سيطر على لبنان خلال السنوات القليلة الماضية في توفير البيئة والغطاء اللازمين لتحركات هذه المجموعة على مدى أشهر، وزاد من قدرة استقطابها للعديد من العناصر المحلية. الحديث الذي سمعناه في بداية هذه المواجهة من قادة هذه العصابة عن حماية ونصرة أهل السنة هو انعكاس واستغلال للتعبئة الإعلامية في الشارع اللبناني، وامتداد لما يجري في العراق. ألم تكن الرسالة الأولى التي بعث بها أبو مصعب الزرقاوي الى أسامة بن لادن تتحدث عن ضرورة العمل على توسيع رقعة الخلاف السني– الشيعي لأن ذلك يسرع من قدرة التنظيم على استقطاب الأفراد؟؟ في لبنان كان المناخ مهئياً ومعداً بفعل الخلاف السياسي الموجود أصلا في البلد.

في الحسابات الطائفية والمذهبية، لا تزال الطائفة السنية هي الطائفة الوحيدة بين الطوائف الكبرى في لبنان التي تبحث عن هويتها. فإذا كان ممكناً استغلال الشحن الطائفي لتعبئة الأتباع ضد الخصوم، إلا أن ذلك يستدعي بالضرورة البحث عن هوية للذات. فمن هم "السنة" في لبنان؟ هل هم مع المشروع الأمريكي في المنطقة أم ضده؟ لقد أخطأ الذين قاموا بالتعبئة الطائفية بشحن الناس قبل تحديد هوية الطائفة ذاتها. وهذا ما تم استغلاله من قبل جماعات تعتقد أنها تملك الحق في تحديد هوية هذه الطائفة عبر السلاح. وما يجري اليوم هو نتيجة مباشرة لهذا الخطأ.

من ناحية رابعة، ينبغي لما حصل في الجنوب خلال الأسبوع الماضي أن يجبر العديد من الأفرقاء اللبنانيين على إعادة حساباتهم فيما يتعلق بتحديد الأولويات. لأن المشهد الآن يبدو كما يلي: صراع فوقي محتدم على السلطة في لبنان، في حين أن هناك تنظيماً دولياً يتمدد في الأسفل ويأخذ البلد الى أتون حرب غير محددة القواعد. نخشى أن لبنان دخل دوامة الحرب على الارهاب. في هذه الحرب لا يختلف الأمريكي عن القاعدة في شيء. كلا الطرفين يريد إنزال الخسائر بالطرف الاخر أياً تكن الضحايا التي ستسقط. السفير الأمريكي في لبنان، ومن ورائه الإدارة الأمريكية، لا يريد أن يرى أن ما يجري في لبنان هو من فعل تنظيم القاعدة، التي من المفترض أنها عدوه الأول، لأنه فقط يريد استغلال كل ما يجري في ابتزاز سوريا.

والنتيجة أن لبنان كله على المحك. الإدارة الأمريكية تتلطى في حربها على الارهاب لتمرير مشاريع إقليمية ومحلية. ابتزاز سوريا أهم عندها من مطاردة أسامة بن لادن وخلاياه. والسؤال المطروح اليوم: هل سيبقى الموقف الأمريكي على حاله بعد استهداف قوات الطوارئ في الجنوب بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على المشهد الدولي؟

يبقى أنه على كافة الأطراف اللبنانيين أن يجيبوا عن تساؤل هام: ما قيمة الفوز بالسلطة إذا أصبح لبنان كالعراق؟؟ ربما يساعد على التفكير في هذا الأمر ما يجري هذه الأيام في غزة!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018