السفارة الأميركيّة الجديدة في بغداد إن حكت../ اسكندر منصور*

في موقع من مواقع بغداد الجميلة على الضفة الغربيّة لنهر دجلة، اختار المحتلّ الأميركي مكاناً لبناء سفارته الجديدة، أو قل ثكنته، والأصح موقعه المتقدم. داخل المنطقة الخضراء حيث تقع المؤسّسات الحكوميّة العراقيّة وكل مراكز الدولة والسلطة، في تلك المنطقة، تُلقي السفارة الأميركيّة الجديدة بضخامتها وهيبتها وسلطتها، بظلالها على عاصمة العباسيين، حيث يشعر العراقي بأن السلطة الحقيقيّة لا تكمن في المؤسّسات الحكوميّة العراقيّة بل تكمن في قلب السفارة التي هي على وشك الافتتاح الرسمي.

قالت فيها المؤرخة في جامعة ميريلاند جين لوفلير إنّها تشبه قصور الصليبيين، وقيل أيضاً إنها «قصر جورج دبليو بوش». وللعراق تاريخ (تاريخ صدّام) في بناء قصور الطغاة والمستبدين وسجون الأبرياء (وللعراق أيضاً تاريخ في بناء المراكز العلميّة، وبيت الحكمة خير شاهد على أهم حركة فكرية وترجمة عرفتها الحضارة الإنسانيّة). ها هي «السفارة» الجديدة أو ما يُعرف بقصر جورج بوش ينضم إلى لائحة القصور الصدّاميّة برمزيتها ورسالتها ودورها.

فإلى جانب قصر الأعظميّة والمجمع الرئاسي في بغداد وقصر الرضوانيّة وقصر سجد، يقف قصر جورج دبليو كشاهد ليس على زوال - كما بشّر بوش والليبرليون الجدد في بلادنا - الإرهاب والإذلال والبطش والتعذيب والتهجير لشعب العراق، بل على استمرارها.

لقد ملأ صدام العراق بقصوره الفخمة الواسعة المحصّنة المنيعة، فكان ساكنوها لا يعرفون الكثير عما كان يجري في وطنهم. قيل إنها ترمز إلى السلطة وبطشها، وقيل إنها ترمز إلى خوف مستتر في ساكنيها من أبناء وطنهم نتيجة ما تعرضوا له من إذلال وإرهاب وبطش وتعذيب وسجن. كانت قصور صدام لغز أبناء العراق ينظرون إليها من أطراف أعينهم ويتهامسون عما يجري في داخلها كأنهم لا يريدون أن يعرفوا. كانوا يخافون أن يعرفوا. ظنّ العراقيّون أن الكابوس قد زال وهيبة القصور ورمزيتها إلى زوال. لكن المشهد ما زال يتكرر: يمرّ العراقيّون أمام السفارة/القلعة ينظرون إليها خلسة ويتهامسون عما يجري في داخلها. يتساءلون، أهي سفارة أم ثكنة أم موقع متقدّم؟ أهي سجنٌ لقاطنيها أم للعراقيين فقط أم للاثنين معاً؟ وبتهكّم يتساءلون عما إذا كانت في العراق أم لا؟ لكون الأنوار فيها متلألئة ليلاً ونهاراً بعكس الأحياء البغدادية المظلمة.

مباشرة وبعد غزو العراق عام 2003، تقدمت إدارة الرئيس بوش بطلب إلى الكونغرس للموافقة على بناء سفارة جديدة تليق بمستوى المحتل وحضارته ورسالته، وتتسع لمهماته الراهنة والمستقبليّة. لم يتردد الكونغرس، الديموقراطيّون قبل الجمهوريّين، في الموافقة على تخصيص الرقم المطلوب لبناء السفارة. فما دام جيش الاحتلال منتصراً فليس هناك مكان للمساءلة ولا لجلسات الاستماع. لم يكن هناك فرق بين نائب ديموقراطي وآخر جمهوري. عنصريّتهم تجاه العرب كانت رمز وحدتهم في حربهم على العراق. وحدها الهزيمة/الفشل تنعش الديموقراطيّة في أميركا، كما أنعشت الهزيمة في حرب تموز «الديموقراطيّة» الإسرائيليّة، وتساهم في رفع وتيرة النقد والمساءلة والمحاسبة. وهذا ما يحصل اليوم. خصّص مجلس النواب الأميركي مبلغ 592 مليون دولار لبناء السفارة الجديدة. وهذا المبلغ مرشح ليبلغ مليار دولار لإكمال البناء.

كانت سفارة الولايات المتحدة في الصين قد بُنيت على أرض مساحتها 10 «آكرات» (الآكر = 4000 متر مربع)، وكانت تُعتبر أكبر سفارة في العالم. أما الآن فقد فقدت السفارة في بكين مركز الصدارة من حيث المساحة وضخامة البناء بعدما قرّر الرئيس بوش بناء السفارة في بغداد على أرض مساحتها 104 «آكرات»، أي ما يعادل 10 أضعاف مساحة سفارة بلاده في الصين وستة أضعاف مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك، ويقول البعض إنها تعادل مساحة دولة الفاتيكان.

