حواجز وعقبات ومفاوضات../ ماجد عزام *

ليست كل العقبات حواجز، وليست كل الحواجز عقبات، العبارة التبريرية السابقة وردت على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس أثناء زيارتها الأخيرة إلى المنطقة نهاية آذار مارس الماضي.

في الحقيقة تبدو العبارة كأنها القاعدة أو الأرضية التي تنطلق منها السياسة الأميركية في الفترة الأخيرة تجاه المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية الهادفة إلى التوصل إلى اتفاق سلام نهائي في فلسطين.

الترجمة السياسية للمنطق الأميركي الجديد تعني أن ثمة اقتناعا أميركيا بنظرية أو أولوية الأمن الإسرائيلية، فليست كل الحواجز عقبات إنما تبدو هذه الأخير في مهمة ومركزية من اجل حفظ الأمن الإسرائيلي الذي يحتل الأولوية ليس في المفاوضات فقط بل في مجمل السياسة الأميركية في المنطقة. الشق الأول من مفهوم رايس يعني أن ثمة عقبات أخرى غير الحواجز، وهنا يمكن تلمّس الإستراتيجية أو الإطار الجديد للدبلوماسية الأميركية الساعية إلى إنقاذ هيبتها وصورتها وربما حتى حكم التاريخ عليها في عامها الأخير في الحكم.

الإطار الجديد يتضمن مسارين متوازيين الأول يمكن اختصاره بالحواجز ويتضمن القضايا الأمنية أو الانتقالية والمرحلية والتي تكاد الحواجز تمثل رمزا أو حتى اسما حركيا لها مثل حرية الحركة للمواطنين والبضائع في الضفة الغربية، وتسهيل انتشار القوات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في مدن الضفة الغربية، وهذا ينعكس بالطبع على الوضع الاقتصادي سواء في ما يتعلق بإنشاء المدن الصناعية وتسهيل تصدير المنتجات الزراعية والصناعية الفلسطينية، واستيراد المواد والبنى التحتية اللازمة والضرورية من أجل نمو وتطوير الاقتصاد الفلسطيني.

في السياق أيضاً تتضمن القضايا المرحلية والانتقالية الأسرى والمبعدين والمسار السابق يتم التعبير عنه أحياناً عبر خطة خارطة الطريق، تحديداً البند الأول منها الذي يطالب السلطة الفلسطينية بتفكيك البنى التحتية للمقاومة ووقف عملياتها ضد إسرائيل، فيما يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان وإعادة افتتاح المؤسسات الفلسطينية في القدس والعودة إلى حدود 28 أيلول سبتمبر 2000 طبعاً بتسهيل حرية انتشار القوات الأمنية الفلسطينية، وتسهيل حرية الحركة للمواطن والبضائع. اي اننا امام نجاح لعملية الالتفاف الإسرائيلية التكتيكية.

باختصار هذا البند ضمن عبارة أو مفهوم الحواجز واعتبار تفكيك 50 ساترا وحاجزا واحدا من أصل ستمائة حاجز وساتر تنازلا كبيرا حصلت بعده إسرائيل على إطراء أميركي وأوروبي وفلسطيني، كما قال ايهود باراك، وهي أيضاً تعبير عن منظور ايهود أولمرت للتفاوض من أجل الوصول إلى أكبر قدر ممكن من التفاهمات على اكبر عدد ممكن من القضايا، نحن أمام استنساخ للأسلوب الإسرائيلي المعروف تجزئة القضايا وإغراق المفاوضات في التفاصيل، واعتبار التفاهم على أي تفصيل صغير حد إنجاز أو نجاح تستحق إسرائيل الإطراء عليه.

الشق الثاني من مفهوم رايس ليست كل العقبات حواجز يتعلق بالقضايا النهائية التي تصر السلطة الفلسطينية على التفاوض الجدي والبناء من اجل التوصل إلى حلول لها. ونحن هنا أمام إستراتيجية إسرائيلية وتساوق أميركي مع هذه الاستراتيجية، بمعنى إعطاء الأولوية للقضايا المرحلية والتكتيكية، وتقديم التنازلات الوهمية فيها لارتداء قناع الرغبة في البحث عن السلام واستغلال هذا القناع من أجل التصلب في القضايا والملفات النهائية، والتي لم يتحقق أي انجاز جدي فيها حتى الآن، والتي تبدو أيضا أسيرة الخطوط الحمر التي تحدثت عنها تسيبي ليفني منذ أيام؛ لا لعودة اللاجئين لا لتقسيم القدس أو التفاوض حول الأماكن المقدسة، نعم لضم الكتل الاستيطانية الكبرى في محيط المدينة المقدسة وغرب الضفة الغربية إلى إسرائيل، وترسيم الحدود وفق مسار الجدار الفاصل الذي يبتلع نصف أراضي الضفة يحول النصف الثاني إلى كانتونات محاصرة معزولة عن بعضها البعض.

