منظمة التحرير إلى أين؟../ زهير أندراوس

خلال العدوان الإجرامي الذي نفذته الدولة العبرية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، كان واضحاً جداً اختفاء منظمة التحرير الفلسطينية عن المشهد السياسي، ولم نسمع أو نقرأ شيئاً عن موقفها من هذه الحرب المجنونة. المنظمة بتشكيلتها الحالية انضمت، بسبب التباين في مواقف الفصائل الفلسطينية المنضوية تحتها، وغير المنضوية تحتها، إلى معسكر المنظمات العربية الخاملة، التي أكل الدهر عليها وشرب، منظمة هرمة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، لا تؤثر على الأجندة الفلسطينية، ولا يأخذها أحد على محمل الجد، على الرغم من أنّها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني، وأكثرية دول العالم تعترف بها وبدورها، خلافاً لسلطة رام الله المنقوصة. هذه المنظمة التي كان لها القول الفصل في أيّ شأن فلسطيني، باتت تعاني من مرض عضال، نتيجة الفيروسات التي هاجمتها من كل حدب وصوب، وأصبحت جسماً هلامياً، لا أكثر ولا أقل.

العديد من الفصائل الفلسطينية تطالب منذ سنوات بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بهدف توحيد البيت الفلسطيني الممزّق، والذي أصبح للأسف الشديد، التشرذم ماركته التجارية المسجّلة. وإذا استمر تآكل موقع المنظمة، فإنّه في غضون فترة قصيرة سيتم الإعلان عن وفاتها، ولا نستبعد أن يتم دفنها مع جامعة الدول العربية، التي أقامها البريطانيون، والتي لا تفعل شيئاً، اللهم سوى إطلاق التصريحات الرنانة من أمينها العام، السيد عمرو موسى، الذي يتحرك وفق أجندة ما يُسمى بمحور الاعتدال العربي، الذي لا يألو جهداً في إدانة حماس وتحميلها مسؤولية العدوان على غزة، وتفضيل الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته، محمود عبّاس، على الطرف الآخر، بكلمات أكثر وضوحاً: الجامعة العربية، وهي أيضاً جسم هلامي، لا تفعل شيئاً، تدور في فلك الأنظمة العربية المتأسرلة والمتأمركة، وتعمل كل ما في وسعها من أجل تحويل الضحية إلى جزار، والجزار إلى ضحية. والجميع تابع تصدي رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لجزّار قانا، الثعلب الأبدي شمعون بيرس، واتهمه بقتل الأطفال وغادر المنصة في مؤتمر دافوس الاقتصادي، فيما بقي السيد عمرو موسى، يجلس على المنصة وكأنّ الأمر لا يعنيه.

واليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، فإنّ الشعب العربي الفلسطيني بحاجة إلى هيئة خاصة تكون مرجعية للشعب الفلسطيني، وبما أنّ منظمة التحرير قائمة، فلا بدّ أولاً من محاولة إعادة هيكلتها وإعادة هيبتها، وعدم السماح لمجموعة عبّاس بالسيطرة على القرار الفلسطيني، لأنّ هذه السيطرة ستؤجج الخلاف داخل الساحة الفلسطينية، وستُعمّق الشرخ القائم بين الفصيلين المركزيين: حماس (المقاومة) وفتح (المفاوضات العبثية). وعلى الجميع أن يعلم، بما في ذلك قادة الحركتين المذكورتين، بأنّ القضية الفلسطينية أكبر من حماس وأكبر من فتح، ولا يمكن لشعب يرزح تحت نير الاحتلال أن يبقى على هذه الحالة من الخلاف والشرذمة وتراشق الاتهامات، نكتب هذه الأمور على الرغم من إيماننا بأنّ القناع قد سقط عن وجوه زعماء تيار الاستسلام عندما خاضت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المعارك الضارية ضد جيش الاحتلال.

والسؤال الذي يطرح نفسه: من الوارد جداً أنّنا لم ننتبه لمضامين الخطاب السياسي في خضم الإحداث وسقوط الضحايا في غزة، فرغم أنّ وسائل الإعلام المختلفة نقلت وما زالت تنقل آلاف الأخبار والأفلام المسجلة والمصورة، إلا أننّا لم نسمع عن أي دور لمنظمة التحرير الفلسطينية، سوى في سياق الانتقادات اللاذعة لمحمود عبّاس الذي ما زال يحتفظ بمنصب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ومؤخراً انتخب نفسه، مشكوراً، رئيساً لدولة فلسطين، التي لم نسمع عنها حتى كتابة هذه السطور. الحقيقة واضحة جداً، علينا الإقرار والاعتراف بأنّ منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني خلال نصف قرن تقريباً، قد استنفذت دورها التاريخي وأصبحت في سجل التاريخ الماضي.

