معركة نهر البارد .. قراءات وإستخلاصات فلسطينية../ ماجد عزام*

انتهت معركة نهر البارد منذ أيام قليلة بانتصار واضح لا لبس فيه للجيش اللبناني، غير أن المعركة كانت قد حسمت منذ أسابيع عدة بعدما اتضح أن نهاية مجموعة فتح الإسلام أضحت مسألة وقت ليس إلا، وأن الجيش اللبناني مصر ومصمم وقادر على السير حتى النهاية في المعركة التي فرضت عليه، ناهيك عن انكشاف المجموعة سياسيا وحتى أيديولوجيا وفكرياً سواء في البيئة الفلسطينية أو حتى في البيئة أو الحاضنة اللبنانية.

ثمة قراءات واجتهادات عديدة لما جرى في نهر البارد على السياقين اللبناني والفلسطيني، وبعيداً عن السجالات والتجاذبات في السياق الأول أود التركيز على القراءات والتداعيات الفلسطينية لما جرى في مخيم نهر البارد أو ما يعرف اصطلاحا بمعركة نهر البارد.

عند قراءة المعركة بكل تفصيلاتها وأبعادها وتجلياتها لا بد من التوقف عند نقطتين أساسيتين؛ الأولى عجز الحالة السياسية الفلسطينية في لبنان عن منع ظاهرة فتح الإسلام من التمدد والتضخم، وصولاً إلى إختطاف مخيم بكامله، الظاهرة بحد ذاتها ومع كل الانتباه لأبعادها الأخرى دليل فشل المنظومة السياسية الفلسطينية واهترائها، فتح الإسلام هي نتاج طبيعي لفشلين فلسطينيين متراكمين؛ أولهما الفشل في تشكيل أو تأسيس مرجعية وطنية عليا تأخذ على عاتقها رسم الإستراتيجية أو الخطوط العريضة للنضال والصمود الفلسطيني بأشكاله المتباينة وأماكن تواجده المختلفة، أما الفشل الثاني فيتمثل في غياب برنامج الحد الأدنى أو القواسم المشتركة التي تحدد وترشد العمل الوطني الفلسطيني أيضاً في تجلياته المختلفة، غياب المرجعية والبرنامج أدى إلى فراغ هائل وعلى المستوى الوطني تمظهر في أسوأ و أردأ صوره في مخيمات لبنان، هذا الفراغ شكل الحاضنة المباشرة لظهور مجموعة فتح الإسلام، وإذا ما استمر على حاله فلا يجب على أي كان أن يتفاجأ بظهور فتح الإسلام جديدة أو شيء آخر مستنسخ على شاكلتها.

النقطة الثانية تتعلق بحالة الإحباط التي تسود المخيمات في لبنان وانسداد الآفاق أمام اللاجئين الفلسطينيين سياسياً واقتصاديا واجتماعياً، لا يرى اللاجئون أي ضوء في نهاية أنفاقهم المظلمة، وللأسف الشديد تبدو الخيارات -جد- ضيقة ومحدودة أمامهم وتنحصر بين الهجرة واللجوء للخارج أو التطرف والإنسياق وراء الأطروحات والتنظيرات الإنتحارية والعدمية.

إلى جانب هاتين النقطتين يجب الإنتباه إلى حالة الإحباط الشديدة التي تسود الشعب الفلسطيني، بشكل عام، واللاجئين في لبنان بشكل خاص بعد الانقسام العميق الذي ضرب المشروع الوطني وأدى إلى حالة تشظي وتباعد غير مسبوق في تاريخ النضال الفلسطيني، الإحباط الذي يزداد كلما زاد التباعد وتعمقت مظاهر العداء في الداخل سيأخذ حتماً أشكالا وتجليات مختلفة في الخارج خاصة بعد أن علق الكثيرون الآمال على حركة حماس من أجل ضخ المزيد من الحياة والحيوية في شرايين المشروع الوطني والمؤسسات المنبثقة عنه، والتي شكلت تاريخياً بوتقة الصهر والإندماج والتوحد للفلسطينيين في الخارج وخاصة منظمة التحرير إحدى أهم تجليات النضال والإبداع في مواجهة التحديات الهائلة التي واجهها الشعب الفلسطيني وما زال.

في ضوء المعطيات السابقة، فإن الساحة السياسية مطالبة إذا كانت جادة فعلاً في منع تكرار أو استنساخ نموذج نهر البارد بالعمل على معالجة الأسباب الجذرية وإعادة الأمل للاجئين عبر السعي الدؤوب لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وهذا لا يتم إلا عبر إطار مرجعي فلسطيني موحد يمكن أن --يتشكل-- راهناً وعاجلاً على صورة وفد فلسطيني موحد إلى الحوار مع الحكومة السلطات اللبنانية، هذا الأمر يعد ملحاً وضرورياً ويقتضي تجاوز الخلافات العميقة - في الداخل الفلسطيني- لأن الساحة اللبنانية همومها ومشاكلها المعقدة لا تترك لأحد -ترف-- الانتظار إلى أن تحل المشاكل العالقة بين رأسي السلطة في الداخل أو بين فتح وحماس.

بهذه الطريقة فقط يمكن منع تكرار نموذج نهر البارد أو استنساخه في أماكن ومخيمات أخرى غير أن هذا الهدف النبيل يجب ألا يحجب الإهتمام والعمل الدؤوب والمثابر من أجل إعادة إعمار مخيم نهر البارد وعودة النازحين منه في أسرع وقت ممكن، وأولى الخطوات في هذا الصدد تشكيل لجنة فلسطينية موحدة للتنسيق مع الحكومة اللبنانية والدول والجهات المانحة، وخاصة منظمة الأنروا، للبدء في وضع خطط ومشاريع الإعمار والشروع في التنفيذ الفوري مع إيجاد حلول مؤقتة ومرحلية للنازحين، والبرهان والتأكيد على أن تلك الحلول هي جد مرحلية وأن العودة إلى نهر البارد حتمية ولكن ليس نهائية على اعتبار أن كل الخطوات أو الأفكار السابقة تهدف إلى صيانة وحفظ حق العودة الأساسي والمركزي والاستراتيجي للاجئين إلى المدن والقرى التي شردوا منها عند اغتصاب فلسطين في العام 1948.

وعموماً فإن مجمل التطورات والمستجدات التي عصفت بلبنان والمنطقة خلال الفترة الماضية تدلل على ضرورة قيام عمل سياسي فلسطيني مختلف وناهض ونوعي، عمل مرتكز على الحد الأدنى من التوافق في الشكل والجوهر، في الإطار والبرنامج، عمل مركز على ثقافة المقاومة بمضمونها الشامل وعلى حق العودة بصفته الحل الناجح والجذري لكل المشاكل والأزمات الفلسطينية، عمل لا يتجاهل الإقرار بشرعية ومصداقية السلطة اللبنانية والاحتكام إلى القانون اللبناني كمدخل طبيعي ومنطقي للمطالبة بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية للاجئين من أجل تحسين أوضاعهم البائسة والمأساوية التي شكلت - ولو بصورة غير مباشرة وقوداً لمعركة نهر البارد - على اعتبار أن ذلك سيساهم في تحسين الأوضاع الأمنية في لبنان ككل، وفي نفس الوقت لا ينال من الطموحات والآمال --الوطنية-- للاجئين المتمثلة في التطلع إلى تقرير المصير عبر دولة فلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس وتنفذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق القرار -الأممي--- 194.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018