حتى تثبيت الخطر والعدوان عند حدود معينة!../ نزار السهلي*

المشهد التراجيدي لحالة الصراع والتجاذب في الساحة الفلسطينية مع بدء الحوار المرتقب في عاصمة المعز التي يطلقها مريدوها في الشارع الفلسطيني والعربي، وحتى رسائل الدعم لهذا الحوار من الراعي العربي وغير العربي لم تجد سوى المزيد من الغوص في وحل الانقسام والانفلات الإعلامي والأمني وتسميم الأجواء بمزيد من الاعتقالات والاتهامات المضادة مهددة بتقويض المشروع الوطني الفلسطيني برمته في ظل تصاعد الهجمة الصهيونية مع كل صباح ومساء بمزيد من الممارسات فاقت كل تصور دون رادع. وإذا كان حجم العدوان تجاوز كل المحرمات ولم يدفع ويحض السياسي الفلسطيني الذي يمثل أطراف الصراع السير بخطوات أسرع من إجراءات العدوان بتلاحم أكثر صلابة، فاعتقد وهذا رأيي مع السواد الأعظم في الشارع فلا أجد نفعا ولا فائدة من وجود هذا الرهط المتنقل على رؤوس الشعب الفلسطيني متسيدا عقله ونضاله ومشاركا في تقييد حريته ووجهته باتجاهات لا تخدم سوى الاحتلال ومشاريعه الآخذة بالتصاعد والتنامي إلى أبعد الحدود على الأرض الفلسطينية.

وإذا كانت القدس تمثل عنوان النضال الفلسطيني والعربي والإسلامي بكل أبعادها الدينية والقومية لم تحرك ساكنا في عقول المتناحرين نحو الحضيض من التاريخ أمام كل الإجراءات الخطيرة من التهويد إلى الاقتلاع والتهجير والهدم، فحري بهم التنحي عن تمثيل نضال سكانها وسكان كل فلسطين، وعدم الدخول في لعبة التمثيل والمرجعيات السخيفة التي أبقت المشهد الفلسطيني حبيس التناقضات المؤلمة والمدمرة للمجتمع الفلسطيني الذي أبى على مدار سنوات نضاله أن يكون أسير الحسابات الفئوية و الشعاراتية التي استوطنت عقل السياسي الفلسطيني التي لفظها ومقتها الشارع الفلسطيني.

وفيما ينشغل الشارع الفلسطيني في مراقبة موعد بدء الحوار الفلسطيني وسيل التهم المتقاذفة بين الأطراف يجعلنا المشهد نتقيأ ونبصق في وجه الصورة المترامية لسياسيينا الأشاوس أمام إجراءات الاحتلال لطرد سكان حي البستان في سلوان في مدينة القدس التي يتغنى بها ساستنا ومثقفونا، والتي هي بالمناسبة عاصمتهم الثقافية للعام الحالي وشارعنا الفلسطيني والعربي الصامت مجتمعا أمام ملهاة الصراع في الشارع الفلسطيني.

وما يحدث لزهرة المدائن في فعل الاغتصاب المتواصل منذ 42 عاما لأولى القبلتين وثالث الحرمين هو في جوهره استمرار لسياسة التعمية وإدارة الظهر لفعل الدعم للمقدسيين الذين يحاولون الصمود بأرضهم. ومع تراجع الدعم العربي وانشغال القادة الفلسطينيين في لملمة شملهم المشتت تحت شعارات زائفة أبعدتهم عن الصراع الرئيسي مع الاحتلال وعدوانه على شعبهم وخصوصا عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة التي حاصرها الاستيطان بـ18تجمعا استيطانيا من "معاليه ادوميم" من الشرق إلى "غوش عتصيون" من الجنوب الغربي وصولا إلى "جفعات زئيف" إلى الشمال، إلى الإجراءات التي كشف عنها مؤخرا لطرد وترحيل سكان حي البستان في سلوان، وردود الفعل التي تلت الكشف عن المخطط الصهيوني لحكومة اليمين الجديدة التي تبشرنا وتحاول أن تفهمنا دون جدوى على مدار 60 عاما أن كل الحكومات الإسرائيلية بكل تلاوينها السياسية لا تختلف في سياسة احتراف القتل والإجرام وقضم واستلاب الأرض الفلسطينية، وأن كل سياسيي الدولة العبرية هم موجودون لخدمة أهداف الدولة والحركة الصهيونية الاستيطانية القائمة على طرد سكان فلسطين التاريخية

ونتيجة لتلك الحالة من الترهل التي أصابت العقل السياسي الفلسطيني والعربي في صد العدوان المتواصل أخذت دولة الاحتلال علمها بما لحق من العار جسد النظام السياسي العربي والفلسطيني مفتتحة طرقا وأساليب جديدة للمضي في إجراءاتها العدوانية، وتكافأ عليه بمزيد من الفرقة الفلسطينية والعربية وبحماسة أكثر لبعض النظم العربية، وهذا بمرحلة ما بعد العدوان على غزة لتقيم أفضل علاقات التطبيع الاقتصادي معها كمكافأة لها على عدوانها، تارة في شكل التطبيع السري لإمارة الأحلام " دبي" كم وصفتها سمدار بيري في يديعوت احرنوت، وتارة أخرى في الاستفادة من أقمار التجسس الإسرائيلية لرصد العدو "الإيراني" في مقابل شح الدعم المقدم لعاصمة " الثقافة العربية" المتغنى بها كذبا بشعارات طنانة تدوي في أذن المواطن العربي والفلسطيني حتى صمت أذنيه وجعلت من تلك الشعارات المتشابهة في لغة الدعم والشجب والتنديد بالعدوان لا تساوي إلا صفرا في معادلات السياسة الإسرائيلية القائمة على القتل والعدوان ومصادرة الأراضي وطرد السكان الذين يشكلون الخطر الأبرز في المعركة الديمغرافية.

وطالما بقيت ردود الفعل على سياسة العدوان الإسرائيلية متسمة بتلك الميوعة الفلسطينية والعربية الرسمية لن تنتج السياسة الفلسطينية والعربية سوى المزيد من الدعم لتلك السياسة الموغلة في الدم الفلسطيني المراق على أرصفة السياسة العربية وطرق الواقعية الفلسطينية.

فهل سيتكرر ذات المشهد في انطلاق الحوار الفلسطيني وتحميل الأطراف لبعضها مسؤولية فشله وتحميل بعضها المسؤولية؟ الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده كافة يحمل كل الأطراف المجتمعة مسؤوليتها التاريخية فتح وحماس والشعبية والديمقراطية والنضال والقيادة العامة والصاعقة وكل القوى التي تعتبر نفسها وطنية وتمثل شرائح المجتمع الفلسطيني مطالبة إلى الاستماع إلى صوت الشارع الفلسطيني البعيد عن التجاذبات والصراعات والإنصات إلى صوت الجرافات الإسرائيلية الذي سيشق هديرها سكون سلوان في القدس وغيرها من البلدات الفلسطينية المهددة بالعدوان والعمل بما أمكن لصد العدوان والخطر عند حدود معينة وهذا اضعف الإيمان.