المسار المزدوج الانتقالي والنهائي بنيت أسسه في لقاء أنابوليس كحل وسط أميركي بين المطالبة الفلسطينية بالمفاوضات النهائية مباشرة والمطالبة الإسرائيلية بالانطلاق من البند الأول من خارطة الطريق الترجمة العملية الأولى لهذا المسار، تمثلت باجتماعات ثلاثية لافتة لكوندليسا رايس وبشكل غير مسبوق الاجتماع الأول ضم رايس إلى كل من ايهود باراك وسلام فياض، وعني بالقضايا الانتقالية أو الأمنية أي مسار الحواجز بالاحرى، والاجتماع الثاني ضم رايس إلى كل من وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني رئيسة لجنة التفاوض المركزية من الجانب الإسرائيلي وأحمد قريع رئيس لجنة التفاوض المركزية من الجانب الفلسطيني، الإدارة الأميركية تحاول كما العادة بث الانطباع أنه حتى الوهم بالجدية في التوصل إلى اتفاق سلام نهائي قبل نهاية هذا العام 2008 أي مع نهاية الولاية الثانية والأخيرة للرئيس جورج بوش، رغم ان الواقع يشير الى تخفيض منهجي للسقف، ففي البداية تم الحديث عن اتفاق مفصّل، نهائي يضع حلولاً واضحة ومع جدول زمني لكل القضايا محل الخلاف وبعد ذلك جرى الحديث عن اتفاق إطار او اعلان مبادئ يضع الخطوط العريضة أو التصور العام للحل، والآن وبعد زيارة رايس يتم الحديث عن إعلان نوايا يشير الى الرغبة في التوصل إلى حل نهائي على قاعدة حل الدولتين وخارطة الطريق.

وفي جميع الأحوال نحن بصدد إعلان أو اتفاق رف تنفيذه منوط بتطبيق الفلسطينيين للبند الاول من خارطة الطريق وقف العمليات وخاصة إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، أي أن يتم تعليق وتجميد أي إعلان أو اتفاق بتحول الفلسطينيين إلى فنلنديين، كما قال ذات مرة دوف فايسغلاس واصفا او حتى مادحا لخريطة الطريق وبندها الأول.

غير أن الأخطر من ذلك يتمثل بالمسار الثالث الموازي الذي اتبع منذ أنابوليس حتى الآن وفضحته جمعية "عير عميم" الإسرائيلية التي قالت في تقرير لها نشر بتاريخ 05/04/2008 إن إسرائيل منذ أنابوليس تقوم باتخاذ خطوات أحادية الجانب في القدس الشرقية بدلا من مفاوضات سياسية مكثفة في الطريق إلى اتفاق السلام.

أضافت الجمعية انه ومنذ لقاء أنابوليس بنيت 9617 وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية، وأن تخطيطا وبناء متسارعا يجري حالياً في 471 وحدة سكنية في مستوطنات في قلب الأحياء السكنية الفلسطينية، كما أن منازل 14 عائلة فلسطينية في القدس هدمت، وألغت الشرطة العشرات من الأحداث السياسية الدينية والاجتماعية التي نظمها مواطنون فلسطينيون، واستؤنفت الحفريات أسفل باب المغاربة في البلدة القديمة، وكذلك حفريات أثرية غير شرعية تحت الحي الإسلامي، وفي بلدة سلوان في القدس الشرقية.

تقرير جمعية "عير عميم" خلص إلى أن لقاء أنابوليس مهد الطريق أمام المزيد من الإجراءات الإسرائيلية في ما يتعلق بالجهود الاستيطانية الأحادية الجانب بدلاً من أن يتحول إلى نقطة بداية جديدة في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية. يوفال ديسكين قائد جهاز الأمن العام "الشاباك" اعترض على التسهيلات والتنازلات التي قدمها باراك تحت مفهوم أو مسار الحواجز قائلاً لا مبرر لتقديم تسهيلات تخفف الضغط على الفلسطينيين، في مقابل المجازفة بعملية سياسية دبلوماسية قصيرة الأمد لن تقود إلى شيء، أما وزير البنى التحتية بنيامين بن اليعزر فوصف المفاوضات بأنها خيالية ومجرد تظاهر.

من أجل إعلان مبادئ واتفاق رف يتم التضحية بالوحدة الوطنية الفلسطينية وحتى المشروع الوطني، أما من الجانب الإسرائيلي فالتظاهرة التفاوضية ليس أكثر من ستار لفرض الحدود من جانب واحد عبر ضم الكتل الاستيطانية وعزل القدس والأنحاء عن الجدار الفاصل كحدود مع الكيان الفلسطيني شاء من شاء وأبى من أبى، وكل ذلك تحت غطاء كثيف من ضباب التصريحات والمفاهيم والتخريجات الأميركية الباحثة عن انجاز دبلوماسي بأي ثمن حتى لو تمثل ذلك بالآمال والطموحات الوطنية الفلسطينية وأدى على المدى البعيد الى اشعال المزيد من الحرائق في المنطقة المشتعلة والمنكوبة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018