عـرب الإنتظـار؟../ بسام الهلسه

* لكأن "صموئيل بيكيت" الأديب الإيرلندي المشهور كان يصف حال العرب الراهنة حينما كتب مسرحيته "في انتظار جودو".

وما يصف حال العرب هو موضوع وشخصيات المسرحية التي تمضي الوقت في انتظار شخص اسمه "جودو" تأمل أن يأتي ويخلصها مما هي فيه دون أن تفعل شيئاً، سوى تأكيد عجزها وخواءها وانعدام إرادتها.

وكما هو معروف حظيت المسرحية باهتمام كبير، وقدمتها فرق عديدة في العالم، ونال مؤلفها "بيكيت" جائزة نوبل للآداب أواخر الستينيات من القرن الماضي، لكن "جودو" و"الخلاص" لم يأتيا أبداً!

* * *
مثل شخصيات المسرحية ينهج العرب الرسميون منذ ما بعد حرب تشرين- أكتوبر 1973م سياسة انتظار عقيمة للخلاص الذي ستأتي به "الولايات المتحدة" لمشكلات المنطقة. وهي –سياسة الانتظار- النتيجة الطبيعية للخواء والعجز الناجمين عن انعدام الرؤية والإرادة.

لكن أميركا ليست مثل "جودو" الذي تتحدث عنه شخصيات المسرحية دون أن يظهر، فهي كالذي كتب عنه الشاعر "عبدالوهاب البياتي": "الذي يأتي ولا يأتي".

تأتي لتصنع المشكلات وتترك للعرب انتظار حلها على يديها، بدعوى أنها القوة الأكبر التي "تمسك بـ99% من أوراق الحل في المنطقة" كما قال رئيس عربي مرة، أو بدعوى أنها "راعية عملية السلام" كما يقول معظمهم!

وبرغم المدة الطويلة التي مرت على هذه الحال، والخيبات والمآسي الكبيرة التي تجرعها العرب من أميركا، فقد ظلوا مواظبين على سياستهم التي تبدو وكأنها قدر لا يملكون رده!؟

* * *
و"السياسة" من حيث هي التعبير المكثف عن الإرادة والمصالح، تبدأ من وعي الذات العامة والسعي لتلبية تطلعاتها واحتياجاتها في الظروف والسياقات المحددة في كل مرحلة. وبهذا المعنى فهي نقيض ذهنية ووضعية "الانتظار" من حيث الحاحها على الفعل المستمر.. اللهم إلا إذا كان –الانتظار- مجرد مناورة مؤقتة لاستجلاء موقف غامض أو لحشد قوى.

ومع توفر "الإرادة الواعية" التي هي شرط مؤسس للفعل، فإن كل حالة أخرى –كالعجز مثلاً- تكون ظرفية يمكن تجاوزها –أو تقليل آثارها- بتعزيز عوامل القوة الأخرى.

لكن مشكلة العرب المنتظرين لـ"جودو" الأميركي، لا تكمن في حاجتهم لهذا الدرس البسيط في الفكر السياسي –وإلا نكون وقعنا في الإدعاء أو الغفلة- بل تكمن في مكان آخر يتصل بفهمهم لماهية "الذات" و"المصالح" التي نتحدث عنها ونؤكد على صفتها "العامة" (أي التي تعم الأمة والوطن)؛ فيما يؤكدون هم على صفتها "الخاصة" (الطبقة المستفيدة من الوضع القائم) أو حتى "الشخصية" (العائلة والمقربين).

ومع أهمية فهم ما سبق ينبغي الفحص والنبش في بنية ذهنية رسمية عربية، ومن معها من النخب والمحاسيب والأتباع، أدمنت على ما هي فيه واطمأنت له، إلى حد أنها فقدت كل رغبة في تجاوزه.. بل حتى في التساؤل عن بديله!

* * *
تبدل العالم كثيراً منذ العام 1973م، وتغير رؤساء كثيرون في الولايات المتحدة (نيكسون، فورد، كارتر، ريغان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابن، وأخيراً: أوباما..) لكن عرب الانتظار ظلوا كما هم أوفياء للعهد فلم يملوا كما فعلت "أم كلثوم" ذات أغنية: "أنا في انتظارك.. ملّيت"!