في ذكرى الوحدة المصرية - السورية / عوني فرسخ

في 22 فبراير/ شباط 1958 قامت الجمهورية العربية المتحدة باتحاد مصر وسوريا. وفي 28 سبتمبر/ ايلول 1961 عصف انقلاب عسكري بدولة الوحدة. وفي تقويم التجرية الرائدة كتب د. أحمد يوسف احمد يقول إنها “ظلمت ظلما بينا، سواء من جانب عدد ليس بالقليل ممن شاركوا فيها، أو من جانب الباحثين العرب. فكم من الوقائع تذكر بشأنها غير مدققة، وكم من الأحكام السطحية، تطلق في تقويمها، ثم تترك دون مناقشة”. ومع انه انقضى على الانفصال ثمانية واربعون عاما إلا أن الحديث عن تجربة الوحدة المصرية السورية لم ينقطع، خاصة من قبل أصحاب التوجه القومي في محاولة استقراء دروسها بما يفيد الطموح لتجاوز واقع التجزئة الى تكامل قومي يوفر للأمة العربية مواكبة العصر. ومن هذا المنطلق تأتي هذه الوقفة للتذكير ببعض حقائق أعظم انجازات وأكبر اخفاقات الأمة العربية في القرن العشرين.

والثابت أنه في مواجهة تعاظم التحديات الداخلية والخارجية في سوريا بادر صناع قرارها السياسيون والعسكريون لطلب الوحدة باعتبارها السبيل الأمثل لحل المشاكل القطرية، وتشكل في سوريا تيار جماهيري مطالبا بالوحدة. وحين تصدر المبادرة عن القطر الاصغر مساحة وتعداد سكان والاقل في امكاناته المادية، بينما تأتي الاستجابة من القطر الاكبر على المحاور الثلاثة، وصاحب الدور التاريخي في توحيد المنطقة، ففي ذلك دلالة انتفاء الاكراه في اقامة الوحدة. فضلاً عن أن المؤسسات الدستورية في القطرين شاركت في اعداد وثائق إقامة الجمهورية العربية المتحدة، وأقرها المجلس النيابي السوري ومجلس الأمة المصري، وشعبا القطرين بما يشبه الاجماع في استفتاء عام. الأمر الذي يدل على أن قرار قيام الوحدة كان ديمقراطيا.

ولقد جاء قيام الجمهورية العربية المتحدة تتويجاً للتفاعلات التي توالت بتسارع طردي بين سوريا ومصر، على الصعيدين الرسمي والشعبي منذ التقى صناع قرارهما على رفض حلف بغداد مطلع العام 1955. إذ سبق قيام الوحدة عقد جملة اتفاقيات عسكرية واقتصادية وثقافية بين القطرين، عززت التقارب بين القيادتين والشعبين. وبالتالي فالوحدة لم تكن ارتجالية من دون تخطيط وتمحيص. وعلى مدى الفترة من الدعوة للوحدة في 17/4/1956 وقيامها في 22/8/1958 توالى الجدل حول أهميتها والشكل الذي يجب أن تأتي عليه، شارك فيه العديد من أبرز المفكرين والساسة العرب يومذاك. إلا انه ندرت للغاية دراسات البنى الاقتصادية في مصر وسوريا، والبحث في تماثل وتمايز الواقع السياسي الاجتماعي في القطرين. وفي تقديري أن في غياب هذا الجانب من الدراسات قصوراً كانت له آثاره السلبية في علاقة النخب السياسية السورية، وبخاصة قادة البعث وقطاع واسع من اعضائه، مع عبدالناصر ونظام الحكم في عهد الوحدة. فضلا عن أن في مقدمة الدروس المستفادة من تجربة الوحدة الرائدة ضرورة ان يسبق كل عمل وحدوي أو اتحادي عربي الدراسة الوافية لواقع الأقطار موضوع الوحدة والاتحاد.