يُقال (أستخدم فعل المجهول لأن المعلومات عن السفارة وتصميمها ومعالمها معلومات سريّة، حتى إنه قيل على سبيل التهكّم إن موقعها سريّ أيضاً) بأنّ فيها مجمّعات للمكاتب والسكن والمطاعم ودور السينما والترفيه والمقاهي والمسابح والمراكز التجاريّة للتسوّق والأندية الرياضيّة وملاعب التنس والمدارس ومراكز الحضانة وصالونات التجميل والحلاقة. فالأبنية السكنيّة تزيد على 916 شقة، وأبنية المكاتب تتسع لألف موظف، أما مبنى السفير السكني فمساحته حوالى 16,000 قدم مربع. بالإضافة إلى ذلك، هذه المجمّعات لها بنية تحتيّة مستقلة عن مدينة بغداد. فلها مولّداتها الكهربائيّة الخاصة، ومصادر مياهها الخاصة المستقلّة عن شبكة مياه بغداد. أما أمنها فهو من صلاحيّات جنود مشاة البحريّة الأميركيّة (المارينز). وكالمدن السومريّة في العراق القديم، (أوروك مدينة جلجامش على سبيل المثال)، ستكون السفارة محاطة بسور يعلو 9 أقدام كشاهد على عالمي «الحضارة» داخل السفارة، و«الجاهليّة» التي تسود خارجها، وكشاهد أيضاً على درجة «الثقة» و«الامتنان» التي يكنّها العراقيّون لـ«محرّريهم».

ولدواع أمنيّة أيضاً، يقال إن أغلب العاملين في مشروع بناء السفارة ليسوا عراقيين بل هم من الآسيويين الذين يعيشون في مكان البناء ولا يخرجون للتجوّل في المدينة. طبعاً العراقيون يعشقون الديموقراطيّة كما أخبرنا الرئيس بوش، ولكنهم في نظره لا يؤتمنون حتى للعمل في البناء وصبّ الباطون في بلد تزيد نسبة البطالة فيه على 60 في المئة من جراء حرب هجّرت أكثر من ثلاثة ملايين وتركت أكثر من مليون ضحيّة، وفتحت طريق الجحيم للقوى الظلاميّة، لتعمل قتلاً وتدميراً، يقول عنها المفلسون إنها «مقاومة»، والمقاومة منها براء.

تعود بنا المؤرخة جين لوفلير إلى مهمة السفارة التقليديّة، وهي الانفتاح على سكان البلد الواقعة فيه السفارة، والاحتكاك اليومي بالسكان لمعرفة ما يجري على أرض البلد. وإن زيارات الدبلوماسيّين وموظفي السفارة الكبار للدوائر الحكوميّة والمؤسّسات المدنيّة والتربويّة والجامعات وما شابه ذلك، كانت من صلب العمل الدبلوماسي ومهمة من مهمات السفارة تقليدياً، فمن سيصدق أن السفارة/القلعة المحصّنة المسوّرة في بغداد ستكون قادرة وجاهزة لتأدية هذا الدور الكلاسيكي؟ أية رسالة على العراقيين أن يقرؤوها من خلال هذه السفارة؟ «إذا كان صحيحاً أن الأميركيّين واثقون من مستقبل الديمقراطيّة في العراق، فـ«السفارة الجديدة لا توحي بذلك». هذا ما قاله أحد الدبلوماسيين. فبناء كهذا لا يوحي فقط بأن الديموقراطيّة بعيدة عن العراق في ظل الاحتلال، وأن الحرب الأهليّة وتقسيم البلاد سيُعمل على تنفيذهما قريباً، بل يعني أيضاً أن الأميركيين باقون في أرض الرافدين إلى أجل بعيد.

كتب السفير الأميركي السابق في العراق إدوارد بيك: «إن كان هناك أكثر من ألف موظف يعيشون خلف أكياس من الرمل، لا أدري كيف نستطيع أن نمارس العمل الدبلوماسي». ربما لا ترمز هذه السفارة إلى الدبلوماسيّة بالمعنى المتعارف عليه التي قصدها السفير السابق، بل إلى دبلوماسيّة الاحتلال والعنصريّة والقوة (أبو غريب مثال ساطع على عمق «الديموقراطيّة» الأميركيّة وإنسانيتها، ديموقراطيّة جعلت العراقي يترحّم على زمن الطاغية صدّام). فجميع المؤشّرات تؤكّد أن الديموقراطيّة الأميركيّة هي الآن أكثر انكماشاً وانحساراً لا في توجّهاتها الخارجيّة فقط، بل أيضاً في داخل المجتمع الأميركي نفسه، الذي تسيطر عليه اليوم نزعة أكثر بوليسيّة... هل يعي ذلك الليبراليّون الجدد في بلادنا العربية؟

لا شك في أن نقاشاً حول السياسة الأميركيّة في العراق يجري في الأوساط السياسيّة والحكوميّة في الولايات المتحدة. بعضه كذب وتمثيل كالذي يجري في الكونغرس وفي جلساته المفتوحة للعموم والصحافة، وبعضه الآخر جدّي يجري في الجامعات بين الطلاب وفي منظمات المحاربين القدامى ومناهضي الحرب والمتضامنين مع أهالي الضحايا. طبعاً النقاش جدي ومرشح ليكون أكثر تأثيراً وإن لم يكن في المدى القريب. غير أنّه يجب على الذين يظنّون أن الأميركيين راحلون عن العراق قريباً أن يعرفوا أنهم واهمون جدّاً، «فنحن هنا وباقون لأمد طويل»، هذا ما تقوله السفارة الجديدة إن حكت.
"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018