عن حصار غزة.. وأبو مازن.. ومشتقاته في الداخل../ د.عمر سعيد

من رحاب مكة المكرمة، ومتسربلاً بثوب الإحرام الأبيض النقي، أطل علينا رئيس السلطة الفلسطينية برأسه الأبيض، مستنكراً ومتهماً "سلطة حماس" بمنعها الحج لبيت الله الحرام عن أبناء غزة المحاصرة، موازياً بين فعلتها تلك وبما أقدم عليه كفار قريش والقرامطة من بعدهم، في مشهد غريب هو أقرب إلى المهزلة منه إلى المأساة.

لسنا هنا في معرض التحقق من حيثيات وتفصيلات هذه الحادثة المحزنة، إذ لم يعد مستغرباً عن الطرفين صدور ما هو أكثر حمقاً وأذية في أوج "منازلة الديكة" الانتحارية الجارية فصولها على دمائنا. فالمحنة الكارثية التي تعتري الجسد الفلسطيني باتت حقيقة مأساوية لا ينتطح حيالها عنزان، وهي من العمق بما يجعلها عصية على وسائل التصالح التقليدية التي عرفتها فصائل الثورة الفلسطينية خلال صراعاتها وانقساماتها المتعاقبة. غير أنه في ذاك الزمن كان مبعث الاقتتال، غالبا، هو التنافس على رفع أو خفض سقف النضال لحده الأقصى ولكن انطلاقا ونهاية من ثوابت المشروع الوطني الفلسطيني، وليس جذريا لهذا الحد بين مشروع جهادي مقاوم، حتى ولو اعتورته نزعة "بلطجية" وأصولية ريفية متعصبة، وآخر تفريطي مجند بالكامل، تشابكت مصالحه مع المحتل، ولا يعترف بالحسم الديمقراطي، في عراك مجنون تحول في أذهان الناس إلى صراع محبط على سلطة وهمية بائسة.

يكاد الدمع يتفجر في المآقي والقلب ينفطر في الصدور ونحن نشاهد عذابات أطفالنا ومرضانا وشيوخنا ونسائنا.. جراء الحصار العربي- الصهيوني التصفوي وتنكيل الدولة العبرية بأهلنا الغزيين المنسيين حتى من قبل رئيسهم الحاج اليانع محمود عباس، والمسكون أساسا بهاجس السلطة والفتن الصغيرة حتى وهو في الديار الحجازية. عليه، فلا ينبغي أن ينظر لهذا "الظهور المكي الأبيض" الغارق في ورعه بعين السذاجة أو التصادف أو حتى "الأكشن" الذي عودنا عليه "أبو مازن"، حيث صولاته بمواجهة أهله وشعبه كثيرة، وجولاته للاستقواء بالأجنبي وحتى العدو لا تعد ولا تحصى، ذلك لأن الوقائع السابقة تعزز لدينا الاعتقاد أنه أريد لهذا المشهد الموقر أن يطبع في ذهن مشاهديه صورة "الرئيس المؤمن" بأبهى حللها وغرابتها، لتكون بالغة الدلالة والإيحاءات، يتحدى من خلالها حركة حماس في مجالها الديني الذي يميزها، وهي ساحة صراع جديدة لم نعهدها من قبل، ربما تعيد إلى أذهاننا خدعة رفع المصاحف على أسنة الرماح في معركة "صفين" الشهيرة.

من المعروف أن تلازم السياسي والديني في صدر المشروع الإسلامي الأصولي المعاصر، وما يعكسه من تحديدات اجتماعية مقولبة ومنفرة في أحيان كثيرة، قد أصبح يشكل ذريعة "علمانية تقدمية" لبعض خصومه في تبرير انحيازهم للخيارات السياسية الاستسلامية وشرعنة أحلافهم المشبوهة والمهادنة روحاً وجسداً للهيمنة الأمريكية والصهيونية وملحقاتها في المنطقة.

هذا ما شهدناه في لبنان عندما رفع فريق الرابع عشر من آذار حججاً "سيادية" ومذهبية، بل وكل ما يمكن تخيله من ادعاءات منمقة في مواجهة المقاومة الباسلة وإرادتها الكفاحية، وكان آخرها الحملة التنظيرية المكثفة ضد مشروعها الاجتماعي لمرحلة ما بعد التحرير الكامل، وذلك باسم التنور والمدنية وحماية شروط تشكل الدولة العلمانية الحديثة... وغيرها من قضايا محقة بجوهرها، لكن يراد لها أن تؤدي دورا مبطلا. لم تنطل هذه الألاعيب على أحد وبقيت مجرد أحلام وردية لتيار ارتهن مصيره بالأجنبي وبارجاته المتسكعة في عرض البحر.

