الحصاد الأمريكي في أفغانستان/ عبد الاله بلقزيز

انقضت سنوات سبع على الحرب الأمريكية على أفغانستان التي انتهت بغزوها وبإسقاط نظام حركة “طالبان” سيمر وقت طويل قبل أن نعرف على نحو من الدقة كيف أمكن لذلك الغزو أن ينجح سريعاً من دون أن يكلف الغزاة كثيراً في أيامه وأسابيعه الأولى، وما إذا كان دور إيران في التمكين له، وكيف أمكن تسخير قوى المعارضة الشمالية وراء أمريكا: وهي التي قاتلت قبلها قوات الاحتلال السوفييتية، وكيف أمكن تحييد روسيا في حرب كبرى تجري على مقربة من حدودها، ومن الذين مولوا الحرب من خارج قوات الغزو الأطلسية، وكيف سهل برويز مشرف أن يضع طاقة باكستان كلها تحت تصرف الحرب الأمريكية مهدداً أمن باكستان القومي من خاصرته الأفغانية، ومغيراً استراتيجيات بلاده التقليدية حيال أفغانستان ومجبراً المؤسسة العسكرية والاستخبارات ذات الارتباط الوثيق ب”طالبان” على مجاراته.

وسيمر وقت طويل قبل أن نعرف- على وجه اليقين- إن كان ثمة من صلة فعلية غير مفتعلة بين الحرب على أفغانستان وبين الحرب على “القاعدة” رداً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ،2001 أم هي عينها “الصلة” بين غزو العراق وبين “علاقات” نظامه الوطني السابق بتنظيم “القاعدة” كما سنحتاج إلى وقت أطول لمعرفة ما إذا كان احتلال أفغانستان على صلة بنفط المنطقة وخط أنابيبه في بحر قزوين وأزمات القوقاز والأمن القومي الروسي ومستقبل النفوذ الصيني في المنطقة من البوابة الباكستانية.. الخ.

وإلى أن تصبح صورة ما جرى أكثر وضوحاً وجلاء أو أقل ضبابية والتباساً، فإن الواضح منها اليوم ليس قليلاً، وخاصة على صعيد نتائج الحرب ومآلاتها بعد سنوات سبع من اندلاعها، فالنتائج والمآلات هذه تقول الكثير مما لا يقبل التأويل لبداهة معطياته.

إنها تقول، ابتداء، إن الغزوة الأمريكية- الأطلسية لأفغانستان أخفقت في تحقيق ما رامته من أهداف منذ انطلاقتها، وأهم أهدافها المعلنة التصفية المادية الكاملة لحركة “طالبان” وتوليد نظام سياسي موال وتابع، والإمساك الأمني التام للبلاد من طرف القوات الأطلسية. سقط نظام “طالبان”، وما كان له أن يصمد في حرب نظامية شاملة غير متكافئة، لكن الحركة لم تسقط ولم تتفكك أعادت تنظيم قواها الذاتية وصفوفها وانتقلت من عمليات الدفاع التراجعي إلى الهجوم المنظم وإرهاق قوات الاحتلال إلى السيطرة على مناطق الجنوب والجنوب الشرقي وإدارتها كسلطة كاملة الدور والأدوات. أما حكومة قرضاي فانكمشت إلى العاصمة كابول، وفقدت القدرة على الدفاع عن مؤسساتها وبات رئيسها نفسه يتحدث عن حتمية الحوار مع “طالبان” فيما زاد الأمن انهياراً أكثر من ذي قبل وتراجعت قدرة قوات الاحتلال على الحركة الحرة خارج القواعد العسكرية المحروسة.

وهي تقول، ثانياً، إن الهندسة السياسية الأمريكية لمستقبل أفغانستان بعد الغزو لم تنجح، على الرغم من المساعدة السياسية الإيرانية، في إنتاج سلطة سياسية مستقرة بسبب افتقار تلك السلطة إلى النصاب التمثيلي الذي يوفر لها الاستقرار. فحين يستبعد الباشتون من التركيبة السياسية أو “تمثلهم” وجوه لا صفة لها، لا يمكن لهذه السلطة أن تحكم باسم الطاجيك والأوزبك والهازار وغيرها من التكوينات الاثنية والاجتماعية المحسوبة في عداد القلات “الأقليات” على نحو ما هو عليه أمرها منذ نيف وستة أعوام. وحين يذوب الخلاف بين أعداء الأمس “طالبان” و”الحزب الإسلامي” بزعامة حكمتيار وتتوحد قواهم في مواجهة الاحتلال والسلطة الموالية، فإن المشترك الإثني- الاجتماعي الباشتوني وحده يفسر وجهة التغيير في الاصطفافات والتحالف، سواء ارتضى الأمريكيون وحلفاؤهم أم أبوا، فإن “طالبان” اليوم وربما أكثر من الماضي، هي اللسان السياسي للباشتون، وأن أي مستقبل لأفغانستان لا يقبل البناء من دون أن يكون لهذه القوة الاجتماعية- السياسية الرأي الحاسم فيه.

وهي تقول ثالثاً، إن الحرب الأمريكية على الإرهاب وعلى تنظيم “القاعدة” في أفغانستان والجوار لقيت فشلاً ذريعاً، فهي ليس فقط لم تستطع تدمير التنظيم أو شل قدرته على الحركة، بل إن قادته “ابن لادن، الظواهري” مازالوا أحياء يرزقون، يتحركون بحرية تتحدى قدرة الاستخبارات الأمريكية والغربية على الرصد والتحديد، ويخوضون حربهم الإعلامية على الإدارة في واشنطن، ويقودون معارك جماعاتهم في أفغانستان وباكستان والعراق والصومال وفي أمكنة متفرقة من العالم، وكأن غزو أفغانستان وقصف تورابورا ووزيرستان مجرد مشهد من مشاهد الألعاب النارية.

ثم إنها تقول، رابعاً، إن سياسة دق الإسفين بين باكستان وأفغانستان، من طريق تسخير نظام مشرف وإشراكه في الحرب الأمريكية على الإرهاب، ما قادت أمريكا سوى إلى المزيد من تنمية العلاقات بين الباكستانيين وحركة “طالبان” على نحو ما يكشف إيواء مناطق القبائل لمقاتلي الحركة. بل هي لم تؤد بأمريكا سوى إلى فتح جبهة معادية جديدة لها في باكستان يزيدها الغباء السياسي والعسكري المتمادي قصفاً للمدنيين في وزيرستان اشتعالاً وانفجاراً. بل إن المعركة ضد السياسة الأمريكية انتقلت من الحدود إلى داخل إسلام آباد وكراتشي وغيرهما من كبرى المدن التي بات أمنها عرضة للانهيار، وكان أول نتائج تلك المعركة إسقاط حليف أمريكا الأول في البلاد.

وأخيراً تقول إن الحرب لم تكلف أمريكا سوى خسارات فادحة في أرواح جنودها وفي اقتصاد أخذت منه الحرب مئات المليارات من الدولارات، ونكسة كبيرة لهيبتها كدولة عظمى عجزت عن السيطرة على بلد مازال غارقاً في القرون الوسطى، وانهياراً مروعاً لمشروعها الامبراطوري في المنطقة، وفقداناً متزايداً لقيادتها العسكرية للتحالفات العالمية داخل الناتو وخارجه، وخسارة هائلة لحربها ضد الإرهاب. ولكن هذه لم تكن مشكلة أمريكا وحدها في أفغانستان، بل مشكلة سائر من شاركوها الحرب في أفغانستان وعليها.