أميركا: أنا.. بوليس الشرق الأوسط../ عصام نعمان*

قبـل انعقـاد مؤتمر أنابوليس، سارع أهل الممانعة والمقاومة إلى القول إنّه وُلد ميتاً. بعد انعقاده، كادت كوندوليزا رايس تردّ عليهم قائلةً: المهم أنّه وُلِد، وهذا نعدّه نجاحاً.

الحقّ أنّ الطرفين مصيبان في تقويمهما الأوّلي رغم اختلاف المعايير. إذا كانت النتائج هي المعيار، فإنّ لا نتائج محسوسة للفلسطينيّين والعرب ستنجم عن المؤتمر. إذا كان مجرّد انعقاده هو المعيار، فقد نجحت أميركا، رغم كلّ الصعوبات والعوائق، في جرّ العرب إلى مهرجان للكلامولوجيا الدبلوماسية أعلنت من فوق منبره بالفم الملآن وأمام العالم أجمع: أنا... بوليس الشرق الأوسط المسؤول عن أمنكم واستقراركم، فحذار المراوغة والمشاغبة. إسرائيل ليست عدوّاً، إيران هي العدو. سوف أضعكم وإسرائيل على سكّة المفاوضات كي تحلّوا مشاكلكم بالتي هي أحسن، وتتصالحوا قبل أن تنقضّ إيران عليكم جميعاً.

سكّة المفاوضات تعبيرٌ ملطَّف عن قطار التطبيع. جميع المدعوّين ركبوا القطار المريح. ولأنّ مسافة المفاوضات طويلة، فلا بدّ من أن يلتقي الركّاب كثيراً أثناء الرحلة، ويرفعوا قناع العداوة فيما بينهم، ويتبصّروا في شأن «العدو» الجديد الذي حذّرتهم أميركا من مغبّة إغفاله أو إهماله.

مع ذلك، لا نتائج لافتة للمؤتمر. إيهود أولمرت كان قد أكدّ ذلك قبل انعقاده. هو لم «يغشّ» أحداً. فقد قال لأعضاء الكنيست إنّ لا قرارات ستصدر عن المؤتمر، لأنّ مهمّته هي وضع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على سكّة المفاوضات من أجل الوفاء بمتطلّبات «خريطة الطريق». المفاوضات ستستغرق زمناً طويلاً، ربّما عشرين أو ثلاثين سنة.

هذا ما قاله دونما مواربة. ومع ذلك، لم يجد محمود عبّاس سبباً لرفض حضور المؤتمر. ربّما لأنه وغيره من المسؤولين العرب يريدون إرضاء أميركا، حتى لا نقول استرضاءها، لا انتظار تراجعات من إسرائيل.

لكن ماذا عن سوريا؟ هل يُعقَل أن يكون ثمن حضورها المؤتمر وضع قضيّة الجولان على جدول الأعمال؟ لا أحد يصدّق أنّ دمشق ترتضي هذا الثمن البخس. فالمؤتمر عبارة عن سوق عكاظ أميركي يستطيع روّاده أن يلقوا من فوق منابره ما يريدون من أدب السياسة ولواعج الدبوماسية. فهل يعقَل أن تكتفي دمشق بمنحها بطاقة الدخول كي تذكّر سائر الروّاد بأنّ ثمة قضية اسمها الجولان، لا يجوز أن تطويها آفة النسيان؟
سائليني يا شآم...

ثمّ، هل ننسى أنّ منظّمات المقاومة المتشدّدة ـ حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ التي تتّخذ من دمشق مقرّاً لها، كانت قد دعت محمود عبّاس وبقية المسؤولين العرب إلى عدم حضور المؤتمر، وأنّ خالد مشعل ندّد به قائلاً: «إنّه يهدف إلى مساندة إسرائيل بعد حرب تمّوز في لبنان، وتغطية حرب محتملة على إيران»؟ وهل ننسى أنّ إيران نفسها دانت المؤتمر، ووصفه محمود أحمدي نجاد بأنّه تافه، وأنّ المشاركة فيه دليل نقص في الذكاء السياسي؟. وهل ننسى أنّ منظّمات المقاومة المتشدّدة كانت قد دعت إلى مؤتمر موازٍ في دمشق في 8 من الشهر الجاري لكشف أبعاد مؤتمر أنابوليس وأخطاره، فكان أن طلبت دمشق إلى منظّميه تأجيل انعقاده؟ وهل ننسى أنّ إيران سارعت إلى جبر خواطر الفلسطينيّين بدعوتهم إلى عقد مؤتمرهم في طهران بعدما تكفّلت بتغطية نفقاته؟