باعتقادنا المتواضع جداً، الحرب على غزة هي البداية الرسمية لفترة يُمكن تسميتها بفترة ما بعد منظمة التحرير الفلسطينية في التاريخ الفلسطيني الحديث، ومن الجدير في هذا السياق التنبيه إلى أنّ بعض الفلسطينيين وأكثر مثقفيهم إسهاماً في الدفاع عن دور ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات وثمانينات القرن المنصرم، مثل ادوارد سعيد وهشام شرابي وآخرون قد توصلوا إلى نتيجة نهاية منظمة التحرير قبل عقد أو أكثر بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، بين الدولة العبرية وبين منظمة التحرير، ولكن على الرغم من ذلك فإنّ المنظمة واصلت في تلك السنوات، وخصوصاً تحت زعامة الرئيس الفلسطيني الراحل، الشهيد ياسر عرفات في العمل وتبوأ المحور المركزي، مقابل السلطة الفلسطينية وحتى حركة حماس، في تمثيل الفلسطينيين في المساعي السياسية لتحقيق إقامة دولة فلسطينية والتفاوض مع إسرائيل، وبموازاة ذلك، استمرت المنظمة بعملية التواصل مع اللاجئين الفلسطينيين الذين شُردوا من وطنهم في النكبة المشؤومة، ولم تتنازل قيد أنملة عن الثوابت الفلسطينية، وفي مقدمتها حق العودة، مضافاً إلى ذلك، استمرت المنظمة في تجنيد القدرات الفلسطينية والعربية في المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي، وفرض الحصار على الرئيس عرفات حتى تسميمه واغتياله.

الآن، تحوّلت القضية الفلسطينية إلى مسألة فتح معابر ونزاع بين فتح وحماس على من يتولى إعادة إعمار غزة بعد تدميرها من آلة الحرب الإسرائيلية، لا بل أكثر من ذلك، فقد فُرزت الأمور في الساحة الفلسطينية بين تيار مقاوم، تقوده حركة حماس، وبين تيار استسلامي، يقوده عبّاس والمحيطون به. وبالتالي فإنّ اليوم، قبل غد، على الفصائل جميعها، أن تتفق على إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، حتى لا نفقد آخر مؤسسة تمثل الشعب الفلسطيني على كافة أطيافه، ومن المفضل إن تنضم حركة حماس المقاومة إلى المنظمة بهدف إحداث التغيير من الداخل، وتحويل المنظمة إلى مرجعية قوية للشعب العربي الفلسطيني، حتى لا نفقد البوصلة.

أما بالنسبة لاقتراح رئيس الدائرة السياسية في حركة حماس، السيد خالد مشعل، بوجود تحرك لبناء مرجعية وطنية جديدة تمثل فلسطينيي الداخل والخارج وتضم جميع القوى الوطنية الفلسطينية وقوى الشعب وتياراته الوطنية، وأنّ منظمة التحرير الفلسطينية في حالتها الراهنة لم تعد تمثل مرجعية الفلسطينيين وتحولت إلى إدارة لانقسام البيت الفلسطيني، فإننّا إذ نوافق معه مبدئياً على هذا الطرح، فإننّا في الوقت ذاته نخشى من أن تستغل القوى الاستسلامية في الشارع الفلسطيني هذه المبادرة الصحية جداً لتكريس للشرذمة الفلسطينية، الأمر الذي يلعب في صالح إسرائيل ومعسكر المتواطئين والمتخاذلين من العرب، علاوة على ذلك، يثير لدينا هذا الاقتراح المخاوف العميقة من أن يُكرّس إلى الأبد الانقسام الفلسطيني، السياسي (حماس وفتح) والجغرافي، (أي بين قطاع غزة "المحرر" بفتح الراء والضفة الغربية المحتلة). من هنا، نقول، اقتراح مشعل هو اقتراح وطني وعملي يصدر عن قائد تنظيم مقاوم، وعلى حركة حماس أن تُقنع الفصائل الفلسطينية بتبني هذا الموقف، بهدف تحويله إلى قرار تُجمع عليه أكثرية الفصائل الفلسطينية، ولكي لا تسمح للانتهازيين من استغلال هذا الاقتراح لاتهام الحركة بأنّها ترسم سياساتها وفق الأجندة الإيرانية أو السورية، الإدعاء الذي لا يمت إلى الحقيقة بصلة، لأنّ حفاظ حماس وباقي الفصائل الفلسطينية على بعدها العربي والإسلامي يصب في نهاية المطاف في مصلحة الشعب العربي الفلسطيني.