وكانت مصر قد اعتمدت الديمقراطية الاجتماعية، متجاوزة الليبرالية شكلاً ومضموناً، وخطت خطوات واسعة باتجاه تمكين القطاع العام من دون إلغاء دور القطاع الخاص، واتخذت عدة اجراءات اقتصادية واجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتضييق التفاوت بين الطبقات. وكان ذلك معلوماً لنخب سوريا القائدة وجمهورها العام. بل ويمكن القول إن الطموح لتحقيق ذلك كان في مقدمة العوامل المحفزة لحزب البعث والجماهير السورية لطلب الوحدة مع مصر، بعد أن كان التوجه للوحدة مع العراق هو الغالب في اوساط النخبة السياسية السورية.

وفضلاً عن ذلك كانت المباحثات التي دارت فيما بين الوفد المصري بقيادة عبدالناصر وبين وفد الضباط السوريين ووزير الخارجية السوري صلاح البيطار ما بين 14 22/1/،1958 قد انتهت بالاتفاق على “اعلان مبادىء” ينص على اقامة جمهورية رئاسية، يتولى فيها الرئيس السلطة التنفيذية من خلال وزراء يعينهم، وذات نظام يتجاوز الليبرالية والاقتصاد الحر لنظام ديمقراطي اجتماعي لا حزبي، واعتماد الاسلوب غير الرأسمالي في التنمية الاقتصادية. وقد جرت مناقشة الاعلان في مجلس الوزراء السوري بحضور رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والاركان. وقد اقروه جميعهم، وأيدوا بحماس الدعوة لحل الأحزاب، كما يقرر خالد العظم في مذكراته (ص 215). ولقد كان الوفد السوري الذي شارك في المباحثات الختامية لاقامة الجمهورية العربية المتحدة، ووقع على بيان إعلانها برئاسة شكري القوتلي، رئيس الجمهورية، وعضوية صبري العسلي، رئيس الوزراء، وسبعة وزراء يمثلون الائتلاف الحاكم من حزبي البعث والوطني والكتلتين الدستورية والديمقراطية ورئيس الاركان اللواء عفيف البزري ممثلا للمجلس العسكري صاحب الدور في صناعة القرار السياسي السوري.

ولا شك انه وقعت أخطاء غير يسيرة في الممارسة العملية، وحدثت تجاوزات للحريات العامة والخاصة، ونشبت نزاعات بين شركاء الحكم. وكل ذلك يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى الرئيس عبدالناصر باعتباره رئيسا واسع الصلاحيات في جمهورية رئاسية. غير أن عهد الوحدة حفل بالانجازات الاجتماعية والاقتصادية لمصلحة الأغلبية، كما شهد دعم حركات التحرر الوطني العربية والافريقية. إن الانجازات المتحققة هي التي حفزت المتآمرين للانقضاض على الوحدة تحسبا من توالي التقدم بسوريا على طريق التغيير الاقتصادي والاجتماعي الذي لم يستطع تحالف اليسار إنجازه حين كان صاحب الدور الاول في صناعة القرار السوري. وبرهان ذلك ان الانفصال لم يقع نتيجة انتفاضة شعبية رافضة النظام بسبب الاخطاء والتجاوزات التي لا تنكر، أو لاتهامه بالتفريط بالثوابت القومية، كما ادعى بعضهم حول تحويل مجرى نهر الاردن. وانما وقع الانفصال بانقلاب عسكري حيكت خيوطه في احدى العواصم الاوروبية، وتم تمويله إقليمياً. وذلك ما أكده اللواء عبدالكريم زهر الدين، الذي عينه الانقلابيون قائدا للجيش، في بيان رسمي يوم 28/3/1962. فضلا عن تميز موقف جماهير سوريا تجاه الانقلاب الانفصالي عن مواقفها تجاه الانقلابات السابقة، منذ انقلاب حسني الزعيم في 31/3/1949. إذ كانت للمرة الاولى التي لا تخرج فيها مؤيدة الانقلاب، ولا رافعة صورة قائدة، أو منددة بالحكم الذي أسقطه، وانما على العكس من ذلك انطلقت منذ لحظة اعلانه متظاهرة وهي ترفع أعلام دولة الوحدة وصور عبدالناصر ومطالبة بالحفاظ على ما تحقق لها خلال عهد الوحدة من مكاسب، وواصلت التظاهر لأكثر من عامين مطالبة باعادة الوحدة ومتصدية لمختلف القوى القابلة بالانفصال.