هذه المواقف والملابسات، دفعت المراقبين الخبثاء إلى التخمين أنّ ثمناً أكبر من مجرّد إدراج قضية الجولان على جدول أعمال المؤتمر يجب أن يكون قد دُفع إلى دمشق لإغرائها بحضوره. في هذا المجال، تكثر التكهّنات وأبرزها اثنان: الأوّل، أنّ واشنطن أدركت بعد طول مكابرة أن لا سبيل إلى إيجاد مخرج لها ولحلفائها من مأزق أزمة لبنان إلاّ بمفاوضة سوريا، وبالتالي فكّ طوق العزلة الذي ضربته حولها، وأنّ مسؤولاً أميركياً رفيعاً حضر إلى دمشق من أجل التفاهم معها على أسس المخرج العتيد. الثاني، أنّ واشنطن أدركت أيضاً أن لا جدوى من متابعة حربها المكلفة في العراق، وأنّ إيجاد مخرج لها يوجب التفاهم مع سوريا لتكليفها المشاركة في قوّة ردع إسلامية تملأ الفراغ الأمني الذي سينشأ غداة سحب القوات الأميركية. ومع ذلك، فإنّ ثمة من يتبرّع بتفسير ثالث مفاده أنّ الثمن الذي قبضته سوريا، أو وُعِدت بقبضه لقاء حضورها المؤتمر، لا يعدو كونه وعداً بفكّ طوق العزلة عنها وعقد مؤتمر خاص بالجولان لم يحدد له زمان.

ولكن ماذا عن لبنان؟ أيّ جدوى يرتجيها أو خدمة ينتظرها من المؤتمر، وقد بات جمهورية بلا رأس، وحكومة بتراء مطعون في دستوريّتها وشرعيّتها، وسط انقسام حادّ في الرأي العام ومعارضة صريحة للمشاركة في المؤتمر، تقودها المقاومة اللبنانية وأحزاب المعارضة والقوى الوطنية الحيّة؟

مهما يكن من أمر، فإنّ حكومتي أميركا وإسرائيل سعيدتان بما حدث وبما قد يحدث. واشنطن سعيدة لأنّ 40 دولة، بينها 16 دولة عربيّة، شاركت في المؤتمر، وعاينت قيام النظام العربي الرسمي بإهداء إسرائيل التطبيع المجّاني على طبق من فضّة. أمّا إسرائيل، فهي سعيدة بطبيعة الحال، لأنّ معظم الدول العربية والإسلامية شاركت في تظاهرة دوليّة ترمي، ولو بصورة غير مباشرة، إلى الإعلان عن حقيقة مزوّرة عنوانها أنّ إيران لا إسرائيل باتت «عدوّ» العرب والمسلمين.

قد يكتفي جورج بوش بهذا المؤتمر الحاشد لإيهام الأميركيّين بأن العرب والمسلمين أعطوه صكّ براءة عمّا ارتكبته إدارته، مباشرةً أو مداورةً، من تقتيل وتدمير في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان والصومال ودارفور وباكستان وحتى في تركيا، فيستفيد منه ليحسّن من أوضاع حزبه الجمهوري في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة.

وقد لا يكتفي بذلك، فتأخذه النشوة إلى محاولة تسديد ضربة عسكرية صاعقة لإيران ... كل الخيارات والاحتمالات واردة لدى هذا الرئيس الأميركي الذي أضحى للّاهوت دور في تقرير سياسته. أمّا قوى المقاومة وأهل الجهاد في العالم العربي والإسلامي، فإن المزيد من الشيء نفسه هو كلّ ما لديهم في مواجهة لاهوت بوش الوحشي: المقاومة والمزيد من المقاومة وتوسيع دوائر الاشتباك مع العدوّ المعولم في أربع جهات الكون.
"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018