قمة دمشق الرباعية خلفيات وتطورات../ راسم عبيدات


.....لعل انعقاد قمة دمشق الرباعية بأطرافها الأربعة (فرنسا، تركيا، سوريا وقطر)، شكل الحدث الأهم والأبرز في منطقة الشرق الأوسط، وأثبت وبما لا يضع مجالاً للشك أن سوريا لاعب إقليمي رئيسي في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية، وسوريا المصنفة أمريكيا كإحدى دول محور الشر، والتي سعت بكل الطرق والوسائل من حصار ومقاطعة وسن قوانين وتشريعات وإصدار قرارات دولية لعزلها وتهميش دورها، أثبتت دبلوماسيتها بقيادة رئيسها الشاب بشار الأسد قدرة غير عادية على الصمود، وكسر هذه العزلة، ولعل النجاح الأبرز والذي يسجل لسوريا في هذا الجانب والمجال، هي الجهد السوري- القطري الذي نجح في توقيع اتفاق الدوحة بين الأطراف اللبنانية، وحل مشكلة الاستعصاء اللبناني من خلال انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

والمسألة لم تقف عند هذا الحد، بل استطاعت سوريا أن توجه إهانة قوية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عندما دخلت مع إسرائيل بوساطة تركية محادثات سلام غير مباشرة، حول الانسحاب من هضبة الجولان، في وقت كانت فيه أمريكا تحظر على إسرائيل الدخول في محادثات مع سوريا حول ذلك، دون أن تتخلى سوريا عن تحالفها الاستراتيجي مع إيران، وتفك علاقاتها وتحالفاتها مع قوى المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين.

ومن الهام جداً قوله إن من النجاحات الهامة لهذه القمة، أنها أعادت فتح خط العلاقات السورية -التركية والذي كان مغلقاً لفترة طويلة، بسبب القضية الكردية والتي طالما كانت مصدر قلق وصراع للبلدين. كما أنها أعادت ترميم العلاقات الفرنسية - السورية، والتي شهدت توترات وتداعيات خطيرة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، ومن ثم العدوان الإسرائيلي في تموز/ 2006 على لبنان، ولكن نجاح الوساطة السورية - القطرية في حل مشكلة الاستعصاء اللبناني، شكل حافزاً لفرنسا لإعادة علاقاتها مع سوريا.

من الواضح جداً أن هناك بوادر أفول نظام القطبية الواحدة، والتي بدأنا نلحظ بوادره هذه عقب تصاعد الفشل الأمريكي في العراق، وما تحققه المقاومة العراقية من نجاحات وانتصارات، والتي حاولت أمريكيا التعويض عنها بشن حرب على قوى المقاومة والممانعة العربية، وبناء ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير،هذا الشرق الأوسط الذي عهدت أمريكا إلى إسرائيل بشن حرب بالوكالة عنها على لبنان تموز/2006، ولكن صمود حزب الله وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، أجهض ولادة هذا الشرق الأوسط، وهذا ترافق أيضاً مع صمود فلسطيني أمام الحصار الظالم الذي فرضته أمريكا وإسرائيل على شعبنا الفلسطيني من بدايات عام/ 2006، وجاءت التطورات اللاحقة لكي تؤكد بأن هناك تسارعا نحو انهيار نظام القطبية الواحدة، من خلال الضربة القوية التي وجهتها روسيا لأمريكا في الحرب الجورجية - الروسية، والتي كانت تستهدف أمريكا من خلالها حصار روسيا، وتشكيل تهديد جدي لأمنها ومصالحها في عقر دارها، ناهيك عن أن جورجيا لو نجحت الخطة الأمريكية، لتم استخدامها كقاعدة لشن عدوان أمريكي- إسرائيلي على إيران. وهذا الفشل الأمريكي هناك وما أعقبه من زيارة للرئيس السوري إلى روسيا وعقد اتفاقيات معها ،واستعداد روسي لتزويد سوري بأسلحة دفاعية وغيرها، وخاصة بعد انكشاف الدور الإسرائيلي التخريبي في جورجيا، كل ذلك يدفعنا للقول بأن هناك العديد من التبدلات والتغيرات قد تحث على المستوى الإقليمي والدولي، وخصوصاً وهو يثبت يومياً أن أمريكا والتي تحاول الرهان على ما يسمى بمعسكر الاعتدال العربي هو رهان خاسر، وهذا المعسكر يزداد تآكلاً حضوراً وجماهيرية ودورا، وبالمقابل بتعزز دور وحضور قوى الممانعة والمعارضة والمقاومة العربية.

فالانحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل، وتشكيل مظلة سياسية لحماية ممارساتها وخروجها عن القانون الدولي، يجعل من غير الممكن إيجاد حلول لبؤر الصراع في المنطقة، وفق الرؤيا والمنظور الأمريكي.

ومن هنا جاءت قمة دمشق الرباعية والتي حضرتها دولة كبرى (فرنسا)، ودولة شرق متوسطية وقوة إقليمية كبرى (سوريا)، ودولة أدنوية كبرى (تركيا)، ودولة ذات أهمية إستراتيجية، ودورها الدبلوماسي الكبير، لجهة روابطها وتحالفاتها وعلاقاتها الأمريكية (قطر)، لكي تناقش الكثير من الملفات الهامة والجوهرية، والتي أهمها ملف التطورات في الشرق الأوسط، وملف التعاون الشرق أوسطي، وملف المحادثات السورية- الإسرائيلية، وملف تطورات الوضع في لبنان. ففرنسا ما تريده من سوريا، هو ضمان مصالحها في لبنان، والضغط على إيران فيما يخص مسألة امتلاك السلاح النووي وإيجاد حل دبلوماسي لذلك، يمنع حصول كارثة، قد تنجم من أي عدوان إسرائيلي على إيران، وما يعقب ذلك من تداعيات وتطورات غاية في الخطورة، وهي تريد تعاوناً سورياً يضمن لها مصالحها على مستوى منطقة الشرق الأوسط والخليج، وسوريا تريد من تركيا وفرنسا لعب دور فاعل في العملية السلمية، يقوم على انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان، وبما يشكل مقدمة لإنهاء ملف الصراع العربي- الإسرائيلي (لبنان وفلسطين)، ومن خلال منظور يختلف عن المنظور الأمريكي. وقطر التي لعبت دوراً في حل مشكلة الاستعصاء اللبناني، مرشحة هي الأخرى لحل مشكلة الاستعصاء الفلسطيني- الفلسطيني، وكذلك الدخول على خط صفقة تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل (تسليم رسالة من والد الجندي الإسرائيلي المأسور) "جلعاد شاليط" إلى قيادة حماس، وخصوصاً أن الدور المصري يراوح مكانه، وتتعالى الأصوات باستبداله بقناة أخرى أكثر جدية وفاعلية، ناهيك عن طموح قطري في دمج إيران ضمن منظومة دول المنطقة وأمن الخليج، وحل الشوائب المعيقة لذلك، الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران. وتركيا تطمح من ذلك بشكل قوي إلى إزالة الاعتراضات الأوروبية عليها للانضمام للسوق الأوروبية المشتركة، وتعزيز علاقاتها مع سوريا، بما يساعد على تقوية علاقاتها التجارية والاقتصادية مع العراق، وكذلك قد تساهم سوريا بعلاقاتها الطيبة مع أطراف الأزمة القبرصية، في إيجاد حل لتك المشكلة، والتي تشكل أحد العوائق الهامة أمام تركيا للانضمام للسوق الأوروبية المشتركة.

واضح جداً أن الدبلوماسية السورية بقيادة بشار الأسد، قد نجحت بامتياز في كسر الحلقة الأمريكية بعزل سوريا، وكذلك الدور السوري الإقليمي بتعزز حضوراً ووجوداً، وهذا يجعل الضغوط والقيود الأمريكية على سوريا، ليست ذات جدوى أو قيمة، والتطورات والمتغيرات اللاحقة، تشير إلى تغيرات وتبدلات في السياسة الدولية، لجهة إنهاء احتكار أمريكا للقطبية الواحدة، والعملية السلمية في المنطقة، والتي لكي تضمن شرق أوسط مستقر، تحتاج لرعاية دولية أخرى، فيها قدر من التوازن، ولعل ما صدر عن البرلمان الأوروبي، من دعوة لإسرائيل بإطلاق سراح القائد البرغوثي وأعضاء التشريعي الفلسطيني واحترام القانون الدولي، والتلميحات بتغير مبعوث الرباعية للشرق الأوسط المنحاز لإسرائيل"توني بلير"، يمهد لمثل هذه التبدلات والتغيرات.