أما في فلسطين، وبعد أن حول أبناء أوسلو "الشرعيون" منظمة التحرير إلى شبه شركة محدودة الضمان، وصار سلوك قائدها الأعلى أقرب إلى أحوال مدير عام أو رئيس لبلدية منه إلى قائد شعب ينشد التحرير ويضحي بالغالي والنفيس لتحقيق طموحه بالعودة والاستقلال.... فإن أية حركة بهلوانية لن تسعفه في استعادة ثقة شعبنا المجروح والمحاصر، حتى لو أتته إمدادات الدعم من بعض أدعياء "الوطنية العقلانية" ورسل العلمانية الانتهازية في الداخل.

بهذا السياق ينبغي أن نؤكد أمرا آن أوان إطلاقه في وجه البعض من قيادة أحزابنا الوطنية، والتي، على ما يبدو، أخذت على عاتقها مهمة تلميع وتسويق انحراف رموز السلطة بأي ثمن، بل بثمن معلوم يتراوح بين الدعم المادي والعيني، وصولاً إلى السياسي لستر العورات في تاريخها الحافل بمواقف تعادي الحركة الوطنية الفلسطينية، فضلا عن تمكينها من شراء الذمم والولاءات في أحزابهم ودوائرهم الانتخابية. لقد أوغلت تلك القيادات المحلية في تأييدها غير المشروط لسياسات السلطة، لدرجة أصبحت معها تتزاحم فيما بينها للظفر بودها ومدها، في ترد أخلاقي مثير للاشمئزاز بنفاقه المكشوف عبر تبريراتها المتهافتة بادعاء أولوية الاجتماعي على السياسي الوطني، وكأن شعبنا قد حقق أهدافه وبدأ مسيرة كفاحه لاختيار وتثبيت شكل النظام وطبيعة الحكم.

وقد يبرر بعض المتحاذقين منهم أنهم بذلك ينحازون لدعم "الشرعية" الفلسطينية، متناسين أن موقفهم المنحاز إياه كان هو عينه قبل أن تقدم "حماس" على حركتها الانقلابية. في حالة الاقتتال، فان المنطق السديد والمسؤولية الوطنية الحقة تقتضي من كافة أحزابنا وفعالياتنا في الداخل، الوقوف على مسافة واحدة حيال كافة أطرافه، وأن يتمحور فعلها في بذل جهود التصالح وإعادة اللحمة للبيت الفلسطيني الواحد، بصرف النظر عن حيثياته ومواقف أطرافه السياسية المتنازعة، دون أن يعني ذلك التنازل عن تشخيص أسباب الأزمة وإخضاع مفتعليها لنقدها الثاقب.

إن خسف الفعاليات الاحتجاجية لعرب الداخل، في مواجهة جريمة الحصار والإبادة المجتمعية، إلى ذلك المنسوب النضالي المخجل، والذي تبخرت منه إمكانية إعلان الإضرابات العامة ومظاهرها الجماهيرية الواسعة، على سبيل الإيضاح، واعتبار "سفينة كسر الحصار" ذروة سنام عطائنا قي هذه المرحلة، لهو مؤشر فاضح على تدني قيمنا الوطنية وانعكاس لتغلغل نفوذ "مدرسة السلطة الفلسطينية" في قيادة مؤسساتنا الجمعية، وذاك من خلال وكلائها المعروفين إياهم.

إن تجربة الحركة الوطنية في الداخل مع من عرف وقتها، بالجناح التفريطي في منظمة التحرير، والذي أصبحت غالبية رموزه في قيادة السلطة، بعدما دفع التيار "الفتحاوي" المناضل ضريبة صدقه دما واستشهادا وأسرا وإقصاء وتغييبا، أشارت دائما لخطورته وميوله مشبوهة المقاصد لاحتضان القوى الفلسطينية المتأسرلة، بل وحتى المتصهينة منها، واستبعاد التيار الوطني الحقيقي من دائرة اهتمامه وإضعافه، في مسعى مثابر بدا وكأنه منسق الأهداف والمراحل.

أمام هذا الواقع المزري، نتساءل آلمين ومحزونين كيف تضافرت الصدف العاثرة والأقدار الغادرة، حتى تقف في مقدمة شعب فلسطين العظيم قيادة باهتة، هي أحوج من تكون "لمعجم وطني لكي تفهم" أن شعبها، شعب البطولات والشهداء، براء من انهزاميتها وخنوعها، وبراء من تنكرها لدمها ومحنة أبنائها القابضين على الجمر في غزة، وأنه أكبر منها ومن إدمانها على تفاوض عبثي تتحرك حلقاته الثقيلة توقيتا مع جنازير دبابات المحتلين، دون أن تهتز لها قصبة... رحم الله ياسر عرفات "أبو عمار" قائد الثورة الفلسطينية المعاصرة الأول، وشهيد الحصار الصهيوني الأول.