الحرب الوشيكة../ خالد خليل

إستراتيجية العدوان قضية غير خاضعة للتخمين، وهي جزء من مشروع "الأمن" الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. ودور إسرائيل في هذا المشروع غير خاضع للتخمين أيضا، فهي الأداة والشريك في فرضه وإدارته فيما يتعلق بسوريا ولبنان وفلسطين.

بعدما انهزمت إسرائيل وفشلت في تحقيق أهدافها بالإجهاز على المقاومة اللبنانية، عادت لتنفيذ مخططها الذي بدأته قبل حرب تموز 2006 للقضاء على المقاومة الفلسطينية، لكن هذه المرة ،وخلافاً لما كان قبل حرب تموز، استطاعت إسرائيل تحقيق انجازات سياسية كبيرة تعويضا عن إخفاقها العسكري، وذلك من خلال إنشاء تحالف متين ليس مع السلطة اللبنانية فحسب وإنما مع السلطة الفلسطينية أيضا، فنجحت بعزل المقاومة الفلسطينية تماماً في قطاع غزة، وأنهت جميع مظاهر المقاومة في الضفة الغربية من خلال هذا التحالف الجديد. فالحليف القوي في الضفة الغربية قمع بشكل شبه كامل حركة المقاومة المعارضة في الضفة، واستطاع السيطرة نهائياً على جيوب المقاومة التابعة تنظيمياً له والتي سلمت سلاحها على شاشات التلفزيون في صفقة العفو الإسرائيلية عن المطلوبين، والتي ظهر فيها آخر المطلوبين الأسطوريين وهو يعلن ولاءه للرئيس محمود عباس وتخليه عن المقاومة. وما على إسرائيل اليوم سوى مواصلة الحرب على غزة وانجاز مهمة القضاء على المقاومة أو في اقل تقدير مواصلة عزلها وتهميشها، ليس فقط جغرافياً وإنما شعبياً.

وهذا بالطبع جزء أساسي من أهداف الحرب القادمة التي ستكون ساحتها الرئيسية سوريا إضافة إلى لبنان وغزة،
الحديث عن تسوية أو اتفاق سياسي من خلال عقد مؤتمر دولي ومحاولة الإيهام بحدوث تغيير في التوجهات الأمريكية أو الإسرائيلية تجاه حل القضية الفلسطينية، هو ضرب من السذاجة أن لم نقل الغباء، وأي تسوية مؤقتة كما يطرحها اولمرت وعباس لن ترقى لأن تكون حلا متوازنا ومقبولا على الشعب الفلسطيني، ولا شك أنها ستستخدم في مسوغات ومبررات الحرب القادمة على المتطرفين الأشرار.

من المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي الأمريكي، بناء على الدروس المستفادة من حرب تموز، فان مشروعهما الأمني في المنطقة سيظل عصيا على الهيمنة ما لم تسدد ضربة قاضية لسوريا بوصفها حاضنة للمقاومة في المنطقة وتحديداً في الساحة اللبنانية، على اعتبار أن إسرائيل تستطيع الاستفراد بالمقاومة الفلسطينية دون أي تأثير يذكر لسوريا التي تمتلك زمام المبادرة في لبنان.
من زاوية الحسابات العسكرية لن تعود إسرائيل على نفس أخطائها في الحرب السابقة، وهي بهذا الجانب تعد العدة كما ينبغي على مستوى النظرية والتطبيق في كل مستويات الحسم العسكري، ولن تحمي الجبهة الداخلية بواسطة توسيع الملاجئ وتوزيع الكمامات الواقية، بل من خلال تعزيز قوة الردع فيما يتعلق بالمنظومات الصاروخية المعادية، ونقل المعركة إلى أرض "العدو"، وبما أننا لسنا على بينة بالتفاصيل العسكرية فلنا في الإطار العامً أن نتوقع توظيف إمكانيات لم تكن مستخدمة في الحروب التقليدية من اجل حسم المعركة.

جميع التقارير والمؤشرات القادمة من إسرائيل تشير إلى تسارع في وتيرة الاستعداد الإسرائيلي لهذه الحرب بدءا من الميزانيات العسكرية والمساعدات الأمريكية وانتهاءً بالتدريبات اليومية على الحدود الشمالية. فمن هذه الزاوية لن تحتاج إسرائيل إلى فترة زمنية كبيرة كي تخوض الحرب.

وأزمتها السياسية التي ولدتها حرب تموز ضمن الخارطة الحزبية الحالية تسرع قرار الحرب وتغلبه على الخيارات الأخرى وتحديداً خيار الانتخابات.

فاولمرت يعرف تماماً انه لن تقوم له ولحزبه قائمة في أي انتخابات جديدة، لا بل انه بذل جهوداً جبارة للبقاء في الحكم مع حليفه حزب العمل. وهو متيقن من أن العودة للحياة السياسية مرهونة بمسح "عار الهزيمة"، وهذا لن يتأتى بمجرد عقد مؤتمر دولي أو حسم الجانب الفلسطيني في الحل المؤقت القادم ضمن الرؤية الأمريكية، وان اعتبر ذلك بمثابة انجاز سياسي كبير.

الهزيمة العسكرية لن يلغيها سوى نصر عسكري. وباراك الذي لا يتحمل المسؤولية الشخصية عن إخفاقات حرب تموز يعلم أن المجتمع الإسرائيلي لن يرحم حزبه في الانتخابات القادمة بوصفة مسؤولا عن الهزيمة وان تبدلت الشخوص والرموز، لذا فخيار الحرب أفضل انتخابياً للعمل قبل الانتخابات.

وفقاً لهذه المعادلة فان حزب الليكود هو الوحيد الذي لا يفضل خيار الحرب في هذه المرحلة لأنها إذا كانت رابحة ستؤثر سلبا على حساباته الانتخابية وقد تقلب أفضليته الحالية رأساً على عقب. ونرجح أن نتانياهو بالتأكيد يغلب الحسابات الانتخابية على أيديولوجيا الحرب والعدوان التي طالما ميزت حزبه.

لا يبدو في الأفق أن الحكومة في طريقها إلى السقوط أو التنحي كما اعتقد كثيرون في أعقاب تقرير فينوغراد.
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تتوق إلى تنفيذ مخططها الأمني في منطقتنا قبل الانتخابات الأمريكية القادمة.
من هذا الباب يبدو أن الحرب القادمة على سوريا ولبنان ستنشب بأسرع مما نتوقع في الأشهر القليلة القادمة.
والسؤال الذي يبقى مفتوحا: ما هي المفاجآت التي ستحصل من الجانب الآخر ولم تحصل في حرب تموز؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018